على مقربة من مسجد بضاحية الأزهري في الخرطوم، لفت انتباه أحد المارة صوت بكاء عال عند الفجر، اقترب بحذر ليجد طفلة رضيعة داخل كيس متروكة في المكان تواجه وحدها موجات الحر غير المسبوقة وقسوة المجهول، لم تكن قادرة على التعبير عن مأساتها أو أسباب وجودها في ذلك المكان،

لكن صراخها من شدة الجوع كان كافياً لطرح أسئلة عدة حول ظاهرة التخلي عن الأطفال حديثى الولادة، الذين ولدوا بصورة غير شرعية وتركهم على قارعة الطرقات والأماكن المهجورة، ليجدوا أنفسهم ضحايا لتداعيات الحرب الاجتماعية والاقتصادية. تتجلى خطورة الظاهرة في العدد الكبير من الحالات داخل مدن العاصمة الثلاث،

بحري وأم درمان والخرطوم، وكذلك في بعض المدن السودانية ومناطق تجمعات النازحين، إذ عثر على أكثر من 100 حالة في العاصمة خلال 45 يوماً، ونحو 230 في مدن أخرى خلال ثلاثة أشهر،

بحسب أطباء وحقوقيين. وحذرت منظمات وجمعيات طبية تطوعية عدة من خطر وضع الأطفال مجهولي الأبوين في ظل ظروف الحرب، ورصدت حالات وفاة وسط هذه الفئة نتيجة الجوع وانعدام رعاية الأمومة، فضلاً عن تعرض المئات للأمراض.

فقر وتفكك في السياق، قالت عضو منظمة الأمل للرعاية الاجتماعية وجدان السنوسي إن "ظاهرة الإنجاب بصورة غير شرعية ليست جديدة، لكنها تنامت بصورة غير مسبوقة بسبب الحرب، وأرجعت ذلك إلى الفقر والتفكك الأسري الذي شهده المجتمع".

وأضافت أن "الأطفال مجهولي الأبوين ارتفعت أعدادهم خلال الأشهر الأخيرة في العاصمة الخرطوم وعدد من ولايات السودان، وفي الغالب يوضعون بجوار المساجد وفي الطرقات العامة والمستشفيات أو الأماكن المهجورة". وأوضحت السنوسي أن "تداعيات الحرب أسهمت في توقف عمل المنظمات المحلية التي تعمل على رعايتهم وتوفير الخدمات الصحية والنفسية والبيئية لهم، إضافة إلى الدمار والتخريب وعمليات السلب والنهب الذي تعرضت له دار المايقوما لإيواء الأطفال مجهولي الأبوين في الخرطوم".

ارتفعت أعداد الأطفال مجهولي الأبوين خلال الأشهر الأخيرة في الخرطوم وعدد من ولايات السودان (اندبندنت عربية - حسن حامد) ضحايا الاغتصاب  في المنحى ذاته أشار وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية السوداني معتصم أحمد صالح إلى "وجود عدد كبير من الأطفال ولدوا لفتيات تعرضن للاغتصاب في مناطق سيطرة قوات ’الدعم السريع‘ خلال الفترة الماضية، معظمهن في ولاية الخرطوم ووسط البلاد ولاجئات في دول الجوار، هؤلاء الأطفال يحصلون على الرعاية اللازمة في مراكز داخل بعض المستشفيات لحين معالجة أوضاعهم". ولفت إلى أن "هناك مئات الأطفال فاقدي السند منهم 350 طفلاً في مخيم العفاض للنازحين من مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور،

التي ارتكبت فيها قوات ’الدعم السريع‘ مجازر قتل فيها آلاف الرجال والنساء". ونوه صالح بأن "وزارة التنمية الاجتماعية تخطط لإنشاء دور لإيواء هؤلاء الأطفال وتدريبهم على مهن أو توجيههم للمسار الأكاديمي، ولا تستعجل الوزارة في كفالتهم من أسر أبدت رغبتها في رعايتهم حتى لا يرتبطوا بها وجدانياً وتحدث لهم هزات نفسية في حال ظهر أحد والديهم أو كليهما". مأساة النزوح على نحو متصل،

أوضح عضو شبكة الحماية بمناطق تجمعات النازحين في بلدة طويلة (تبعد 64 كيلومتراً من الفاشر) أبوبكر الهادي أن "حالات العثور على أطفال حديثى الولادة في الشوارع ومحيط المرافق العامة بمواقع النزوح في المنطقة تزايدت في الآونة الأخيرة، وتولى متطوعون تسليمهم إلى أسر بديلة لرعايتهم". وبين الهادي أن "الفترة بين مارس (آذار) ومايو (أيار) الماضيين، عثر على نحو 12 طفلاً ولدوا بصورة غير شرعية،

كذلك توجد حالات أخرى لم يجر الإبلاغ عنها أو توثيقها". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) واعتبر عضو شبكة الحماية أن "الظاهرة تمثل أزمة إنسانية واجتماعية معقدة لا تقتصر على مناطق تجمعات النازحين وحدها، بل تمتد إلى مدن أخرى متأثرة بالحرب والنزوح". وحذر من "خطر تنامي الظاهرة في ظل الأوضاع الإنسانية المتدهورة وارتفاع معدلات الفقر داخل مناطق النزوح،

وكذلك الضغوط المعيشية والخوف من الوصمة الاجتماعية، وهي أسباب تدفع بعض الأمهات إلى التخلي عن أطفالهن". العنف الجنسي على صعيد ذي صلة، قالت الباحثة الاجتماعية والنفسية تماضر خضر إن "الحرب أسهمت في تزايد أعداد الأطفال الذين يولدون خارج نطاق الزواج،

بسبب العنف الجنسي الممنهج الذي وقع على النساء والفتيات، بخاصة في مناطق النزاع المسلح". ونوهت خضر بأنه "من الضروري رفع الوعي بالأطفال فاقدي السند في ظل زيادة أعدادهم وحمل النساء والفتيات بسبب الانتهاكات الجنسية الجسيمة، مع عدم وجود دور من الدولة لاحتوائهم في الوقت الحالي في ظل انشغالها بالحرب المستمرة".

وطالبت الباحثة الاجتماعية بضرورة تفعيل برامج متكاملة تشمل محاربة عملية الإنجاب خارج منظومة الزواج، أو معالجة التفكك الأسري الذي يعتبر من أكبر مهددات المجتمعات، مشددة على أن "السكوت على الحمل حتى الإنجاب يترتب عليه تصاعد معدلات الأطفال غير الشرعيين". وتابعت "إغلاق دار المايقوما التي تستقبل عشرات الأطفال بصورة يومية في العاصمة الخرطوم يتطلب توفير بدائل،

ومن الأفضل أن يكون عبر التبني بواسطة الأسر المقتدرة حتى تسهم في تقديم الدعم وما يحتاج إليه الطفل منذ نشأته الأولى. فوجود بدائل فعالة يؤدي إلى الحد من تعرضهم لأخطار جمة، بخاصة حديثي الولادة الذين يتركون في الطرقات العامة، إلى جانب انخفاض معدلات الوفيات التي تحدث وسط الأطفال في كثير من الأحيان بسبب الإهمال".