في ظل الحرب المشتعلة منذ عام 2023 تتخذ قضية بائعات الأطعمة والمشروبات في السودان أبعاداً تتجاوز حدود العمل اليومي، من أجل تأمين لقمة العيش للأسر والأطفال، وسد حاجة العائدين من النزوح، خصوصاً في المدن الآمنة ومنها العاصمة الخرطوم.

وفي هذا السياق، تعهد رئيس مجلس السيادة، الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، بدعم جهود حكومة ولاية الخرطوم لتنظيم عمل بائعات الأطعمة والمشروبات،

وتوفير بيئة عمل مناسبة تحفظ كرامتهن وتدعم استقرار أسرهن. وأعلن البرهان، خلال مخاطبته اللقاء الذي نظمته وزارة التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم مع بائعات الأطعمة والمشروبات، الأسبوع الماضي،

بحضور والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة، تبرعه بتوفير 3500 كشك، بواقع 500 كشك لكل محلية من محليات الولاية. ويأتي الإعلان في وقت تواجه فيه العاملات في بيع الأطعمة والمشروبات تحديات قاسية فرضتها الحرب،

من النزوح وفقدان مصادر الدخل إلى ارتفاع كلف المعيشة وصعوبة الوصول إلى الأسواق والمواد الخام. ولا يمثل توفير الأكشاك مجرد خطوة تنظيمية، بل يمكن أن يشكل بداية لمعالجة قضية اقتصادية واجتماعية ترتبط بأسر تعتمد على دخل هؤلاء النساء، كذلك فإن تنظيم أماكن العمل بصورة تحفظ الأمن والنظافة والكرامة،

وتتيح فرصاً أكثر استقراراً للبيع، قد يساعد في تحويل النشاط من عمل هامشي إلى مصدر دخل أكثر قدرة على الاستمرار. غير أن نجاح هذه الخطوة سيظل مرتبطاً بكيفية تنفيذها وعدالة توزيعها، وبمدى مراعاة ظروف النساء المتضررات من الحرب،

حتى تصل المساندة إلى من يحتجن إليها فعلاً، وتتحول الوعود إلى واقع ملموس يعزز قدرة بائعات الأطعمة على إعالة أسرهن والمشاركة في التعافي الاقتصادي والاجتماعي. وتبرز أهمية الاستماع إلى أصوات البائعات أنفسهن عند وضع القواعد والضوابط، لوصف احتياجاتهن وأخطار العمل،

واقتراح حلول عملية تراعي واقع الحرب، وتضمن لهن فرصاً عادلة ومستقرة وآمنة وتحفظ لهن حقهن في العمل، وحمايتهن. أجبرت الحرب آلاف بائعات الأطعمة والمشروبات و"ستات الشاي" في الخرطوم على ترك مواقع عملهن ومنازلهن (أ ف ب) جذور المعاناة تمتد معاناة بائعات الأطعمة والمشروبات،

وفي مقدمهن "ستات الشاي"، إلى عقود سبقت الحرب الحالية، حين ارتبط العمل في الشوارع بالنسبة إلى آلاف النساء بالفقر والنزوح والقيود القانونية وحملات الشرطة. ووثقت منظمة "هيومن رايتس ووتش" أن سلطات الخرطوم،

بعد انقلاب 1989، فرضت قيوداً على عمل النساء في المجال العام، بينما تعرضت بائعات الشاي والطعام للملاحقة والمصادرة والغرامات. وذكرت منظمة "ذا نيو هيومانتيريان" أن الشرطة كانت تلاحق بائعات الشاي لعدم امتلاكهن تراخيص،

على رغم أن كثيرات لم يكن قادرات على تحمل رسوم الترخيص والفحوص الطبية. كذلك وثقت مبادرة "سيها" عام 2016 منع نحو 1000 بائعة شاي من العمل في مواقع رئيسة بالخرطوم، مشيرة إلى أن كثيراً منهن كن المعيلات الأساسيات لأسرهن. وفي مواجهة هذه الظروف،

برز التنظيم الجماعي للدفاع عن حقوق العاملات. ومن بين أبرز الناشطات في هذا المجال عوضية كوكو، التي بدأت بيع الشاي لإعالة أسرتها، ثم سعت إلى تقنين أوضاع بائعات الطعام والشاي،

إلى أن كونت جمعية تعاونية للدفاع عن حقوق "ستات الشاي". وبدأت الجمعية بنحو 8 آلاف بائعة، بدعم من منظمة هولندية عام 1990، وهو ما أسهم في لفت الاهتمام العالمي إلى قضيتهن.

وحصلت الجمعية على دعم من المعونة الأميركية عام 1995، التي أسهمت في تمليكهن مبنى لاحتواء العاملات في السوق الشعبية بالخرطوم. ومع توسع نشاط الجمعية بدعم المعونة، قامت بتمليك مبان في الأحياء الهامشية التي تكثر فيها النازحات من حرب دارفور الأولى اللواتي يعملن في بيع الشاي.

وعام 2013 كونت كوكو "الاتحاد التعاوني النسوي لبائعات الأطعمة والمشروبات"، إلا أن لجنة إزالة التمكين حلت الاتحاد بعد الاحتجاجات التي أسقطت نظام البشير عام 2019. وعام 2016، كرمت وزارة الخارجية الأميركية كوكو بجائزة المرأة الدولية للشجاعة تقديراً لقيادتها ودفاعها عن حقوق العاملات في القطاع غير الرسمي.

أظهر "مركز التضامن العمالي" أن بائعات الشاي والأطعمة واصلن التنظيم خلال الحرب، وصولاً إلى تأسيس نقابة جديدة في أبريل (نيسان) الماضي ممثلة في 16 مدينة وبلدة، بقيادة عوضية كوكو. ويشير المركز إلى أن الحرب ضاعفت التحديات على هذه المهن،

بعدما فقدت نساء كثيرات الأسواق والمعدات ومصادر الدخل، واضطر بعضهن إلى النزوح أو الانتقال إلى بلدان أخرى بحثاً عن العمل وإعالة أسرهن. تحديات الاستقرار أجبرت الحرب آلاف بائعات الأطعمة والمشروبات و"ستات الشاي" في الخرطوم على ترك مواقع عملهن ومنازلهن، بعدما دمرت الأسواق ونهبت المعدات وتوقفت حركة الزبائن،

وتعطلت مهن كانت توفر دخلاً يومياً. ووثقت الأمم المتحدة عبر برنامج الأغذية العالمي قصص نازحات من حرب دارفور الأولى كن يعملن في بيع الأطعمة والمشروبات، وعندما اندلعت الحرب نزحن مرة أخرى إلى ولايات الجزيرة والشمالية وغيرها واضطررن إلى بيع ممتلكات لتأمين الرحلة، ثم عدن إلى إعداد الطعام للنازحين مستخدمات مهنتهن للبقاء على قيد الحياة.

كذلك ذكرت دراسة منشورة لجامعة الأحفاد عام 2025 أن الحرب دفعت غالبية البائعات إلى اقتصاد البقاء، وأن 75 في المئة من بائعات الشاي في أم درمان كن نازحات، بينما تحملت 57 في المئة من النساء المشمولات بالدراسة مسؤولية إعالة أسرهن. ومع بدء العودة إلى الخرطوم،

لم تعد المشكلة مجرد استئناف العمل، فالبائعات رجعن إلى مدن مدمرة وأسواق ضعيفة وخدمات محدودة، واحتجن إلى مواقع آمنة ومنظمة وحماية قانونية تحول دون الإخلاء والمصادرة والغرامات. وأفاد "مركز التضامن العمالي" أن بائعات الشاي ما زلن يواجهن الإخلاء القسري والغرامات والمصادرة والتحرش،

وأن الرسوم البلدية المرتفعة تعرقل استقرارهن. وفي المقابل، قال والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة إن حكومته تنظر إلى التنظيم على أنه وسيلة لتوفير بيئة آمنة تحفظ مصدر الرزق والكرامة، مؤكداً مراعاة الظروف المعيشية والاشتراطات الصحية والبيئية،

والاستماع إلى مطالب العاملات. وتشكل مبادرة الحكومة خطوة أولى نحو تقنين النشاط، لكن نجاحها يتوقف على عدالة التوزيع واستدامة المواقع وربطها بالحماية الاجتماعية والتمويل والتدريب، حتى لا تتحول العودة إلى مجرد عودة للفقر.

وتبقى الأولوية لضمان وصول الدعم إلى الأكثر تضرراً، خصوصاً النازحات والمعيلات الوحيدات. مهنة بيع الأطعمة والمشروبات في السودان مرشحة لأن تشهد تحولات كبيرة خلال الأعوام المقبلة (غيتي) ارتفاع الأسعار في السوق المركزية بأم درمان تبدأ سعاد آدم عملها في وقت مبكر من الصباح، وهي تفكر في كيفية تدبير احتياجات يوم جديد وسط ارتفاع مستمر في كلفة المعيشة.

تشتري ما تحتاج إليه لإعداد المأكولات الشعبية من دقيق ذرة ولحم وبصل وزيت وتوابل وغيرها، ثم تبدأ إعداد الطعام وبيعه للمتسوقين والعاملين في السوق. تقول آدم إن المشكلة لم تعد في توفير الطعام وبيعه فقط، بل في القدرة على شراء مستلزمات اليوم التالي.

وتوضح أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود جعل رأس المال الصغير الذي تعمل به يتآكل سريعاً، بينما تراجع عدد الزبائن مقارنة بما كان عليه قبل الحرب. وتضيف "أحياناً أبيع كل ما أعددته، لكن عندما أحسب ما صرفته وأذهب لشراء المواد لليوم التالي،

أكتشف أن الربح لم يعد يكفي". وذكرت أن الأسعار تواصل ارتفاعها خلال فترة قصيرة، مما يجبرها على تقليل الكميات أو تغيير الأصناف التي تبيعها، إضافة إلى أن كثيراً من زبائنها باتوا يشترون كميات أقل،

أو يكتفون بالطعام الأرخص سعراً. وتوضح آدم أن دخلها اليومي لا يوفر لها هامشاً كافياً للطوارئ، وأن أي يوم ضعيف المبيعات ينعكس مباشرة على مصروفات أسرتها، ومع ذلك،

تواصل الحضور إلى السوق لأنها لا تملك مصدراً آخر تعتمد عليه. وعلى مقربة من أحد المستشفيات، تعمل سكينة عبدالله في بيع الشاي. تضع أكوابها على طاولة أمام المارة ومرافقي المرضى،

بينما تضع مستلزماتها من سكر وشاي وحليب وبن وتوابل في صندوق خشبي. وتقول إن العمل هنا يوفر لها زبائن، لكن قدرتهم على الشراء تراجعت كثيراً. وتوضح عبدالله أن الشاي والسكر والحليب والمياه والوقود أصبحت كلفتها أعلى من السابق،

فيما يصعب عليها رفع سعر الكوب خوفاً من فقدان الزبائن. وتقول "أنا بين خيارين، إما أن أرفع السعر فيبتعد الناس، أو أبقيه كما هو ولا أجد ما يكفي لشراء حاجات الغد".

وتضيف أن ما تكسبه بالكاد يغطي مصروفات المنزل وكلف استمرارها في العمل. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) تنظيم القطاع ترى المتخصصة الاجتماعية عفاف مدني أن مهنة بيع الأطعمة والمشروبات في السودان مرشحة لأن تشهد تحولات كبيرة خلال الأعوام المقبلة، ليس فقط بفعل الظروف الاقتصادية، وإنما أيضاً نتيجة التغيرات الاجتماعية التي فرضتها الحرب والنزوح وتراجع فرص العمل التقليدية.

وتقول إن هذه المهن قد تتحول بصورة متزايدة من نشاط فردي بسيط إلى مصدر دخل أكثر تنظيماً، خصوصاً إذا توفرت أطر قانونية ومؤسساتية تحمي العاملات وتساعدهن على الوصول إلى التمويل والتدريب والأسواق. وتوضح مدني أن مستقبل المهنة سيتوقف بدرجة كبيرة على قدرة العاملات على التكيف مع ارتفاع كلف المواد الغذائية والوقود، وهو ما قد يدفعهن إلى تغيير أنواع الأطعمة والمشروبات التي يقدمنها،

أو العمل بصورة جماعية لخفض كلف الشراء، أو البحث عن موردين وأسواق بديلة. كذلك يمكن أن تظهر صور جديدة من التعاون بين البائعات، تقوم على شراء المواد بكميات أكبر وتقاسم كلف النقل والتجهيز،

بما يساعد على الحفاظ على هامش ربح محدود. وترى الباحثة أن النظرة الاجتماعية إلى هذه المهن يمكن أن تتغير بصورة أكبر مستقبلاً، مع اتساع الاعتماد عليها كمصدر أساس لإعالة الأسر، خصوصاً في ظل ارتفاع معدلات النزوح وفقدان الوظائف.

وقد تصبح بائعات الطعام والشراب جزءاً أكثر وضوحاً من الاقتصاد المحلي، بدلاً من النظر إليهن على أنهن عاملات في مهن هامشية، وتضيف أن تنظيم هذا القطاع سيكون عاملاً حاسماً، فإتاحة تراخيص ميسرة وأماكن عمل آمنة وخدمات مالية وتأمين اجتماعي،

يمكن أن تنقل المهنة من نشاط يعتمد على البقاء اليومي إلى نشاط اقتصادي أكثر استقراراً. وفي المقابل، فإن استمرار ارتفاع الأسعار وضعف القدرة الشرائية قد يدفعان نحو تقلص النشاط أو انتقاله إلى صور جديدة، بما فيها البيع المتنقل والطلبات المنزلية والأسواق المجتمعية.