مرت في الـ30 من يونيو (حزيران) الماضي 94 عاماً على رحيل خليل فرح، المغني الشاعر الغرد في فنن الوطنية السودانية. 1- أطال الناس تصويب النظر عند مأثرة خليل من جهة بلاغته في العربية وفنونها، في فصيحها وعاميتها،
بينما ولد في "العجمة"، نقول بها لبيان المفارقة، في أسرة عريقة في شعب النوبة التاريخي في شمال السودان. ما لم يقف أحد عليه هو كيف جعل الخليل،
الذي تنتمي أسرته إلى طريقة الختمية الصوفية، من أم درمان، عاصمة دولة المهدية (1885-1898) التي خاصمتها الختمية طويلاً، حرماً وطنياً تعنو له الأفئدة التي في الصدور.
وفوق نسبة أهله المناوئة للختمية ادخروا عنها ذكراً مؤلمة. فولد الخليل عام 1892 في قرية دبروسة شمال وادي حلفا التي نزحت أسرته إليها، في رواية قوية، من جزيرة صاي هرباً من طلائع جيش الأمير المهدوي عبدالرحمن النجومي الذي بدأ حملة فتح مصر في نهاية 1885.
بل كان من أهله عبدالكريم (أوشي) خيري بدوي الذي قاد جمعهم لحرب المهدية وأوقع بها هزائم قبل أن تضيق عليه الخناق فيفر إلى مصر. وصح سبب نزوح أسرة خليل بسبب المهدية أم لم يصح، فهو وارث لتاريخ المهدية في منطقة يحول حتى اليوم بين أهلها وبينها. فما انتهكت قوات "الدعم السريع"،
التي غالب قوامها قادة وأفراد من شعب البقارة من غرب السودان، حتى انبعثت ذكرى المهدية القديمة وسطهم. فلطالما حكت لهم جداتهم عن جماعات من جيش المهدية مرت بهم لحسوا حتى "العجين في الخمارة" من فرط جوعهم. كان جيش النجومي،
الذي أسعدنا الحظ أن دوّن مسيرته الشيخ بابكر بدري الذي كان كاتباً في إدارته، جيشاً بائساً بلا مؤونة مما أكرهه لاغتصاب ما يقع عليه في أيدي المواطنين. وبلغ من المسغبة حد طلب النجومي من الخليفة عبدالله في أم درمان مدداً من العيوش لمرتين لتدني فيضان النيل وقتها. ناهيك عن إثقال التابعين لجنوده من أهل وزوجات وأطفال بلغوا 8 آلاف في جيش من 5 آلاف أنصاري مجاهد.
فاضطروا إلى أكل الرطب نيئاً مراً وعوس مسحون نوى التمر. وانهزم الجيش في معركة توشكي في أول أغسطس (آب) 1889. وسار بين الناس قول النوبيين عن تلك الهزيمة: "ود النجومي التي كانت تعكسنا أهلكه الله في توشكي يا خينا" وتحتاج فروسية قائده النجومي، الذي توفي عن 37 سنة خدم فيها المهدية كما فعل قليل غيره،
وبسالة أنصاره كما دونها بابكر بدري إلى من يذيعها ما يزال: حفاظ مر وخلق وعر. 2- سمّى الدكتور روبرت كريمر، أم درمان "المدينة المقدسة على النيل" وجعلها عنواناً لكتابه عنها. وتُعرف بـ"بقعة المهدي" لأنه غادر الخرطوم،
عاصمة السودان، دولة الحكم التركي المصري التي أسقطها في يناير (كانون الثاني) 1885 إلى أم درمان مقراً لدولته الجديدة بوحي قرآني: "وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال". وكان قد رأى ظلم المدينة التي عاش فيها طالباً شاباً وكرهها. بل رأى من كثب كيف كان أستاذه محمد الخير،
والأمير في جيشه ودولته لاحقاً، يحارب فساد المدن الظالمة. فكان يغير منكر مدينة بربر، التي تلقى المهدي العلم فيها على يديه،
بالإغارة ليزيله على رأس طلابه. ورأى المهدي بعد فتح الخرطوم من ثروة المدينة فسوقاً أمض دينه. فرأى في رواية لبابكر بدري، حلي الذهب وسبائكه التي وضعت قواته يدها عليها فالتفت عنها بسرعة البرق وصد عنها راجعاً.
فخطر لبابكر في الساعة بيت البصيري: "فراودته الجبال الشم من ذهب". وصلى بابكر في يوم آخر مع المهدي فلما قرأ: "وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها" انحنى المهدي حتى ظنوا أنه سيموت، ولكنه لما رفع رأسه فإذا لحيته كلها تقطر دموعاً. كان رجلاً تصرعه المعاني ويستسخف الزينة البلهاء.
ولم يتأخر خليل كما يفعل كثر إلى يومنا من عقد وطنيته بمأثرة المهدية. فحين أشرقت تلك الوطنية في نفسه ارتدت واقعات حياته التي عرضنا لها إلى حجمها الطبيعي. لم يتربص بالمهدية لحسابها على الماضي لأنه عزم على الانتقال بالفترة من يومية التحري إلى رحاب التاريخ. وفي حساب التاريخ يرجح الوطن لأن المهدية مهما قلنا عن سوءتها مما وقعت في سياق حبه لوطن كان في يومه ذاك تحت نعل مستعمر جديد.
ولو لم تكن فينا المهدية لاخترعها مثل خليل كشهادة استحقاق في وطن حر مستقل: في يمين النيل حيث سابق كنا فوق أعراف السوابق في الضريح الفاح طيبه عابق (ضريح المهدي في قلب أم درمان) السلام يا المهدي الإمام لم تكن أم درمان مسكن خليل الذي سكن الخرطوم، ولكنها المدينة التي لم يفارقها شبراً ببينة غنائه وشعره حتى أنه لما غادر السودان يطلب العلاج من داء الصدر كان قد غادر "أم درمان باكياً شافقاً". واكتشف المهدية تاريخاً ومأثرة من نص أم درمان التي هي معمار مهدوي محض. كان خليل قد انتظم في حركة وطنية سياسية هي "الاتحاد السوداني" (1922) بعد تخرجه من "كلية غردون" مهندساً بمصلحة البريد والبرق.
وهي الجمعية التي خرجت من رحمها جمعية "اللواء الأبيض" وثورتها ضد الاستعمار الإنجليزي. وحفل فنه بصبوات تلك الجماعة للوطن وفنائها فيه. فانعقدت بينهم زمالة مسهدة به مؤرقة بجزالة النظم فيه والغناء له حتى كادت تخلو من النثر بالكلية. كان لخليل وصحبه تطواف حجيج بعرصات المدينة المقدسة.
وذكر المواضع مما اشتهر في أغاني الربوع الأميركية الذي ينتظم به المستمع إلى تجربة أميركية مشتركة باستدعاء صور منها وذكريات عنها. وحدثنا عن تطوافهم التقي سكرى بزمالة النضال والأدب والفن صديقه عرفات محمد عبدالله، الذي أصدر مجلة "الفجر" عام 1936 منبراً للفكر الوطني: دع هذا وتخيلهم (خليل وصحبه) والساعة الثالثة بعد منتصف الليل والظلام دامس وهم في موضع من شارع الخليفة (عبدالله) بأم درمان أبعد ما يكون عن الأنيس، وقد أحاطوا بشاديهم (خليل) وهو ينشد في صوت سلس العنان رقيق الحاشية متموج النبرات.
ربما كان ينشد: و"حبيب همته في غربته". أو "جادك الغيث إذا الغيث همى"، أو "أعبدة ما ينسى مودتك القلب"، أو (من أغانيه) "خِلي في القصور،
زينة العصور، بهجة الرصافة وزينة المنصور"، أو "طويل يا ليل سهادك ويا ما حكمك جاير". وقال عرفات ما أفسد ذلك السعي في أقداس المدينة إلا ظهور الترام وأخذهم بركوبه فتحولت حياتهم من "من تلك المتعة إلى السأم".
كانوا حالة من "مرح الشباب" في قول خليل مفتونين بالوطن في خلايا جمعية "الاتحاد السوداني": نحن صحبة وإخوان نجاب لي دعانا المولى استجاب إن مرقنا السر في الحجاب وإن قعدنا إخوانك عجاب وكانت ساحة الليل شغلاً للوطن. يوزعون فيها منشوراتهم المناهضة للاستعمار وقد طبعت على آلة "بالوظة" كان وفرها لهم الضابط عبدالله خليل الذي ترأس وزارة السودان المستقل في 1956. فلما مر خليل وصحبه ببناية مركز أم درمان دعاهم للحرص من فتكاته: بق نور الموردة (حي بالمدينة) أم عباب خبي كاسك ما ينوبنا ناب كل خشم المركز ذئاب وذكر تلك الزمالة مكاوي يعقوب بعد سفره للدراسة بمصر، أو "أصيب بسهم البين" كما قال،
وافتقد الربع: ليال تعاطينا المودة والهوى كؤوساً يغنين بهن خليل وذكر منازل شبابهم: فمن مغان شذت أفياؤها عبقاً إلى ترام إلى ناد إلى بار. غرد بعودك ها هي الأشجار تنصت والمياه وكان لهم هذرهم. فجادل الناقد الأمين على مدني الشاعر توفيق صالح جبريل في مجلسهم يوماً حول قصيدة ما. وطال نقاشهما.
وأراد خليل فضه بمشهد بانتومايم حمل فيه كرسياً واندفع به نحو الأمين. فضجوا ضحكاً. واستعاد هنا الخليل يوماً حاضر فيه الأمين عن قامة مهيبة للشعر التقليدي هو محمد عمر البنا. فقال عن شعره أنه ليس بشعر بل صناعة وتقليد لا روح فيه ولا شعور.
فخرج عليه مستمع له بكرسي همّ بإلقائه عليه بينما ظل الأمين يردد وهو تحت ظل السيف: ليس هذا بشعر ليس هذا بشعر إنه مسخ مشوه. وتجد هذا التطواف في "ما هو عارف قدمو المفارق" الأغنية التي ودع بها السودان ليستشفي في مصر من داء الصدر الذي أصابه ولم يعش بعدها طويلاً. وللأغنية صليل في آذان السودانيين وصهيل في يومنا هذا ما يزال. فـ"الشوارع غر" عند خليل والأماكن أحرام: من فتيح للخور للمغالق من علايل أبروف للمزالق قدله يا مولاي حافي حالق بالطريق الشاقي الترام وكل تلك شوارع وأحياء ومعالم من أم درمان.
والطريق الأخير هو الذي يمتد من مشروع بحي أبو روف يعبر منه الناس إلى بلدة شمبات. ويأخذ منه الراكب الترام إلى محطة أم درمان الوسطى عبر سوق الشجرة، وسبيل (ماء) جبريل، ومحطة "مكي باي نيت"،
ثم كهربة عامر، حتى آخر الخط وهو المحطة الوسطى. واستدعى خليل هنا شعيرة الحج والعمرة ليستكمل طلاقته في تقواه للوطنية التي تجسدها المدينة. فبدا وكأنه قد أحرم والإحرام نية الدخول في نسك الحج أو العمرة. أما الحفاء فهو سنّة لأمر الرسول أن نتحفى أحياناً تواضعاً وكسراً للنفس.
أما حلق الشعر، أو تقصيره، فهو أيضاً في دلالة الامتثال والاستسلام. ولا أعرف مدينة علقت بنفس شاعر مغن مثل علوق أم درمان بخليل.
3- أما أكثر فصول خليل الوطنية درامية فهو ليلة غنى في دار صمويل عطية من قلم استخبارات الحكومة. وهو عم الدكتور إدوارد سليم عطية (1903-1964) الذي درّس بكلية غردون بالخرطوم. وهما من جالية لبنانية صغيرة جاءت بأثر الاستعمار الإنجليزي وخدمت في الأمن والصحة والتعليم. وهي الليلة التي قال عنها حسن نجيلة،
المؤرخ الذرب لخليل فرح، إنها كانت "غناء في عرين الأسد". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وكانت ذاعت في أعقاب ثورة 1924 أغنية لخليل فرح هي "نحن ونحن الشرف البازخ دابي الكر شباب النيل". وبلغ صمويل خبرها من عيونه المبثوثة.
فأرسل يطلب من خليل لقاءه بمكتبه. فأسرع يلبي الطلب. ولقيه في مكتبه فتفرس فيه هنيهة ثم حياه وأمره بالجلوس على مقعد إلى جواره. وبغير مقدمات قال لخليل: أريد أن أسمع منك "نحن ونحن الشرف الباذخ" وهو يحدق في وجه الخليل يحصي عليه كل خلجة أو انتفاضة.
وأدرك الخليل بسرعة حقيقة الموقف وأن ذلك كان استجواباً لا جلسة استماع. فقال لصمويل بهدوء: "المكاتب يا سيدي لا تصلح للغناء. ثم أن عودي ليس معي وتعودت ألا أغني من دونه، فإذا شئت ضربنا موعداً حيث تريد لأسمعك ما ترغب سماعه من أغانيّ".
لم يتوقع صمويل ذلك الرد. ولا بد أنه أحس أنه أمام رجل مقاليد أمره بيده. وضرب موعداً له في داره. ودعا الخليل صديقه الإداري إبراهيم بدري ليصحبه ليغني في عرين الأسد.
واستقبل صمويل الخليل وسط أصدقاء شوام بمائدة حفلت بكل شهي مستطاب من طعام وشراب. وغنى الخليل شجياً وطرب القوم بعد سماعهم منه قصيدة عمر بن أبي ربيعة "أعبدة ما ينسى مودتك": أعَبدَةُ ما يَنسى مَوَدَّتَكِ القَلبُ وَلا هُوَ يُسليهِ رَخاءٌ وَلا كَربُ وَلا قَولُ واشٍ كاشِحٍ ذي عَداوَةٍ وَلا بُعدُ دارٍ إِن نَأَيتِ وَلا قُربُ وَعَبدَةُ بَيضاءُ المَحاجِرِ طفلَةٌ مُنَعَّمَةٌ
تُصبى الحَليمَ وَلا تَصبو قَطوفٌ مِنَ الحورِ الأَوانِسِ بِالضُحى مَتى تَمشِ قَيسُ الباعَ مِن بُهرِها تَرب وَلَستُ بِناسٍ يَومَ قالَت لِأَربَعٍ نَواعِمَ غُرٍّ كُلُّهُنَّ لَها تِربُ أَلا لَيتَ شِعري فيمَ كانَ صُدودُهُ أَعُلِّقَ أُخرى أَم عَلَيَّ بِهِ عَتبُ وفعلت اللغة بأثرها فعل السحر في المستمعين. فكأن جذوة تلك العروة العربية الوثقى نفضت رماد التاريخ عنها، ونبضت في الأفئدة فأوت إليها الأسماع في الصمت الذي ران على المكان إلا من صوت خليل يأتيهم بخبر من "أبناء يعرب حيث مجد ربيعة" من قصيدة له: زهر كأن وجههم من نبلها زهر الكواكب للعيون بوادي متشابهون لدى العراك كأنما نبتت رماحهم مع الأجساد لما بلغت النشوة بالقوم الذروة اطمأن خليل وأصلح من عوده والتفت إلى صمويل قائلاً: وهذه بغيتك،
وارتفع صوته قوياً أخاذاً ينشد: نحن ونحن الشرف البازخ دابي الكر شباب النيل يا نزلانا أمرقو الذمة كيف ينطاق هوان الأمة زوروا حقوقنا وشالوا حقوقنا ديل عاوزين دمانا تسيل ما فيش تاني مصري سوداني نحن الكل ولاد النيل وانطلق صديقه بدري بقوم بمهمة الكورس لما أعداه به من شجاعته. بل شاركه بعض الضيوف الذين بدا عليهم الإعجاب بما يسمعون وافترقوا عند منتصف الليل وقد شد صمويل بكلتا يديه على يدي الخليل مثنياً ومعجباً. ومات التحقيق عن مصدر الأغنية منذ تلك الليلة. 4- الحرب إعلان موجز بأن الأمة قد أضاعت سرديتها الوطنية.
وفي حربنا هذه أخذت أطرافها في اجترار السردية كيفما اتفق لها، أي تلعب لمصلحة ورقها. ودقت الأطراف عطر منشم حول فترة المهدية بالذات. فبدت الحرب الناشبة وكأنها إعادة إنتاج للمهدية.
فصوّر أنصار "الدعم السريع"، ممن يزعمون أنهم من الجماعات التي كانت الحاضن للمهدية، احتلالهم الخرطوم في 2023 بمثابة عرض ثانٍ لفتح المهدية للخرطوم في 1885 وهزيمة النظام التركي المصري الذي أثقل السودانيين. ورأى الطرف الآخر أنه بالفعل كذلك ناظرين إلى الخرائب والانتهاكات الواسعة التي وقعت بأثر كليهما.
ولو كان الخليل فينا أكثر من أغنية أو قصيد لرأينا منه كيف كف عن الشغب مع المهدية مع أن تظلّمه منها كنظام كان عبيطاً، أي نيئاً، ما يزال وأحال المهدية بدماثة وفي وقت باكر إلى التاريخ ونظمها، غناءً وقصيداً،
في سردية وطن لم يفرغ بعد من استكمال تحرره الوطني.