لم يعد حضور المؤثر أو صانع المحتوى محصوراً في شاشة الهاتف، فالشخص الذي بدأ صناعة شهرته من مقاطع قصيرة أو أغنية أو محتوى يومي على إحدى المنصات، يمكن أن يظهر لاحقاً في فعاليات عامة ومناسبات اجتماعية ولقاءات مختلفة، محاطاً بجمهور يعرفه ويتابع تفاصيل حضوره الرقمي.

هذا التحول لا يتعلق فقط بزيادة أعداد المتابعين، بل بطريقة جديدة في صناعة الشهرة نفسها، فمع انتشار منصات التواصل الاجتماعي أصبح بإمكان أشخاص من خارج المؤسسات الإعلامية والفنية التقليدية بناء جمهور واسع، من دون المرور بالمسارات التي كانت تصنع النجوم في السابق.

وفي السودان، تزامن هذا التحول مع اتساع الاعتماد على المنصات الرقمية للحصول على الأخبار والترفيه والتواصل، خصوصاً لدى الأجيال الأصغر سناً، وأصبح بعض صناع المحتوى يمتلكون حضوراً يتجاوز حدود المنصة التي بدأوا منها،

وهنا يبرز سؤال اجتماعي أكثر اتساعاً، هل تغير مفهوم الشهرة في السودان؟ حضور متزايد بالنسبة إلى بعض صناع المحتوى، لا تتوقف قيمة الشهرة عند عدد المشاهدات أو التعليقات،

وإنما تظهر في حجم الاهتمام الذي يحيط بهم خارج المنصة، فالمؤثر الذي اعتاد أن يتحدث إلى جمهوره من خلف شاشة الهاتف، قد يجد نفسه حاضراً في مناسبات وفعاليات مختلفة، ويُطلب منه المشاركة أو الظهور أو التحدث،

كونه شخصية معروفة لدى شريحة من الجمهور. يقول محمد حيدر، وهو صانع محتوى وفنان سوداني، إن "حضوره الاجتماعي تغير بصورة واضحة مع اتساع قاعدة متابعيه،

وإن الأمر بالنسبة إليه لم يعد مقتصراً على التفاعل مع المحتوى الذي ينشره عبر المنصات الرقمية"، مضيفاً "في البداية كنت أتعامل مع الموضوع على أنه مجرد محتوى أقدمه للناس، وأن الشهرة مرتبطة بعدد المشاهدات والتعليقات، لكن مع الوقت بدأت ألاحظ أن الناس يتعاملون معي خارج المنصة بالطريقة نفسها التي يتعاملون بها معي على الشاشة،

وأصبحت أتلقى دعوات إلى حضور مناسبات وفعاليات لم أكن أتوقع أن أكون جزءاً منها، وأحياناً يُنظر إلي على أني شخص معروف، حتى في أماكن لا علاقة لها بالمحتوى الذي أقدمه". تقاس شهرة الشخصيات المعروفة بدرجة حضورها وتفاعل جمهورها معها إضافة إلى ما تقدمه من محتوى (أ ف ب) واستطرد حيدر أن "اتساع الجمهور غير أيضاً طبيعة المسؤولية التي أشعر بها تجاه ما أنشره،

ففي البداية كنت أفكر في الفيديو على أنه مادة تنتهي بمجرد نشرها، لكن عندما أصبح لدي جمهور أكبر، بدأت أنتبه إلى أن أية كلمة أو موقف يمكن أن يأخذ مساحة أكبر مما أتوقع، فالناس أصبحت تسأل عن رأيي،

وتنتظر مني مواقف معينة، وأحياناً تربط بين ما أقوله وبين شخصيتي خارج وسائل التواصل الاجتماعي". ويرى صانع المحتوى أن "الفارق بين الشهرة القديمة والجديدة يكمن في أن الشخص لم يعد بحاجة بالضرورة إلى المرور عبر مؤسسة إعلامية أو فنية حتى يصبح معروفاً"، موضحاً أنه "بات من الممكن اليوم لأي شخص لديه فكرة أو موهبة وطريقة مختلفة أن يصل إلى جمهور كبير،

فالهاتف أصبح وسيلة لصناعة الاسم، والجمهور ذاته أصبح جزءاً من عملية صناعة الشهرة، لكن لا ننسى أيضاً أن عدد المتابعين وحده لا يعني أن الشخص أصبح مؤثراً أو أن الناس تثق فيه، لأن التأثير الحقيقي يحتاج إلى علاقة مستمرة مع الجمهور وإلى شيء يجعل الناس تستمر في متابعته".

أرقام الشهرة في عالم المنصات الرقمية، أصبحت أرقام المتابعين والمشاهدات والتفاعل جزءاً من تعريف الشهرة نفسها، وقد ينظر الجمهور أو الجهات المختلفة إلى حجم الحساب كونه مؤشراً على مدى انتشار صاحبه، لكن الرقم لا يجيب وحده عن سؤال أكثر أهمية: هل كل من يملك جمهوراً كبيراً يحظى بتأثير حقيقي؟

فقد يمتلك شخص ملايين المشاهدات على محتوى ترفيهي، بينما يحصل آخر على جمهور أصغر لكنه أكثر تفاعلاً وثقة بما يقدمه، ولذلك فإن الانتشار والتأثير ليسا بالضرورة الشيء نفسه. ويقول المتخصص في الإعلام الرقمي،

أمجد كامل، إن "عدد المتابعين يمثل جزءاً واحداً فقط من الصورة، ولا يمكن عده وحده دليلاً على حجم التأثير الذي يملكه صانع المحتوى". وتابع كامل "قد تجد شخصاً لديه مئات الآلاف من المتابعين،

لكن التفاعل مع محتواه محدود، أو أن الجمهور يتابعه للترفيه فقط ولا يتأثر بما يطرحه، وفي المقابل قد يمتلك صانع محتوى جمهوراً أصغر بكثير، لكنه أكثر ارتباطاً به وثقة فيما يقدمه،

وبالتالي يكون تأثيره أكبر في مواضيع محددة"، مردفاً أن "قياس التأثير الرقمي يحتاج إلى النظر لطبيعة الجمهور ومستوى التفاعل والاستمرار، وليس فقط إلى عدد المتابعين"، موضحاً أن "المؤثر الحقيقي هو الذي يستطيع أن يحرك اهتمام جمهوره أو يغير النقاش حول موضوع ما أو يدفع المتابعين إلى التفاعل معه،

وليس بالضرورة الشخص الذي يملك الرقم الأكبر، وكذلك أن نوعية الجمهور مهمة جداً، فهناك فرق بين ملايين المتابعين الذين يشاهدون المحتوى مروراً، وبين جمهور يتابع الشخص باستمرار ويشارك محتواه،

ويعود له للحصول على معلومة أو رأي". وواصل أن "المنصات الرقمية غيرت كذلك العلاقة بين المشهور والجمهور، بعدما أصبح المتابع جزءاً من عملية انتشار المحتوى ذاتها"، قائلاً "المتابع اليوم ليس متلقياً سلبياً كما كان في وسائل الإعلام التقليدية،

هو يشارك ويعلق ويعيد النشر، وقد يكون هو السبب في انتقال محتوى من دائرة محدودة إلى جمهور واسع، لذلك أصبحت الشهرة عملية مشتركة بين صانع المحتوى والجمهور والمنصة نفسها". ومضى المتخصص في الإعلام الرقمي أن "اتساع الحضور الرقمي يمكن أن يمنح صاحبه مساحة اجتماعية أكبر،

لكن تحويل هذه المساحة إلى تأثير حقيقي يحتاج إلى الثقة والاستمرار، والمحتوى القادر على الحفاظ على علاقة طويلة مع الجمهور، وليس مجرد ارتفاع موقت في أرقام المشاهدة". مفهوم الشهرة في المجتمع السوداني شهد تحولاً مع تغير الوسائل التي يصل من خلالها الأشخاص إلى الجمهور (أ ف ب) قاعدة جماهيرية التغيير الأوضح ربما يظهر في تعريف كلمة مشهور نفسها،

في أجيال سابقة، كان الوصول إلى الشهرة يحتاج إلى مساحة في وسيلة إعلام جماهيرية أو حضور فني معروف، أما اليوم فيمكن لشخص أن يبني قاعدة جماهيرية واسعة من غرفة صغيرة، أو هاتف محمول،

أو حساب شخصي بدأه من دون مؤسسة تقف خلفه، وهذا التحول أعاد توزيع أدوات صناعة الشهرة، فلم تعد المؤسسات وحدها قادرة على تحديد من يظهر ومن يصل إلى الجمهور، بل أصبحت المنصات جزءاً من هذه العملية.

الباحث في علم الاجتماع والثقافة السودانية، بشير النيل، إلى أن "مفهوم الشهرة في المجتمع السوداني شهد تحولاً مع تغير الوسائل التي يصل من خلالها الأشخاص إلى الجمهور، فالشهرة لم تعد مرتبطة بالضرورة بالمؤسسات التي كانت تتحكم سابقاً في صناعة الحضور العام".

وأضاف النيل أنه "في السابق كان الوصول إلى مساحة واسعة من الجمهور يحتاج إلى المرور عبر مؤسسات، مثل التلفزيون والإذاعة والصحافة أو عبر الوسط الفني ذاته، وهذه المؤسسات كانت تؤدي دوراً في تحديد من يظهر ومن يصبح معروفاً على نطاق واسع، أما اليوم فقد أصبحت منصات التواصل الاجتماعي تتيح للشخص أن يبني جمهوره بصورة مباشرة،

وأن يصنع لنفسه حضوراً من دون الحاجة بالضرورة إلى وسيط تقليدي". ويرى أن "هذا التحول لا يتعلق فقط بتغير أدوات الشهرة، وإنما بتغير نظرة المجتمع إلى الشخصيات المعروفة"، قائلاً "أصبح الجمهور يشارك بدرجة أكبر في صناعة شهرة الشخص،

لأن الانتشار لم يعد قراراً تتخذه مؤسسة إعلامية وحدها، فالتفاعل والمشاركة وإعادة النشر يمكن أن تجعل شخصاً غير معروف نسبياً، يتحول خلال فترة قصيرة إلى اسم حاضر في النقاش العام". وزاد أن "الحدود بين الفنان والمؤثر والشخصية العامة أصبحت أكثر مرونة،

خصوصاً مع قدرة الشخص الواحد على الجمع بين أكثر من مساحة، فقد يبدأ الشخص كصانع محتوى، ثم يدخل إلى مجال الفن، أو يبدأ فناناً ويصبح مؤثراً رقمياً،

وقد يتحول في مرحلة أخرى إلى شخصية لها حضور اجتماعي أوسع، ولذلك أصبح من الصعب وضع هذه الشخصيات داخل تصنيفات ثابتة، كما كان الحال في السابق". وأكد أن "ذلك لا يعني أن الشهرة الرقمية ألغت المعايير القديمة،

فالموهبة والاستمرار وجودة المحتوى لا تزال عوامل مهمة، لكن الطريق إلى الجمهور أصبح أكثر تنوعاً وأقل ارتباطاً بالمؤسسات التقليدية". ولفت الباحث في علم الاجتماع والثقافة السودانية إلى أن "المنصات الرقمية وافرت مساحة يلتقي فيها الفن والترفيه والحياة اليومية والنقاش الاجتماعي، مما أسهم في ظهور جيل جديد من الشخصيات المعروفة التي تُقاس شهرتها بدرجة حضورها وتفاعل جمهورها معها،

إضافة إلى ما تقدمه من محتوى". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) خارج الشاشة وبالنسبة إلى الجمهور الشاب، فقد يكون المؤثر شخصاً يتابعونه بصورة يومية، ويعرفون تفاصيل حياته أو طريقته في التفكير أو عمله،

وهو ما يخلق نوعاً مختلفاً من القرب، مقارنة بالشخصيات التي كانت تظهر سابقاً من خلال وسائل الإعلام التقليدية. وتوضح سحر أيمن، وهي شابة سودانية تتابع عدداً من المؤثرين وصناع المحتوى،

أن "علاقتها بالمؤثرين وصناع المحتوى تختلف عن متابعتها للشخصيات التي تعرفها من وسائل الإعلام التقليدية، فالقرب اليومي من تفاصيل حياتهم يجعل متابعة بعضهم تبدو أقرب إلى علاقة مستمرة، وليست مجرد مشاهدة لمحتوى عابر". وتكمل سارة "أتابع بعض المؤثرين لأنني أشعر أنهم يتحدثون عن أشياء قريبة من حياتنا اليومية،

وأحياناً أحب طريقة تفكيرهم أو أسلوبهم في طرح الموضوع، ومع الوقت أشعر أنني أعرف شخصياتهم حتى لو لم أقابلهم في الواقع، لأنني أراهم باستمرار وأتابع تفاصيل كثيرة من حياتهم، لكن هذا لا يعني أنني أصدق كل ما يقولونه أو أتفق معه".

وزادت "يمكن أن لشخص أن يكون لديه عدد متابعين كبير جداً، لكن لا أهتم بما ينشره، وفي المقابل أتابع شخصاً آخر لديه عدد متابعين أقل، لأن محتواه يعجبني وأشعر أنه صادق أو قريب مني،

وبالنسبة إلي فإن الاستمرار وطريقة التعامل مع الجمهور أهم من الرقم ذاته". تأثير حقيقي من جانبه، يرى المتخصص في الإعلام الرقمي، سامي خليفة،

أن "التأثير المستمر لا يرتبط فقط بحجم الجمهور أو عدد المتابعين، وإنما بدرجة الثقة التي يستطيع صانع المحتوى بناءها مع جمهوره، فقد يصل المحتوى إلى ملايين الأشخاص، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن صاحبه يمتلك تأثيراً حقيقياً أو مستمراً،

فالتأثير يظهر عندما يصبح الجمهور مهتماً بما يقدمه، ويعود له، ويتفاعل معه، وربما يتبنى بعض الأفكار أو الاهتمامات التي يطرحها".

وأضاف خليفة أن "المنصات الرقمية غيرت طريقة صناعة الشهرة، لأن الشخص لم يعد بحاجة بالضرورة إلى المرور عبر المؤسسات الإعلامية أو الفنية التقليدية حتى يصبح معروفاً، فاليوم يمكن أن يبدأ من حساب شخصي، ويبني جمهوره تدريجياً،

ثم يتحول هذا الجمهور إلى مساحة تمنحه حضوراً اجتماعياً أوسع، ولذلك لم يعد السؤال من هو المشهور؟ وإنما كيف أصبح مشهوراً؟ وما الذي منحه هذه المكانة؟

وكيف يستخدم المساحة التي حصل عليها عندما تنتقل شهرته من شاشة الهاتف إلى المجتمع؟". وأردف أن "الشهرة الرقمية قد تكون سريعة، لكن الحفاظ عليها هو التحدي الحقيقي، فالأرقام يمكن أن ترتفع بسبب محتوى واحد أو حدث عابر،

لكن بناء حضور مستمر يحتاج إلى محتوى متجدد وصدق وفهم للجمهور، وقدرة للحفاظ على العلاقة معه، ولذلك لا يمكن قياس المكانة الاجتماعية للمؤثر بعدد المتابعين وحده". وخلُص المتخصص في الإعلام الرقمي إلى أن "المنصات الرقمية فتحت المجال أمام أسماء جديدة للدخول إلى دائرة الاهتمام العام،

من خارج المؤسسات الإعلامية والفنية التقليدية، وهذا لا يعني أن هذه المؤسسات فقدت دورها، وإنما أصبحت هناك طرق أخرى لصناعة الحضور والوصول إلى الجمهور، ومع الوقت يصبح استمرار هذه المكانة مرتبطاً بقدرة الشخص على الحفاظ على اهتمام الجمهور وثقته،

وليس فقط بارتفاع أرقام المشاهدة والمتابعة".