حقق الجيش السوداني وحلفاؤه أمس الأربعاء الثامن من يوليو (تموز) الجاري اختراقات كبيرة باستعادة السيطرة على مدينة الكرمك الاستراتيجية على الحدود مع إثيوبيا بإقليم النيل الأزرق جنوب شرقي السودان، واسترداد منطقة "أبو سروج" الواقعة على 35 كيلومتراً من مدينة الجنينة، عاصمة ولاية غرب دارفور، وسط تواصل التحركات العسكرية والتقدم المستمر باتجاه المدينة. معارك شرسة وأعلن بيان رسمي للجيش السوداني تحرير مدينة الكرمك بولاية النيل الأزرق،
بعد معارك شرسة تكبدت فيها قوات "الدعم السريع" خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، وفرت بقاياها تجر أذيال الهزيمة والضياع، تاركة خلفها أسلحتها ومركباتها. وتكتسب مدينة الكرمك أهمية استراتيجية في الإقليم نظراً إلى موقعها المحصن طبيعياً، حيث لا يفصلها عن الأراضي الإثيوبية سوى مجرى مائي موسمي. واستولت قوات "الدعم السريع" وحليفتها "الحركة الشعبية - شمال" بقيادة جوزيف توكا على المدينة منذ مارس (آذار) الماضي. وشدد الجيش في بيانه على أن حماية المدنيين والعمل على استعادة الخدمات وتهيئة الظروف لعودة الحياة الطبيعية تمثل أولوية قصوى في المرحلة المقبلة. التحكم بالحدود ويرى مراقبون أن استعادة "الكرمك" تشكل تطوراً عسكرياً كبيراً كإحدى أهم بوابات إقليم النيل الأزرق،
سيؤمن الجبهة الشرقية ويخفف الضغط على مدينة الدمازين، العاصمة الإقليمية، التي تمثل مركز الثقل العسكري والإداري في الإقليم. كما يقلل هذا التطور العسكري من احتمالات توسع المعارك نحو عمق الإقليم،
ويمنح الجيش قدرة أكبر على التحكم في الحدود ومراقبة التحركات والحد من التهريب وعبور المقاتلين. من جانبها قالت "الدعم السريع" إنها تصدت لمحاولة فاشلة من الجيش للهجوم علی مدينة الكرمك، مشيرة على منصاتها بمواقع التواصل الاجتماعي إلى أن هدف هجوم الجيش كان منع قواتها من التقدم نحو آخر ثلاث حاميات عسكرية للجيش بغرب الإقليم هي: باو وسالي ودندرو، كما زعمت تقدم قواتها وسيطرتها على ثلاث مناطق تعتبر معسكرات للعدو في الإقليم هي: داسي وفازوغلي وياره، التي تبعد 15 كيلومتراً فقط من الدمازين. مواجهات الجنينة في غرب دارفور أكدت مصادر ميدانية،
تواصل المعارك والاشتباكات العنيفة بين الجيش والقوات المشتركة من جانب وقوات "الدعم السريع" من الجانب الآخر، إذ يضغط الجيش وحلفاؤه بالتقدم نحو محيط مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور، مكبداً "الدعم السريع" خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد، وسط أنباء عن تراجع عدد من عناصرها إلى خارج المدينة باتجاه الحدود التشادية ومدينة نيالا بجنوب دارفور. وتسببت المواجهات والمعارك في موجة نزوح جماعي ودفع الآلاف إلى الفرار نحو الغابات والوديان وفي اتجاه معبر أدري الحدودي،
للوصول إلى الأراضي التشادية في ظل ظروف إنسانية بالغة التعقيد. ومنذ أكثر من أسبوعين تتصاعد وتيرة المعارك والمواجهات في المناطق الحدودية المحاذية لدولة تشاد في إقليم دارفور، سيطر خلالها الجيش الإثنين الماضي على مدينة كلبس قرب الحدود التشادية التي تمثل البوابة الرئيسة للوصول إلى مدينة الجنينة. وأشارت المصادر إلى أنه مع سيطرة الجيش على منطقة أبو زرقة الريفية على الطريق الشرقي المؤدي مباشرة إلى الجنينة يصبح الطريق ممهداً أمامه لتطويق المدينة بالكامل، بخاصة عقب سيطرته قبل أيام عدة على مناطق جبل مون وجبل أوم شمال الجنينة. أزمة الأبيض وعلى رغم تراجع غارات مسيرات "الدعم السريع" على الأبيّض، عاصمة شمال كردفان،
خلال الأيام الأخيرة، إلا أن الأوضاع الإنسانية تشهد تصاعداً وتعقيدات متتالية نتيجة الأضرار الواسعة التي لحقت بالمرافق الخدمية وبخاصة الكهرباء والمياه. وناشدت مفوضية العون الإنساني في شمال كردفان، المنظمات العالمية التدخل لمواجهة الأوضاع الإنسانية للنازحين الذين تجاوز عددهم 1.2 مليون شخص،
و تقديم دعم عاجل في مجالات الخدمات والغذاء والصحة والدعم النفسي. وأوضح والي شمال كردفان المكلف عبدالخالق عبداللطيف أن المدينة تنعم بالاستقرار والأمن، موجهاً رسالته إلى العالم بأن الحكومة والمبادرات الإنسانية تقوم بالتدخلات اللازمة لحل جميع الأزمات، من خلال معالجات عاجلة لأزمتي المياه والغذاء والتعليم. ودشن عبداللطيف، بئراً جديدة للمياه شمال شرق مدينة الأبيض،
مؤكداً أن هذه المشاريع ستمضي لتوفير مياه الشرب لغالبية الأحياء، مشيراً إلى تعهد رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق عبدالفتاح البرهان بتمويل حفر 21 بئراً لحل أزمة مياه الشرب بالمدينة. واتهم الوالي المكلف "الدعم السريع" باستهداف محطات المياه، الواقعة في الاتجاهين الشمالي والجنوبي لمدينة الأبيض، بالطائرات المسيرة. حماية وتأمين عسكرياً،
أوضحت مصادر ميدانية أن الجيش بجانب إحكامه للسيطرة على محاور القتال الرئيسة حول مدينة الأبيض، بدأ باستخدام أنظمة جوية ومسيرات متقدمة أثبتت فاعليتها في التصدي والتعامل مع مسيرات "الدعم السريع" وإسقاطها ومنعها من تكرار قصف الأبيض. وقبل ثلاثة أيام اعلن الجيش السوداني إسقاط طائرة مسيرة حديثة، في الطريق القومي الرابط بين الأبيض وأم درمان. وأعلن المتحدث الرسمي باسم "قوات العمل الخاص" قطاع غرب كردفان محمد ديدان تنفيذ عملية نوعية أمس الأربعاء على طريق الصادرات الغربي بين مدينتي أم درمان وبارا، استهدفت عبر كمين محكم قوة استطلاع تابعة للدعم السريع وأسفرت عن مقتل وأسر عدد من عناصر القوة المستهدفة،
والاستيلاء على عربة قتالية وتدمير أخرى. من جهتها أعلنت غرفة طوارئ دار حمر، أنها رصدت إطلاق "الدعم السريع" أربع مسيرات انتحارية عبرت أجواء منطقة فوجا التاريخية بالولاية، وسلكت مساراً باتجاه الشرق. وأكدت الغرفة أن فرق الرصد والمتابعة الأهلية رصدت الطائرات الأربع وهي تحلق على علو منخفض فوق المنطقة قبل تراجعها نحو الشرق، مطالبة المواطنين بأخذ الحيطة والحذر والتبليغ الفوري عن أي تحركات استطلاعية مشبوهة للأجهزة العسكرية. على نحو متصل،
أطلق محققون مستقلون تابعون للأمم المتحدة، أمس الأربعاء الثامن من يوليو (تموز) الجاري، تحذيراً عاجلاً من تكرار سيناريو الفاشر في الأبيض. وأكد تقرير حديث لبعثة الأمم المتحدة الدولية لتقصي الحقائق في السودان أن "الدعم السريع" تفرض حصاراً خانقاً، وتطبق التكتيكات العسكرية ذاتها التي استخدمتها قبيل السيطرة على عاصمة شمال دارفور في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وذكر التقرير أن الأنماط الموثقة في الفاشر بما في ذلك الحصار العسكري،
واستهداف البنية التحتية المدنية، ومنع وصول المساعدات الإنسانية، تشكل إنذاراً صارخاً لما قد تؤول إليه الأوضاع في الأبيض إذا لم يتدخل المجتمع الدولي عاجلاً. ومنذ نحو 18 شهراً تعيش الأبيض، توترات وتصعيد عسكري واسع،
وظروف أشبه بالحصار على رغم خضوعها لسيطرة الجيش. وقال رئيس بعثة تقصي الحقائق محمد شندي عثمان "يجب ألا تتحول الأبيض إلى مسرح الجريمة القادم"، منوهاً بأنه "لا تزال أمام المجتمع الدولي نافذة وفرصة سانحة لمنع وقوع جرائم فظيعة جديدة، وأن الفظائع الموثقة في الفاشر، التي حملت مؤشرات على مسار الإبادة الجماعية،
يجب أن تكون درساً للعالم". وأشار التقرير الأممي إلى أن الهجمات المستمرة للدعم السريع استهدفت مباشرة المرافق الحيوية مثل محطات توليد الكهرباء، مما أدى إلى انقطاع التيار الكهربائي وشلل في إمدادات المياه النقية، فضلاً عن إضعاف قدرة المستشفيات والمرافق الطبية على العمل واستقبال الجرحى والمرضى. وللمرة الأولى منذ عام 2024، وصلت إلى مدينتي كادوقلي والدلنج بولاية جنوب كردفان أول شحنة من مستلزمات منظمة الصحة العالمية في السودان. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وأعلنت المنظمة ان الشحنة تشمل 8.5 طن متري من الأدوية واللوازم الطبية،
كجزء من قافلة مشتركة مع منظمات الأمم المتحدة دفعت بها إلى الولاية. وأوضح القيادي بالكتلة الديمقراطية مبارك أردول أن آلاف النازحين من الدلنج وكادقلي وما حولهما، بعد فك الحصار عنهما، وصلوا إلى ولايتي الخرطوم والنيل الأبيض ويواجهون أوضاعاً إنسانية قاسية، في ظل نقص المأوى والغذاء والخدمات الأساسية. وناشد أردول عبر صفحته على "فيسبوك" حكومتي ولايتي الخرطوم والنيل الأبيض والمنظمات الإنسانية ووكالات الأمم المتحدة والخيرين،
الإسراع في تقديم الإغاثة والرعاية الصحية، وإطلاق حملات تطعيم عاجلة قبل أن تتفاقم الكارثة الإنسانية، إذ يتفشى مرض الحصبة بسرعة وسط الأطفال. التزام أفريقي في الأثناء التقى رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان أمس الأربعاء بالخرطوم مبعوث الاتحاد الأفريقي لدى السودان محمد بلعيش، وذلك بحضور وزير الخارجية والتعاون الدولي محيي الدين سالم. وأكد بلعيش حرص المفوضية والتزامها بمواصلة المساعي الرامية لخفض التصعيد،
باعتباره خطوة أساسية نحو التوصل إلى وقف إطلاق النار، الذي يمثل بدوره مدخلاً رئيساً لمعالجة الأزمة، مع الدفع قدماً بعملية سياسية شاملة تقوم على إشراك الأطراف جميعها وتمكينها من الاضطلاع بدور فاعل في مسارها ومخرجاتها. وجدد المبعوث الأفريقي، تأكيد المفوضية على أولوية الحل السياسي وإطلاق حوار وطني جامع،
انطلاقاً من أن بناء الدولة يقوم على المصالحة الوطنية، وقبول الآخر، وتعزيز التعايش السلمي، والتزامها بدعم وحدة السودان وسيادته الوطنية،
ومواكبة التطورات السياسية والأمنية والإنسانية، إلى أن يتحقق الأمن والاستقرار والسلام والتنمية للشعب السوداني. وأوضح أن اللقاء "استعرض آفاق تحقيق السلام في السودان، والتحديات الراهنة التي تعترض مساره، إذ تم التأكيد على أهمية تكثيف الجهود لتجاوز هذه العقبات بما يفضي إلى تحقيق الأمن والاستقرار"،
مشيراً إلى أن الفترة المقبلة ستشهد زيارة رفيعة المستوى لقيادة الاتحاد الأفريقي إلى الخرطوم. أممياً، يزور المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة للسودان بيكا هافيستو هذه الأيام دولة تشاد، لإجراء مشاورات إقليمية مع السلطات التشادية ونظرائه الدبلوماسيين، وتقفد مخيمات اللاجئين السودانيين هناك بغية مناقشة الوضع في السودان وتداعياته الإقليمية. وأوضح المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفن دوجاريك أن "زيارة المبعوث تأتي في ظل تزايد القلق إزاء البعد الإقليمي للصراع في السودان"،
وأضاف أن "هافيستو يجري مشاورات مع جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك دول الجوار، بهدف الحيلولة دون حدوث أي تصعيد إضافي والدفع بمسار الحوار نحو تسوية للنزاع، وذلك قبل عودته للسودان خلال الأسابيع المقبلة لعقد مزيد من اللقاءات السياسية".