عند تخوم البحر الأحمر في شرق السودان لا تبدو الأرض مجرد مساحة للسكن أو النشاط الاقتصادي، بل ساحة تتداخل فيها اعتبارات الهوية والسلطة والموقع الاستراتيجي، ففي هذا الإقليم الذي شكل عبر قرون طويلة بوابة السودان البحرية وملتقى طرق التجارة والهجرات والنفوذ، ظل التوازن بين مكوناته الاجتماعية جزءاً من معادلة أوسع تتجاوز حدوده المحلية لتلامس حسابات الدولة السودانية ومصالح القوى المحيطة بها،

ومنذ اندلاع الحرب السودانية دخل الشرق مرحلة جديدة من التحولات السياسية والأمنية، أعادت إلى الواجهة ملفات ظلت كامنة تحت السطح أعواماً، تتصل بالأرض والتمثيل والموارد وحدود النفوذ الاجتماعي والقبلي، ومع كل تطور سياسي أو أمني كانت هذه القضايا تجد طريقها إلى المجال العام،

لكن بوتيرة أشد حدة هذه المرة، في ظل هشاشة المشهد الوطني واتساع الفراغ الذي خلفته الحرب في أجزاء واسعة من البلاد. خلال الأيام الأخيرة عادت هذه الأسئلة إلى الواجهة بقوة عقب زيارة وزير الداخلية بابكر سمرة إلى محلية أروما بولاية كسلا، وهي زيارة تحولت سريعاً من مناسبة رسمية إلى محور سجال واسع بين قيادات أهلية ومكونات اجتماعية مختلفة،

وسرعان ما انتقلت النقاشات من نطاقها المحلي إلى الفضاء العام، حيث تصاعدت الخطابات المتبادلة حول قضايا الانتماء والملكية التاريخية لبعض المناطق وحدود النفوذ الاجتماعي والسياسي داخل شرق السودان، وسط تحذيرات متزايدة من تنامي خطاب الكراهية واتساع دوائر الاستقطاب القبلي. وسط هذا المناخ المشحون،

أصدرت لجنة أمن ولاية كسلا في الخامس من يونيو (حزيران) الجاري بياناً أكدت فيه رفضها كل ما من شأنه تهديد السلم المجتمعي، وكشفت عن سلسلة اتصالات واجتماعات أجرتها مع قيادات أهلية ومجتمعية لاحتواء الموقف، غير أن أهمية البيان لا تكمن في مضامينه المباشرة فحسب، بل في كونه صدر في لحظة تتقاطع فيها التوترات المحلية مع تحولات أوسع يشهدها شرق السودان منذ اندلاع الحرب السودانية،

بما أعاد إلى السطح ملفات قديمة تتعلق بالهوية والأرض والنفوذ وموقع الإقليم في معادلة الدولة السودانية. عادت إلى الواجهة ملفات ظلت كامنة تحت السطح أعواماً تتصل بالأرض والتمثيل والموارد وحدود النفوذ الاجتماعي والقبلي (اندبندنت عربية - حسن حامد) أنماط الانقسام أعادت الحرب إحياء أنماط قديمة من الانقسام ظلت تحكم المشهد السياسي والاجتماعي في شرق السودان عقوداً طويلة، فمنذ نشوء الحركات المطلبية البجاوية في تسعينيات القرن الماضي، مروراً بتجربة جبهة الشرق واتفاق أسمرا في عام 2006،

وصولاً إلى مرحلة ما بعد سقوط نظام عمر البشير، ظل شرق السودان يتحرك بين محاولات متكررة لتوحيد قواه السياسية والعسكرية، وسرعان ما تتبعها انشقاقات تعيد توزيع الولاءات وموازين النفوذ داخل الإقليم. ومع اندلاع الحرب في عام 2023 بدا شرق السودان في البداية بعيداً من خطوط القتال المباشر،

لكنه وجد نفسه في قلب معادلة جديدة فرضتها الحرب على الدولة السودانية بأكملها، فانتقال مركز السلطة الفعلي إلى بورتسودان، وتحول الموانئ والطرق الشرقية إلى شريان الحياة الرئيس للدولة، رفع من القيمة الاستراتيجية للإقليم،

وأعاد فتح ملفات التمثيل السياسي والموارد والأمن المحلي التي ظلت حاضرة تحت السطح أعواماً. في هذا السياق برز تحالف "ميثاق شرق السودان" العام الماضي بوصفه أحدث حلقات محاولات إعادة تنظيم المجال السياسي والعسكري في الإقليم، فقد جمعت خمس حركات مسلحة وقوى ذات امتدادات اجتماعية مختلفة نفسها تحت مظلة واحدة، معلنة أن هدفها حماية شرق السودان وموارده ومنع امتداد الحرب إليه،

غير أن وحدة التحالف لم تحجب التباينات الكامنة داخله، إذ تمسكت بعض مكوناته بخطاب الحياد ورفض الانخراط في الحرب، بينما انقسمت أطراف أخرى في تأييدها، الأمر الذي عكس استمرار الانقسام حول طبيعة العلاقة مع المركز وحدود الدور الذي ينبغي أن تؤديه قوى الشرق،

وفي المقابل تبنى "المجلس الأعلى لنظارات البجا والعموديات المستقلة" وقوات المقاومة الشعبية والأورطة الشرقية، موقفاً مسانداً للجيش السوداني، ورافضاً عمليات التدريب والتسليح التي جرت لبعض فصائل الشرق داخل الأراضي الإريترية. مسارات الاحتقان يتغذى الاحتقان المتصاعد في شرق السودان من تداخل مسارات عدة تراكمت عبر عقود،

قبل أن تدفع بها الحرب إلى واجهة المشهد، فعلى المستوى السياسي لا تزال قضية التمثيل في السلطة وتوزيع النفوذ بين المركز والأقاليم تمثل أحد أبرز مصادر التوتر، فمنذ الاستقلال ظل الشرق حاضراً في الحسابات الاقتصادية والأمنية للدولة أكثر من حضوره في دوائر صنع القرار، وهو شعور تعزز مع تعثر تنفيذ استحقاقات اتفاق سلام شرق السودان،

وتكرار الشكاوى المتعلقة بضعف مشاركة أبناء الإقليم في مؤسسات الحكم وإدارة الموارد. أما اقتصادياً فتبرز مفارقة لافتة بين الثقل الاستراتيجي للإقليم وواقع التنمية فيه، فشرق السودان الذي يحتضن الموانئ البحرية الرئيسة للبلاد وممرات التجارة الخارجية ومناطق زراعية واسعة وموارد تعدينية مهمة، ظل يعاني معدلات مرتفعة من الفقر والبطالة وضعف البنية التحتية والخدمات الأساسية،

ولم يزد تعثر عدد من المشاريع الموعودة، من موانئ ومناطق صناعية ومشروعات زراعية، إلا من ترسيخ الانطباع بأن الثروة التي تنتجها المنطقة لا تنعكس بصورة عادلة على سكانها. وعلى المستوى الاجتماعي،

تتقاطع الاعتبارات القبلية مع التنافس على الأرض والموارد وفرص العمل. ويضم الإقليم تركيبة سكانية متنوعة تشمل مكونات البجا بمختلف فروعها إلى جانب البني عامر والحباب والرشايدة والنوبة والهوسا ومجموعات أخرى استقرت في المنطقة عبر عقود طويلة. وفي ظل محدودية الفرص الاقتصادية كثيراً ما تتحول الخلافات حول التوظيف أو ملكية الأراضي أو مواقع النفوذ الأهلي إلى صراعات تتجاوز أبعادها المحلية المباشرة. أدت الحرب إلى تسارع عمليات التسلح وتكاثر التشكيلات المسلحة المحلية (اندبندنت عربية - حسن حامد) وفي البعد الأمني أدت الحرب إلى تسارع عمليات التسلح وتكاثر التشكيلات المسلحة المحلية،

إذ برزت حركات وتنظيمات أعادت بناء أجنحتها العسكرية أو وسعت قدراتها القتالية، مدفوعة بمخاوف من انتقال الحرب إلى الشرق، كذلك أسهم وجود فصائل مسلحة قادمة من أقاليم أخرى، خصوصاً من دارفور،

في تغذية حساسيات محلية مرتبطة بمسائل النفوذ والسيطرة على المجال الجغرافي والموارد. أما المسار الجيوسياسي فيظل الأكثر تأثيراً، فالإقليم المطل على أكثر من 700 كيلومتر من ساحل البحر الأحمر، يشكل بوابة لوجيستية لدول مجاورة وممراً حيوياً للتجارة والطاقة والمساعدات الإنسانية.

ويجاور في الوقت نفسه إريتريا وإثيوبيا، وهما دولتان ارتبطتا تاريخياً بملفات الأمن والحدود والتحالفات المسلحة في الشرق، وقد زادت الحرب السودانية من أهمية هذا الموقع، ولذلك لم تعد التوترات التي يشهدها شرق السودان شأناً محلياً صرفاً،

بل باتت تتقاطع مع حسابات أمنية وإقليمية أوسع، وهو ما يمنح أي أزمة داخلية قابلية أكبر للتصعيد ويضاعف من حساسيتها السياسية. توزيع القوة مع استمرار الحرب واستنزاف مؤسسات الدولة، يشهد الإقليم عملية إعادة توزيع تدريجية للقوة على الأرض،

تتجلى في تنامي نفوذ التشكيلات المسلحة المحلية، واتساع دوائر التجنيد والتدريب والتعبئة الاجتماعية خارج الأطر العسكرية النظامية، وبمرور الوقت لا يقتصر أثر هذه الظاهرة في زيادة عدد المسلحين، بل يمتد إلى إعادة تشكيل العلاقات داخل المجتمع،

حين تصبح القوة المسلحة مصدراً متنامياً للنفوذ السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وفي الوقت ذاته تواجه الدولة تحدياً متزايداً في الحفاظ على احتكارها التقليدي للقوة، فكلما ازدادت قدرة الفاعلين المحليين على التنظيم والتسليح والحشد، تراجعت قدرة المؤسسات الرسمية على إدارة التوازنات الاجتماعية عبر أدواتها المدنية والإدارية.

وفي بيئة تتراجع فيها الثقة بالمؤسسات العامة يصبح اللجوء إلى الكيانات المسلحة أو القيادات الأهلية بديلاً عملياً للحصول على الحماية أو الدفاع عن المصالح المحلية، بما يفتح الباب أمام نشوء مراكز قوة موازية للدولة، حتى وإن كانت ترفع شعارات داعمة لها. ويكتسب هذا التطور حساسية استثنائية بسبب الموقع الجيوسياسي للإقليم،

فشرق السودان لم يعد مجرد منطقة حدودية بعيدة من مركز الصراع، بل تحول إلى المجال الحيوي للدولة وإمداداتها وشبكاتها التجارية وعلاقاتها الخارجية، كذلك فإن تزايد نشاط الفصائل المسلحة وتعدد خطوط ارتباطها الخارجية يمنح القوى الإقليمية مساحة أوسع للتأثير في التوازنات المحلية، سواء بدافع حماية حدودها أو تأمين مصالحها في البحر الأحمر،

أو منع انتقال تداعيات الحرب إلى أراضيها. الأخطر من ذلك أن المشهد الحالي يعيد إنتاج معضلة عرفها السودان مراراً في أطرافه المختلفة، إذ تتحول المطالب المرتبطة بالتنمية والتمثيل السياسي تدريجاً إلى أطر تنظيمية وعسكرية مستقلة تمتلك خطاباً وقواعد تعبئة وأدوات ضغط خاصة بها. ولا يعني ذلك بالضرورة وجود مشروع انفصالي مكتمل المعالم،

لكنه يعكس اتجاهاً متصاعداً نحو إدارة المصالح الإقليمية خارج الأطر الوطنية التقليدية. ومع استمرار الحرب وتعثر التسوية السياسية الشاملة، يزداد خطر ترسخ هذه البنى الجديدة وتحولها إلى حقائق سياسية وأمنية يصعب تفكيكها لاحقاً. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) مستقبل الإقليم في ظاهر المشهد يبدو شرق السودان اليوم بعيداً من الجبهات الرئيسة للحرب،

خصوصاً بعد عودة جزء معتبر من الثقل الإداري والمؤسسي إلى الخرطوم. غير أن التحولات العميقة التي شهدتها البلاد خلال الأعوام الماضية تركت آثاراً يصعب التراجع عنها بالسرعة نفسها التي انتقلت بها المؤسسات، فخلال الفترة التي أصبحت فيها بورتسودان العاصمة البديلة للدولة ومركز إدارتها السياسي والدبلوماسي والاقتصادي لم يكتسب الشرق أهمية ظرفية مرتبطة بالحرب فحسب، بل راكم وزناً استراتيجياً جديداً قد يستمر تأثيره حتى بعد تغير الوقائع الميدانية.

أعادت الحرب تعريف موقع الإقليم داخل الدولة السودانية، فالموانئ والمعابر والطرق الدولية التي كانت تُنظر إليها سابقاً باعتبارها أصولاً اقتصادية، تحولت إلى عناصر حيوية في بقاء الدولة نفسها. ومن رحم هذه التحولات برزت قوى محلية جديدة،

وتوسعت شبكات نفوذ قديمة، وتشكلت توازنات سياسية وأمنية لم تكن موجودة بهذا الحجم قبل اندلاع الحرب. ومن هنا، لا يبدو أن مستقبل الشرق سيتحدد عبر احتمال انفجار عسكري واسع بقدر ما سيتحدد عبر كيفية إدارة القوة المتراكمة داخله،

فالتشكيلات المسلحة والقيادات الأهلية والحركات السياسية، وحتى شبكات المصالح الاقتصادية المحلية، لم تعد تنظر إلى نفسها باعتبارها مجرد أطراف هامشية تنتظر ما يقرره المركز، بل بوصفها فاعلاً يملك أوراقاً مؤثرة في معادلة السلطة الوطنية.

وكلما طال أمد الأزمة السودانية وتعثر مشروع الدولة الجامعة ازدادت قدرة هذه القوى على ترسيخ مواقعها وبناء مساحات أوسع من الاستقلال العملي عن المركز. غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في سيناريوهات الانفصال التقليدية، بل في احتمال تشكل واقع تتوزع فيه السلطة الفعلية بين الدولة ومراكز نفوذ محلية متزايدة الاستقلال، عندها لن تتغير الخرائط الرسمية،

لكن وظائف الدولة نفسها قد تصبح موضع تفاوض دائم بين المركز والأطراف. ومع ذلك فإن الشرق يمتلك فرصة لا تقل حجماً عن الأخطار التي تحيط به، لا سيما أنه ظل عقوداً ينظر إلى نفسه من زاوية التهميش. وبين هذين الاحتمالين يتشكل مستقبل شرق السودان،

إما فضاء مفتوحاً لصراعات النفوذ المتنافسة، أو ركيزة لاستقرار وطني جديد، وفي لحظة السيولة التي تعيشها البلاد قد يكون مصير الشرق أحد العوامل الحاسمة في تحديد شكل السودان خلال العقد المقبل، لا مجرد انعكاس له.