يواجه ملايين المواطنين داخل السودان أزمة خانقة في الإمداد المائي وخدمات الصرف الصحي والنظافة الأساس، بعدما اتسعت دائرة المأساة بتضرر شبكات الكهرباء والمياه وتراجع الخدمات الأساس، مما أدى إلى تفاقم معاناة الناس خلال وقت تعاني البنية التحتية الهشاشة والتآكل. وفي سابقة تاريخية،

يشهد السودان انحساراً هائلاً في منسوب مياه نهر النيل وبخاصة رافد "النيل الأزرق" المقبل من أعالي الهضبة الإثيوبية جنوب شرقي البلاد، وشملت موجة الانحسار المفاجئ لمياه النيل على طول امتداده من الخرطوم إلى الولاية الشمالية، وتسبب تراجع المنسوب في توقف عدد من محطات ضخ مياه الشرب عن الخدمة، وانخفاض إنتاج عدد آخر منها.

معاناة وأزمات قالت منظمة ‌الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) ومجموعة المياه والصرف الصحي والنظافة التابعة للأمم المتحدة في تقرير إن "67 في المئة من الأسر المشمولة بالمسح عانت انعدام الأمن المائي، وتفتقر 41.2 في المئة إلى خدمات المياه الأساس، و53.7 في المئة إلى الحد الأدنى من خدمات الصرف الصحي، و46.8 في المئة إلى خدمات النظافة الأساس".

وأوضح التقرير أن "المسح الذي شمل 23736 أسرة داخل ولايات السودان كافة رصد مستويات الخدمات المتاحة، ومظاهر انعدام الأمن المائي وأساليب التكيف التي تلجأ إليها الأسر عند مواجهة نقص المياه، إلى جانب العوائق التي تحول دون تلبية حاجاتها من المياه والصرف الصحي والصابون". وأشار إلى أن 41.2 في المئة من الأسر تواجه نقصاً في الوصول إلى المياه،

فيما بلغت نسبة الأسر التي تحصل على خدمات أساس في قطاع الصرف الصحي 34 في المئة، في حين لم تتجاوز نسبة الأسر التي تحصل على خدمات النظافة الأساس 53 في المئة. وأظهر أن "الأسر تلجأ إلى مجموعة من التدابير لمواجهة نقص المياه، في مقدمها تقليص الاستهلاك أو شراء المياه،

وكذلك قضاء وقت أطول في جمعها أو قطع مسافات أبعد للوصول إليها". ثمة تدابير لمواجهة نقص المياه، في مقدمها تقليص الاستهلاك أو شراء المياه (أ ف ب) وذكر التقرير أن 53.2 في المئة من الأسر أفادت بوجود صعوبات في الحصول على المياه أو تلبية حاجاتها منها، وكانت الكلفة المرتفعة للمياه أبرز العوائق التي أبلغت عنها الأسر إضافة إلى عدم توافر كميات كافية منها.

ولفت التقرير إلى أن 3.9 في المئة من الأسر واصلت استخدام مرافق صرف صحي ممتلئة أو متضررة أو غير نظيفة، بينما استخدمت 3.6 في المئة مرافق موقتة أو غير رسمية أو مرتجلة، وأفادت 3.1 في المئة من الأسر باللجوء إلى العراء بسبب عدم وجود مراحيض. وبيَّن أن 56.9 في المئة من الأسر تواجه صعوبات في الحصول على صابون النظافة بسبب ارتفاع الكلفة ونقص الموارد المالية،

فضلاً عن عدم توافره في الأسواق المحلية أو نقاط التوزيع، وتقيم 51.2 في المئة من الأسر داخل المناطق الريفية مقابل 42.3 في المئة في المناطق الحضرية و4.4 في المئة داخل المناطق شبه الحضرية، واثنان في المئة ضمن مواقع تشبه المخيمات. هاجس يومي في السياق يقول مجاهد عباس الذي يسكن منطقة الفتيحاب في أم درمان إن "أزمة مياه خانقة باتت تهدد مئات الآلاف جنوب مدينة أم درمان وشمال الخرطوم بحري،

نتيجة توقف محطة الصالحة بسبب الانخفاض الشديد لمنسوب المياه وابتعادها من مداخل المضخات الساحبة". وأضاف "تحولت المياه إلى هاجس يومي يطارد السكان العائدين إلى منازلهم بعد أعوام من النزوح، ولم تعد المعاناة مرتبطة فقط بانقطاع الإمداد بل بطوابير الانتظار الطويلة وارتفاع أسعار البراميل والتناكر، وكذلك اضطرار العائلات إلى شراء مياه لا تضمن سلامتها الصحية".

وأوضح عباس أن "أزمة المياه في ولاية الخرطوم بلغت مرحلة حرجة في ظل التدهور المستمر في قطاعي الكهرباء والبنية التحتية، وتزايد الطلب على المياه مع الارتفاع الكبير في درجات الحرارة"، متابعاً "انهيار أنظمة المياه والنظافة العامة تسبب في تفشي وباء الكوليرا وارتفاع معدلات الأمراض المعوية والجلدية، إضافة إلى تدهور حاد في الخدمات الصحية".

اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) بدوره، أشار حمزة النعمان أحد سكان منطقة الحلفايا في بحري إلى أن "الأزمة باتت تتجلى في مخاوف المواطنين المتأثرين بنقص حاد في الإمداد المائي من انتشار الأمراض والأوبئة المرتبطة بتلوث المياه، لجهة الاعتماد المباشر على مصادر مياه غير معقمة في ظل توقف شبه تام للمياه النيلية، مما أسهم في تفاقم المعاناة الاقتصادية للأسر".

ولفت إلى أن "أزمة العطش في الخرطوم بحري بصفة عامة أصبحت أزمة بقاء، تتقاطع مع انقطاع الكهرباء وعدم القدرة على تشغيل مضخات المياه داخل المنازل، إلى جانب ندرة الوقود وارتفاع أسعاره". ونوه النعمان بأن "الأحياء السكنية المتأثرة لم تجد خياراً سوى شراء المياه من العربات التي تجرها الدواب وهؤلاء يجلبونها من آبار جوفية معظمها غير آمنة،

لكن المؤسف أنهم استغلوا هذه الأزمة ورفعوا أسعار المياه بصورة غير مسبوقة خلال وقت نفدت المدخرات المالية لغالبية السكان". جهود حكومية في هذا الوقت، تفقد والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة أعمال تأهيل محطة الصرف الصحي التي تعمل على رفع مياه الصرف المعالجة إلى محطة منطقة سوبا، إلى جانب الوقوف على تجهيز آليات وعربات جديدة للتدخل في حالات الطوارئ ضمن جهود استعادة خدمات الصرف الصحي بالولاية.

وأشاد حمزة بالجهود المبذولة لإعادة المحطات والشبكات إلى الخدمة، لافتاً إلى دورها في تهيئة البيئة وتحسين الظروف اللازمة لعودة المواطنين، ومشيراً إلى أن "الولاية تسعى لاستعادة خدمات الصرف الصحي وتحسين كفاءة تشغيل المحطات والشبكات، بما يسهم في الحد من الأخطار البيئية والصحية المرتبطة بتراكم مياه الصرف".

على نحو متصل أوضح المتخصص في الري والمياه إيهاب ميرغني أن "السودان في مواجهة ظروف استثنائية غير مسبوقة منذ بداية العام الحالي، إذ اجتمع انحسار المجرى المائي للنيل مع الأضرار الجسيمة التي طاولت البنية التحتية للمحطات الرئيسة بسبب الحرب والقصف المستمر لمصادر المياه داخل مدن ومناطق عدة". لم تتجاوز نسبة الأسر التي تحصل على خدمات النظافة الأساس 53 في المئة (أ ف ب)​​​​​​​ وبيَّن ميرغني أن "تراجع كميات المياه الواصلة من النيل الأبيض هذا العام تزامن مع قلة إيرادات المياه من النيل الأزرق بسبب حبس سد النهضة لمياهه وتخزين مياه الفيضان، مما أدى إلى تراجع الوارد اليومي من النيل الأزرق إلى حدود 160 إلى 170 مليون متر مكعب فحسب،

مقارنة مع نحو 700 إلى 800 مليون متر مكعب يومياً". ونوه بأن "السلطات تدرك حجم معاناة المواطنين وصعوبة الحصول على مياه صالحة للشرب، وفي المقابل تعمل الفرق الفنية على مدار الساعة بمعالجات إسعافية من بينها مد خطوط شفط إضافية في عمق النهر وتشغيل الآبار البديلة". وأردف المتخصص في الري والمياه "الاستقرار الكامل للإمداد المائي يعتمد على حماية المحطات من الاستهداف المتكرر وتوفير الطاقة ومواد التنقية بصورة منتظمة".

مرحلة حرجة في غضون ذلك أقرت السلطات المتخصصة بأن أزمة المياه في ولاية الخرطوم بلغت مرحلة حرجة، بسبب التدهور المستمر في قطاعي الكهرباء والبنية التحتية وتزايد الطلب على المياه. وكشفت هيئة المياه عن أضرار كبيرة لحقت بمحطة مياه بحري إحدى أكبر وأقدم المحطات في العاصمة بعد تعرضها لأعمال تخريب وقصف خلال الحرب، موضحة أن الأضرار شملت المحولات الكهربائية والكوابل والأحواض وأجهزة المعامل،

مما أدى إلى توقف المحطة وانقطاع الإمداد عن مناطق واسعة داخل بحري وشرق النيل والخرطوم. وعلى رغم توفير سبعة مولدات كبيرة فإن تشغيلها يستهلك كميات هائلة من الوقود، إذ يحتاج المولد الواحد إلى عشرات البراميل يومياً. وبحسب الإحصاءات الرسمية فإن خمس محطات رئيسة من أصل 13 محطة نيلية وسبع محطات ضغط خرجت من الخدمة بسبب القصف أو النهب أو انقطاع الكهرباء،

مما فاقم معاناة السكان وأدخل الولاية في واحدة من أسوأ أزمات المياه.