لم تعد الحدود السودانية مع دول الجوار مجرد جغرافيا فاصلة، ولكنها تحولت منذ اندلاع الحرب في منتصف أبريل (نيسان) 2023 إلى مسرح تتقاطع فيه خطوط النار والعمليات العسكرية وعبور قوافل الإمداد والمسيرات والطائرات الحربية، ومع تمدد الحرب وملامستها لحدود الجوار الغربي والشرقي للسودان بدأت شظايا المعارك البرية والجوية تتسرب على جانبي الحدود المفتوحة، بصورة يرى مراقبون أنها تنذر بشكل جدي بمواجهات حدودية مباشرة تنقل الصراع من حيزه الداخلي إلى حيز إقليمي أوسع،
لا سيما في ظل الاتهامات المتبادلة والشكوك المتنامية، وسط إدانات وتحذيرات دولية وإقليمية متكررة في الآونة الأخيرة من أخطار نقل الصراع عبر الحدود. وعلى رغم تقاطع حرب السودان الحالية بشكل مباشر ومعقد مع عديد من حدود دول الجوار السبع المحيطة به، ومخاوف تحول تلك الحدود إلى امتداد لمسرح المعارك،
وممرات للإمداد اللوجستي، فإن مراقبين يرون أن تطورات الحدود مع كل من دولتي تشاد غرباً وإثيوبيا شرقاً باتت الأشد خطراً واحتمالاً لنقل الصراع إلى المحيط الإقليمي. وأعاد التوتر الأخير على الحدود الغربية بين السودان وتشاد واتهامات الأخيرة للخرطوم بقصف قافلة إمداد لقوات "الدعم السريع" في إقليم إنيدي على عمق أكثر من 100 كيلومتر داخل الأراضي التشادية، القلق من تداعيات محتملة أكثر خطراً.
وبينما نفت الخارجية السودانية الاتهام بشكل قاطع، مطالبة بتحقيق مهني ومستقل يحدد المسؤولية، ومؤكدة احترام سيادة تشاد، أعلنت أنجمينا حال التأهب القصوى في شرق البلاد،
ودفعت بمدرعاتها نحو حدودها مع السودان تحسباً لأي تطورات ميدانية جديدة. واستدعت الحادثة ردود فعل دولية وإقليمية بإدانة الولايات المتحدة للضربات الجوية داخل الأراضي التشادية ونسبتها للجيش السوداني، وطالبت مجلس الأمن بالتحرك بشأن حظر الأسلحة والعقوبات، ومحاسبة الجهات التي تغذي الحرب وتوسع نطاقها،
وأعرب الاتحاد الأفريقي عن قلقه من الغارات، مشدداً على الالتزام الصارم بسيادة ووحدة وسلامة أراضي دوله الأعضاء وحرمة حدودها، مطالباً الجميع باتخاذ التدابير اللازمة لمنع امتداد الصراع في السودان إلى ما وراء حدود البلاد وتقليل خطر التصعيد الإقليمي. وسبق أن توغلت قوات "الدعم السريع" في فبراير (شباط) من العام الحالي إلى داخل الأراضي التشادية وهاجمت مقراً لجيشها في مدينة الطينة بالمدفعية الثقيلة،
غير أن تلك القوات أقرت بالقصف واعتذرت عنه في بيان رسمي باعتباره أمراً غير مقصود. الخطر الشرقي من الجانب الآخر، وبينما تواجه الحكومة الإثيوبية أزمة أمنية وعسكرية متصاعدة ومتعددة الجبهات في إقليمي أمهرة وتيغراي، يخوض الجيش السوداني على الجانب الآخر من الحدود حرباً مصيرية ضد قوات "الدعم السريع"،
مما يعزز المخاوف من تحول الشريط الحدودي إلى ساحة لتداخل المصالح العسكرية ومسرح تتقاطع فيه تداعيات الحربين. في خضم هذا التصعيد المزدوج يستمر تبادل الاتهامات بين الخرطوم وأديس أبابا بدعم جماعات مسلحة تعمل ضد الطرف الآخر، بما يعكس اتساع التداخل بين الأزمتين الأمنيتين في البلدين. عناصر من قوات الأمن السودانية في حفل افتتاح مقر في مدينة بورتسودان،
28 أكتوبر 2024 (أ ف ب) في السياق، يرى المتخصص في إدارة الأزمات والتفاوض بمركز البحوث والدراسات الاستراتيجية أمين إسماعيل مجذوب، أن منطقة الساحل بما في ذلك السودان وتشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى، تعاني تاريخاً من الاضطرابات السياسية والاجتماعية،
مما جعلها مرتعاً للجريمة المنظمة والإرهاب وعدم الاستقرار. ويهدد الصراع الدائر في السودان مرة أخرى بزعزعة استقرار المنطقة وبروز الأزمات الإنسانية. فمن الممكن، بحسب مجذوب،
أن تكون للحرب في السودان آثار إقليمية كبيرة، لا سيما في حال انخراط الدول المجاورة في الصراع، مرجحاً أن يصبح هذا الوضع المتقلب والملتهب مهدداً لجميع دول جوار السودان، حيث تستخدم كل منها نفوذها لعرقلة منافسيها،
بينما ينظر لكل دولة تحاول التوسط من زاوية خدمة مصالحها الخاصة على حساب الآخرين، وفق منطق السياسة الواقعية. يعتبر المتخصص في الأزمات والتفاوض، أن دولة تشاد على الحدود الغربية للسودان،
وبسبب التداخل السكاني والثقافي ربما تكون أبرز الخاسرين من استمرار الحرب في السودان، فهي تعاني خلال فترة الانتقال التي تعيشها عقب وفاة الرئيس دبي الأب عدم استقرار سياسي نتيجة وجود الجماعات المتمردة والإرهابية بما في ذلك "بوكو حرام" و"داعش" في منطقة بحيرة تشاد. مشيراً إلى أن الوضع المضطرب في ليبيا نتيجة الصراعات المستمرة وغياب حكومة مركزية موحدة، قد يوفر قاعدة وبيئة خصبة للجماعات المتمردة لتصعيد محتمل لهجماتهم ضد حكومة دبي الابن،
إذ كانت تلك الجماعات في الأصل متمركزة في دارفور، واضطرت لنقل عملياتها إلى ليبيا بعد أن حد اتفاق السلام بين السودان وتشاد من أنشطتها. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ويردف "لذلك فإن مكمن الخطر بالنسبة إلى تشاد هو احتمال أن يصبح إقليم دارفور قاعدة جذابة للمتمردين التشاديين مرة أخرى بحكم القرب الجغرافي في ظل استمرار الصراع وتراجع قواعد دعمهم في ليبيا، بما يمكنهم من تشكيل تحالفات مع ميليشيات الدعم السريع".
يعتقد مجذوب، أن كلاً من مصر وجنوب السودان قد يكونان أيضاً من بين الدول الأكثر عرضة للتأثيرات السلبية جراء تصعيد الصراع وعدم الاستقرار في المنطقة، بحكم موقعهما الجغرافي على شريط نهر النيل، الأمر الذي قد يفرض تحديات اقتصادية واجتماعية،
وتعطيل الجهود المبذولة للتوصل إلى اتفاق بشأن ملء وإدارة سد النهضة الإثيوبي، والذي يشكل مصدر قلق لكل من مصر والسودان على وجه التحديد، أما بالنسبة إلى دولة جنوب السودان، التي يعتمد اقتصادها بنسبة 90 في المئة على صادرات نفطها عبر ميناء بورتسودان بشرق البلاد،
فإن تفاقم الصراع قد يهددها بانهيار اقتصادي مباشر، كما أن استمرار الصراع من شأنه أن يشكل خطراً على الأمن القومي لمصر. مؤشرات متصاعدة ولا يستبعد أستاذ التفاوض وفض النزاعات بالجامعات السودانية عبدالله علم الدين، أن يقود التداخل المتنامي لخطوط النار على جانبي الحدود الغربية مع تشاد والشرقية مع إثيوبيا إلى رفع أخطار انتقال الحرب من صراع داخلي إلى إقليمي بحكم اتصالهما المباشر بالحرب السودانية.
يشير علم الدين، إلى أنه بالنظر إلى سيطرة "الدعم السريع" على مساحات واسعة من إقليم دارفور المتاخم لتشاد وانتشاره في حدود جنوب السودان وأفريقيا الوسطى وإثيوبيا وليبيا يمكن إدراك أن الحرب لم تعد مواجهة محصورة داخل السودان، بل أصبحت مرتبطة بشكل أو بآخر بموازين القوى في منطقة الساحل عموماً. ويتابع "على رغم أن المنطقة لم تصل بالفعل إلى مرحلة الحرب الإقليمية المفتوحة،
لكن هناك مؤشرات عديدة تشير إلى احتمال انتقال القتال إلى داخل الأراضي التشادية، بحكم الحدود المفتوحة والتداخل والحراك القبلي المتواصل الممتد إلى كل من ليبيا وأفريقيا الوسطى". ويرى أن السودان بدأ التصعيد الدبلوماسي لموضوع تدفقات قوافل الإمداد والعتاد عبر الحدود والصحراء الغربية بشكوى ضد تشاد لدى اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب التابعة للاتحاد الأفريقي، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، غير أنها لم تثمر شيئاً،
مما دفعه لإعمال وسائله الخاصة لكبح تلك التدفقات بملاحقتها عسكرياً، وأسهم ذلك بدوره في التصعيد العسكري العابر للحدود على النحو الذي وصل إليه الوضع حالياً. جندي من الجيش السوداني أمام دبابة معروضة في متحف الحرب بالخرطوم بحري، 2 يوليو 2026 (أ ف ب) من الناحية العسكرية، يرى الباحث السياسي والأمني إسماعيل يوسف،
أن الحدود الإثيوبية - السودانية الملتهبة من الجانبين باتت تكتسب حساسية أكبر، حيث تتداخل أزمات داخلية متصاعدة لتغذي التوتر الحدودي التاريخي القائم أصلاً بين البلدين في منطقة الفشقة، معتبراً أن تجدد المواجهات بين الجيش الإثيوبي وجبهة تحرير تيغراي على تخوم الحدود المشتركة للبلدين، والاتهامات المتبادلة بسماح كل دولة باستخدام أراضيها وممراتها الحدودية ضد الأخرى،
أحد أهم العوامل التي تجعل من تلك الحدود أكثر قابلية للاشتعال وتمدد الحرب. لكن يوسف يرى أن انتقال الجيش السوداني من الاتهام الضمني لإثيوبيا بإسناد "الدعم السريع" لوجستياً، إلى تسميتها صراحة ودمغها بالتورط العسكري المباشر بتوفير الأرض والبنية العسكريّة لها، يعد مؤشراً عالي الخطر ربما يرفع من حدة التوترات ويقود إلى احتكاكات عبر الشريط الحدودي الذي يشهد معارك محتدمة على الجانبين.
ويشير الباحث الأمني، إلى أن التحركات العسكرية وقوافل الإمداد العابرة للحدود في المثلث الحدودي بين مصر والسودان وليبيا والمنطقة الصحراوية الممتدة بين تشاد ودارفور غربي السودان، تشكل هاجساً مزعجاً للجيش السوداني كونها باتت جزءاً من قدرات الميليشيات العسكرية في المحافظة على وجودها الميداني وتعويض خسائرها، مما حول المنطقة في الفترة الأخيرة إلى مسرح للقصف الجوي وميداناً للعمليات الحربية من قبل الجيش والقوات المشتركة لقطع وتجفيف ذلك الشريان.
من ناحية أخرى، يلفت يوسف إلى أنه على رغم أن مصر لا ترغب ولا تحتاج إلى أن تكون طرفاً في الحرب، فإن من غير المستبعد أن تتعامل مع أي خطر يقترب من حدودها الجنوبية باعتباره تهديداً استراتيجياً لها وليس مجرد حرب سودانية داخلية، كما أنها لن تقبل بسهولة بقيام كيان معادٍ لها يمتد من دارفور إلى كردفان والنيل الأزرق،
قد يكون خلفه بعض النفوذ الإثيوبي.