في سوق مزدحمة وسط الخرطوم، كانت أم أحمد تقف أمام بائع المواد الغذائية تتفحص الأسعار بقلق. قبل أيام فقط، اشترت السلع نفسها بسعر أقل بكثير،

لكن اليوم تغير كل شيء. لم تعد المشكلة في ارتفاع الأسعار فقط، بل في سرعتها التي تفوق قدرة الناس على التكيف. تقول أم أحمد بصوت منخفض: "كل ساعة هنالك سعر جديد،

أصبحنا غير قادرين على المواكبة".هذا المشهد لم يعد استثنائياً، بل أصبح واقعاً يومياً مع تصاعد انهيار الجنيه السوداني، إذ سجل سعر الدولار الواحد نحو 5500 جنيه، بينما بلغ الجنيه المصري نحو 110 جنيهات سودانية،

في ظل زيادات متواصلة على مدار الساعة. لكن الفارق شاسع بين سعر الدولار المتداول في السوق الموازي وسعر الدولار الجمركي.صدمة جمركيةبرز قرار رفع سعر الدولار الجمركي كعامل إضافي يعمق الأزمة، وسط مخاوف من موجة غلاء جديدة تطاول مختلف السلع والخدمات. تم رفع السعر من 3223 إلى 3517 جنيهاً للدولار،

في خطوة تعكس توجهاً نحو تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية. لا يقتصر تأثير هذا القرار على الواردات فقط، بل يمتد إلى سلسلة واسعة من الأنشطة الاقتصادية، مما يثير تساؤلات حول تداعياته في ظل غياب الاستقرار النقدي.على الرغم من أن الزيادة تبدو محدودة من حيث الأرقام،

إلا أن تأثيرها الفعلي في الأسواق أكبر بكثير، نظراً إلى اعتماد غالبية السلع الأساسية على الاستيراد، مما يعني انتقال الزيادة بصورة مباشرة إلى كلفة السلع والخدمات. يرى مراقبون أن هذه الزيادة،

بالتزامن مع الانهيار المتسارع للجنيه، قد تسهم في تسريع وتيرة التضخم، خصوصاً في ظل غياب إجراءات موازية لحماية المستهلك.أكد متخصص في السياسات المالية أن الدولار الجمركي يحدد كلفة السلع المستوردة، وعند رفعه ينعكس ذلك مباشرة على الأسعار النهائية.

وأشار إلى أن المشكلة ليست فقط في القرار نفسه، بل في توقيعه في ظل عدم استقرار الاقتصاد وتغير سعر الصرف المتسارع. وأضاف أن أي تعديل في السياسات الجمركية يجب أن يكون محسوباً بدقة، لأن السوق لا تحتمل صدمات إضافية.

كما لفت إلى أن تقلبات العملة وارتفاع الرسوم يدفعان بعض التجار إلى تقليص الاستيراد أو الخروج من السوق، مما ينعكس على توفر السلع.تضخم متسارعمع استمرار تدهور سعر صرف الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية، تتزايد الضغوط التضخمية بصورة غير مسبوقة، مما يضعف القدرة الشرائية للمواطنين.

أوضح محلل اقتصادي أن وصول الدولار إلى 5500 جنيه يعكس فقدان العملة لقيمتها بصورة حادة، مما يؤثر في الأسعار وفي مجمل النشاط الاقتصادي. وأشار إلى أن الأجور لا تواكب هذا الارتفاع، مما يوسع الفجوة بين الدخل والإنفاق،

ويضطر المواطن إلى تقليص استهلاكه أو الاستغناء عن بعض السلع الأساسية.أضاف المحلل أن التقلبات السريعة في سعر الصرف تخلق حالة من عدم اليقين في السوق، حيث لا يستطيع التاجر تثبيت سعر، ولا يعرف المستهلك متى يشتري، مما يؤدي إلى سلوكيات اقتصادية غير مستقرة مثل تخزين السلع أو المضاربة في العملة.

كما أن ارتفاع سعر الجنيه المصري إلى 110 جنيهات سودانية يعكس تراجع القدرة الشرائية عبر الحدود، خاصة في ظل اعتماد بعض المناطق على التجارة مع مصر.أكد المحللون أن الحل لا يكمن فقط في الإجراءات النقدية، بل في استعادة الاستقرار السياسي وتحفيز الإنتاج المحلي، لأن الاعتماد المفرط على الاستيراد يجعل الاقتصاد عرضة لأي صدمة في سعر الصرف.

وإذا استمر هذا المسار، فقد نصل إلى مستويات تضخم تفوق قدرة الدولة على السيطرة، مما يتطلب تدخلاً عاجلاً وشاملاً.