حثّ صندوق النقد الدولي مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي على اتباع نهج حذر في إدارة السياسة النقدية، في ظل استمرار مخاطر التضخم المرتبطة بصدمات أسعار الطاقة وارتفاع تكاليف الرسوم الجمركية. يأتي هذا التحذير قبيل أول اجتماع للجنة السياسة النقدية برئاسة الرئيس الجديد للاحتياطي الفيدرالي.وخلال مؤتمر صحفي دوري، أوضحت المتحدثة باسم صندوق النقد الدولي أن المؤسسة الدولية تتوقع الآن عودة التضخم في الولايات المتحدة إلى المستوى المستهدف البالغ 2 في المائة بحلول نهاية عام 2027،

وهو أجل أبعد من التوقعات السابقة التي كانت تشير إلى منتصف العام نفسه. وأشارت إلى أن المخاطر تميل حالياً نحو ارتفاع التضخم، مما يستدعي اعتماد سياسة نقدية حذرة ومُعايرة بدقة وفق تطورات البيانات الاقتصادية.ويأتي هذا التقييم في وقت يستعد فيه الاحتياطي الفيدرالي لعقد اجتماعه المقبل للجنة السياسة النقدية بين 16 و17 يونيو، وسط ترقب واسع لمدى استمرار التشدد النقدي أو بدء تقييم مسار التيسير لاحقاً.

ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن الضغوط التضخمية لا تزال مدفوعة بعوامل خارجية، أبرزها تقلبات أسواق الطاقة وتداعيات السياسات التجارية وارتفاع تكاليف الاستيراد، مما يزيد من تعقيد مهمة صانعي السياسة النقدية.ويرى الصندوق أن أي تحرك نقدي في المرحلة المقبلة يجب أن يوازن بدقة بين مخاطر استمرار التضخم من جهة، واحتمالات تباطؤ النمو الاقتصادي من جهة أخرى،

في ظل بيئة عالمية لا تزال تتسم بعدم اليقين.ضغوط تضخمية متصاعدةأظهر مسح للاحتياطي الفيدرالي الأميركي أن رئيسه الجديد يتسلم قيادة اقتصاد لا يزال مدعوماً بزخم استثمارات الذكاء الاصطناعي، لكنه يواجه في الوقت نفسه ضغوطاً تضخمية متصاعدة نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط. وبحسب تقرير صادر عن البنوك الإقليمية الاثني عشر التابعة للاحتياطي الفيدرالي، شهدت معظم المناطق الأميركية ارتفاعاً في الضغوط التضخمية بين أواخر أبريل وأواخر مايو،

مدفوعاً بزيادة تكاليف الطاقة وما ترتب عليها من ارتفاع في تكاليف الشحن والتغليف والمواد الغذائية والأسمدة.وأشار التقرير إلى مؤشرات تدعو للحذر، من بينها تزايد الاعتماد على بطاقات الائتمان، وتراجع الإقبال على متاجر التجزئة، وارتفاع الطلب على السلع الأساسية،

مما يعكس ضغوطاً متزايدة على المستهلك الأميركي الذي يشكل إنفاقه المحرك الرئيسي للاقتصاد.مخاوف من ركود تضخمييعكس التقرير ملامح بيئة اقتصادية أقرب إلى الركود التضخمي؛ حيث يتزامن تباطؤ الطلب الاستهلاكي مع استمرار ارتفاع التكاليف والأسعار، وهو سيناريو يُعد من أكثر التحديات تعقيداً أمام أي رئيس جديد للاحتياطي الفيدرالي، خصوصاً في ظل توقعات سياسية سابقة بخفض أسعار الفائدة. ونقل التقرير عن مشاركين في الاستطلاع أن الأسر متوسطة الدخل أصبحت تدقق في كل دولار قبل اتخاذ قرار الإنفاق،

مما يمثل إشارة تحذير جديدة على تحول التضخم إلى مشكلة أكثر رسوخاً.وتتزايد الدعوات داخل الاحتياطي الفيدرالي لتشديد السياسة النقدية؛ إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس عن قلقها من استمرار الضغوط السعرية، مشيرة إلى أن التضخم لا يزال مرتفعاً رغم ازدهار الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وتظهر العقود الآجلة لأسعار الفائدة أن الأسواق تتوقع بنسبة تقارب 75 في المائة رفع سعر الفائدة الأساسي بمقدار ربع نقطة مئوية قبل نهاية العام.في المقابل، واصل الذكاء الاصطناعي لعب دور الداعم الرئيسي للنشاط الاقتصادي الأميركي،

حيث أشارت تقارير من البنوك الإقليمية إلى أن التوسع في بناء مراكز البيانات يدعم الاستثمارات والتوظيف، ويسهم في الحفاظ على وتيرة نمو اقتصادي معتدلة. إلا أن التقرير سلط الضوء أيضاً على آثار سلبية متزايدة؛ حيث أدى ارتفاع أسعار الوقود إلى تحول المستهلكين نحو السيارات الهجينة وتقليص مشتريات السيارات الجديدة، كما ارتفعت تكاليف الأسمدة مما دفع بعض المزارعين إلى توقع تراجع الإنتاج الزراعي.وأفادت شركات تصنيع في مناطق عدة بتراجع الطلب نتيجة حذر المستهلكين،

فيما أرجأت بعض الشركات خطط الإنفاق الرأسمالي بسبب المخاوف المرتبطة بارتفاع تكاليف الطاقة وإمدادات النفط. وفي سوق العمل، أشار التقرير إلى أن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي بدأ يؤثر على فرص التوظيف للمبتدئين والموظفين في المراحل المهنية الأولى، مما قد يمثل تحولاً هيكلياً طويل الأمد لا يمكن معالجته عبر خفض أسعار الفائدة فقط.واستفادت قطاعات الدفاع ومراكز البيانات من زيادة الطلب،

ما ساهم في دعم التوظيف الصناعي، لكن بيئة العمل بشكل عام ظلت تتسم بضعف التوظيف وانخفاض معدلات التنقل الوظيفي، بينما استمر نمو الأجور عند مستويات متواضعة إلى معتدلة. كما حذر التقرير من ضغوط تضخمية إضافية مع لجوء عدد متزايد من الشركات إلى تعديل الأجور ورفع بدلات غلاء المعيشة بوتيرة أكثر تكراراً،

لمواكبة ارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة الأخرى.يأتي ذلك في وقت ارتفع فيه معدل التضخم وفق المؤشر المفضل للاحتياطي الفيدرالي إلى 3.8 في المائة في أبريل مقارنة بـ3.5 في المائة في مارس، بينما تشير التوقعات إلى استقرار معدل البطالة عند 4.3 في المائة في بيانات الوظائف المرتقبة لشهر مايو.