في بلد مترامي الأطراف مثل السودان، تشكل الطرق القومية الشريان الرئيس لربط أقاليمه الشاسعة، فحركة النقل تربط العاصمة الخرطوم بالولايات والموانئ البحرية، ومن أبرزها طريق الخرطوم- بورتسودان (طريق الشرق) وطريق شريان الشمال وطريق الإنقاذ الغربي.

لكن كثيراً من هذه المسارات تعاني حالياً تدهوراً بنيوياً، وتخضع لجهود تأهيل وتدخلات حكومية مستمرة، فضلاً عن إزالة نقاط التحصيل غير القانونية. ولم يعُد تعطل الوظيفة الأساسية بوصفها ممرات للتنقل والتجارة،

المؤرق الوحيد، إذ تحولت خلال أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب إلى واحدة من أخطر المساحات التي يواجه فيها المدنيون تهديداً مباشراً لحياتهم ومصادر رزقهم. وباتت الرحلة بين مدينة وأخرى رهاناً على تجاوز كمائن مسلحة، فيما تواجه الشاحنات التجارية وقوافل الإغاثة أخطار النهب والابتزاز،

وتتقلص قدرة المجتمعات المحلية على الحركة مع اتساع رقعة الانفلات الأمني. وتجاوزت آثار هذا الواقع حدود الخسائر الفردية لتطاول منظومة الإمداد الغذائي وأسواق الماشية وحركة التجارة الداخلية وإيصال المساعدات إلى ملايين المحتاجين. ويعكس الانتشار المتزايد لقطاع الطرق أحد أكثر وجوه الحرب تعقيداً، إذ لم يعُد العنف محصوراً في الاشتباكات بين الأطراف المتحاربة،

بل تمدد إلى الفراغات التي خلفها انهيار مؤسسات الدولة وتراجع وجود أجهزة إنفاذ القانون. وفي هذا السياق، وجدت جماعات مسلحة وشبكات إجرامية فرصة لتعزيز نفوذها على الطرق الرابطة بين الولايات، مستفيدة من وفرة السلاح وتفكك السلطة المحلية،

لتفرض واقعاً جديداً أصبحت فيه السيطرة على الطرق مورداً اقتصادياً وأداة لفرض النفوذ. وكان البدو الرحل والمجتمعات الرعوية من أكثر الفئات التي دفعت ثمن هذا التحول، فتعطلت مسارات الترحال الموسمية وتزايدت الاعتداءات على الرعاة ومواشيهم وتراجعت الحركة نحو الأسواق التقليدية، مما أدى إلى خسائر اقتصادية متراكمة وأضعف قدرة آلاف الأسر على الحفاظ على مصادر دخلها.

وبينما تتواصل المعارك في جبهات القتال، تتشكل على الطرق أزمة أمنية وإنسانية موازية، تمس الحياة اليومية لملايين السودانيين وتعيد رسم خريطة التنقل والاقتصاد في البلاد. ظاهرة ممتدة أوضح عضو لجان المقاومة في ود مدني محمد المهدي أن ظاهرة قطع الطرق لم تعُد تقتصر على محاور بعينها،

بل امتدت إلى معظم الشبكات البرية التي تربط ولايات السودان، لتشكل أحد أبرز التداعيات الأمنية والاقتصادية للحرب. وبحسب إفادته، تنشط مجموعات مسلحة وعصابات نهب على الطرق الرابطة بين الخرطوم وولاية الجزيرة ومحور كوستي- الأبيض وطريق الأبيض- بارا- النهود المؤدي إلى ولايات كردفان ودارفور،

وطريق بارا- أم درمان (طريق الصادرات)، إضافة إلى الطرق الممتدة بين مدن نيالا وزالنجي والجنينة والفاشر، فضلاً عن أجزاء من الطريق القومي الرابط بين عطبرة وبورتسودان، وبعض المسارات المؤدية إلى القضارف وسنار والنيل الأزرق.

 وأكد أن الاعتداءات لا تقتصر على الطرق المعبدة، بل تمتد إلى المسارات الترابية التي تستخدمها المجتمعات الريفية والرعوية للوصول إلى الأسواق ومصادر المياه ومناطق الإنتاج الزراعي. وتشمل أنماط النشاط الإجرامي نصب الكمائن المسلحة واعتراض المركبات ونهب البضائع والوقود وسرقة الماشية وفرض الإتاوات على المارة واختطاف بعض المسافرين مقابل فدية، في ظل تراجع الوجود الأمني واتساع رقعة انتشار السلاح.

وأضاف المهدي أن انعكاسات هذا الواقع تجاوزت الخسائر المباشرة لتطاول دورة الاقتصاد المحلي وسبل العيش في الأقاليم. فالطرق القومية التي كانت تمثل الشريان الرئيس لحركة التجارة الداخلية أصبحت، في أجزاء واسعة منها، مناطق عالية الخطورة،

مما أدى إلى إطالة زمن الرحلات وارتفاع كلف النقل والتأمين، فضلاً عن تعطل وصول السلع بين الولايات. وأشار إلى أن المجتمعات الرعوية كانت من أكثر الفئات تضرراً، ولا سيما في محيط مدينة الأبيض وأرياف شمال وغرب كردفان،

حيث يعتمد البدو الرحل على التنقل الموسمي بالإبل والماشية بين المراعي والأسواق ومصادر المياه، غير أن الحرب وما صاحبها من انفلات أمني وتنامٍ لظاهرة سرقة الماشية وقطع الطرق دفعت كثيراً منهم إلى تقليص تحركاتهم أو تغيير مساراتهم التقليدية، مما ألحق خسائر متراكمة بثروتهم الحيوانية، وأضعف النشاط الرعوي الذي تعتمد عليه آلاف الأسر في تلك المناطق.

حال خوف يقول عبدالرحمن محمد، وهو سائق شاحنة يعمل على نقل السلع بين بورتسودان وولايات كردفان، إن أكثر رحلاته قسوة كانت أثناء عبوره إحدى المقاطعات الواقعة بين كوستي والأبيض، عندما اعترضت مجموعة مسلحة طريق الشاحنات وأجبرت السائقين على التوقف.

ويروي أن المسلحين استولوا على جزء كبير من الحمولة وهواتف السائقين ومبالغ نقدية كانت في حوزتهم، قبل أن ينسحبوا من المكان. ويضيف "لم يكُن أمامنا خيار سوى الاستسلام، فكل شيء حدث خلال دقائق،

وكنا ندرك أن أية محاولة للمقاومة قد تنتهي بإطلاق النار". ويؤكد أن تلك الحادثة غيرت نظرته إلى المهنة، إذ أصبح يرفض السفر منفرداً، ولا يتحرك إلا ضمن قوافل كبيرة أو بعد التأكد من أن الطريق شهد حركة آمنة خلال الساعات السابقة،

على رغم أن ذلك يعني تأخير وصول البضائع وارتفاع كلفة النقل. الشاحنات في السودان تواجه خطر النهب والسلب على الطرق (مواقع التواصل) ويصف مصطفى إبراهيم، وهو تاجر يعتمد على نقل المحاصيل بين القضارف وسنار والجزيرة، كيف أصبحت قراراته التجارية مرتبطة بالتقارير التي تصله عن حال الطرق،

قائلاً إن زملاء له فقدوا شحنات كاملة بعد تعرضها لعمليات سطو مسلح، بينما اضطر آخرون إلى دفع مبالغ مالية مقابل السماح لهم بمواصلة السير. ويضيف "لم أتعرض للنهب شخصياً، لكن ما أسمعه من السائقين يكفي لأن أؤجل إرسال الشحنات أياماً،

أو أقلص حجم البضاعة حتى لا تكون الخسارة كبيرة إذا حصل شيء"، ويرى أن حال الخوف هذه أصبحت تؤثر في حركة الأسواق بقدر ما تؤثر فيها الحرب نفسها. وتروي فاطمة الطيب، وهي عائدة بأطفالها عبر طريق شريان الشمال من مدينة الدبة إلى أم درمان،

أن الطريق لم يعُد مصدر قلق بسبب طوله، وإنما بسبب ما يتردد باستمرار عن حوادث السلب والاعتداء على المسافرين، قائلة إنها ألغت أكثر من رحلة بعد تلقيها اتصالات من أقارب نصحوها بعدم السفر إثر سماعهم بوجود مجموعات تعترض المركبات في بعض المقاطع، وتضيف "أصبحت أتابع أخبار الطريق كل يوم،

وأحياناً أؤجل السفر أسابيع كاملة. فمجرد سماع قصة جديدة عن نهب حافلة أو اعتراض مركبة يكفي لأن تعيد التفكير في الرحلة"، مؤكدة أن الخوف من المجهول أصبح يدفع كثيراً من الأسر إلى تقليل تنقلاتها، حتى عندما تكون الحاجة إلى السفر ملحة.  عوامل الظاهرة يقول الضابط السابق في المرور السريع محمد الأمين "جاءت ظاهرة قطاع الطرق في السودان نتيجة لتداخل عوامل أمنية واجتماعية واقتصادية تراكمت مع استمرار النزاع.

فخلال الأشهر الأولى من الحرب، ارتبطت معظم حوادث قطع الطرق باستهداف الأجهزة الأمنية وإغلاق المحاور الرئيسة وتفكك مؤسسات الدولة في عدد من الولايات، غير أن الظاهرة أخذت مع امتداد الحرب منحى أكثر اتساعاً، إذ تحولت بعض المجموعات المسلحة والعصابات الإجرامية إلى استغلال الطرق القومية والمسارات الريفية كمناطق نفوذ ومصادر للتمويل عبر نهب الشاحنات وسرقة الماشية وفرض الضرائب على المارة".

ويشير إلى أن من أبرز أسباب هذا التحول اتساع رقعة الفراغ الأمني، والانتشار الكبير للأسلحة خارج سيطرة الدولة، وتعطل منظومة العدالة وإنفاذ القانون، فضلاً عن تدهور الأوضاع الاقتصادية الذي دفع بعض الأفراد إلى الدخول في أنشطة إجرامية،

موضحاً أن "الحرب أسهمت في الإخلال بالتوازن التقليدي الذي كان يحكم استخدام الأراضي ومسارات الرعي، وأضعفت الأعراف المحلية التي كانت توفر قدراً من الحماية لقوافل الرعاة والتجار. ومع تصاعد خطاب الكراهية والاستقطاب المجتمعي، تراجعت الثقة بين المكونات المحلية،

وأصبحت بعض القوافل تواجه أخطاراً على أساس الانتماء الجغرافي أو القبلي، بعدما كانت الطرق والأسواق تُعد فضاءات مشتركة مفتوحة أمام الجميع". اجتماع للجنة أمن ولاية الخرطوم (مواقع التواصل) ويضيف الأمين أن "آثار الظاهرة لم تقتصر على الخسائر الأمنية المباشرة، بل امتدت إلى مفاصل الحياة الاقتصادية والإنسانية.

فتعطلت حركة التجارة الداخلية وارتفعت كلف النقل والتأمين وتأخر وصول السلع الأساسية والمساعدات الإنسانية إلى مناطق واسعة، وتقلصت كذلك حركة البدو الرحل بين المراعي والأسواق ومصادر المياه، وتزايدت حوادث سرقة الماشية، مما أضعف أحد أهم أنماط كسب العيش في الأقاليم الغربية والوسطى".

وتابع "بينما كانت عمليات قطع الطرق في بداية الحرب أقرب إلى حوادث متفرقة فرضتها الفوضى الأمنية، باتت اليوم في عدد من المحاور نشاطاً أكثر استدامة، يغذيه استمرار النزاع واتساع اقتصاد الحرب الذي أوجد بيئة خصبة لازدهار الجريمة المنظمة واستمرارها". مواجهة أمنية في مواجهة تصاعد حوادث قطع الطرق والنهب المسلح،

كثفت السلطات السودانية أخيراً إجراءاتها الأمنية على عدد من المحاور الحيوية، في محاولة للحد من تنامي الجريمة واستعادة الحد الأدنى من أمن التنقل، وشملت التدابير تسيير دوريات مشتركة وتعزيز الوجود الأمني في الطرق القومية وإنشاء ارتكازات ثابتة ومتحركة على المداخل والمخارج الرئيسة، فضلاً عن تنفيذ حملات استباقية استهدفت ملاحقة المطلوبين وضبط الأسلحة غير المرخصة والمركبات المستخدمة في الأنشطة الإجرامية.

ومن أبرز هذه الإجراءات، قرار لجنة أمن ولاية الخرطوم في الـ10 من يوليو (تموز) الجاري، نشر 10 دوريات أمنية مشتركة لتأمين وتمشيط طريق شريان الشمال الذي يربط العاصمة الخرطوم بالولاية الشمالية، عقب شكاوى متكررة من سائقي الشاحنات والمسافرين حول نشاط مجموعات مسلحة ومتفلتين على امتداد الطريق.

وتضم هذه القوة عناصر من الشرطة والشرطة العسكرية التابعة للقوات المسلحة وجهاز الاستخبارات العامة، مع إقامة نقاط ارتكاز دائمة لتعزيز الرقابة وضمان انسياب حركة النقل والتجارة. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وجاءت هذه الخطوة بعد تداول شهادات ومقاطع مصورة لسائقي شاحنات تحدثوا عن تعرضهم لمضايقات وفرض جبايات ونهب للبضائع على الطريق، وهي اتهامات نفتها القوة المشتركة للحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش،

مؤكدة عدم صلتها بالوقائع المتداولة وتمسكها بالعمل وفق القانون. وفي المقابل، شددت لجنة الأمن برئاسة والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة على أن الهدف من الانتشار الأمني يتمثل في الحد من الأنشطة الإجرامية وتأمين مستخدمي الطرق، بالتوازي مع تكثيف الحملات الجنائية في الولاية.

ووفقاً للتقرير الجنائي والأمني الأسبوعي الذي استعرضته اللجنة، سجل 3347 بلاغاً في أقسام الشرطة، فيما أسفرت الحملات الأمنية عن فتح 445 بلاغاً وتوقيف 809 أشخاص، بينهم 65 أجنبياً مخالفين للقانون،

إضافة إلى ضبط أسلحة نارية و49 دراجة نارية يشتبه في استخدامها في تنفيذ جرائم. كذلك، نفذت الخلية الأمنية 25 عملية أفضت إلى توقيف 91 شخصاً في قضايا جنائية وأمنية، بينما تمكنت الأجهزة المختصة من تعقب متهمين في قضايا نهب وسرقة مركبات خارج ولاية الخرطوم.

وعلى رغم هذه الإجراءات، يرى مراقبون أن قدرة السلطات على الحد من ظاهرة قطاع الطرق ستظل مرتبطة باستعادة السيطرة الأمنية على الطرق القومية وتقليص انتشار السلاح وإنهاء حال تعدد القوى المسلحة التي أفرزتها الحرب، وهي عوامل لا تزال تمثل التحدي الأكبر أمام جهود فرض الأمن في البلاد.