عادت المواجهات المسلحة إلى إقليم تيغراي في تطور ينذر بانتكاسة خطرة لاتفاق بريتوريا الذي أنهى الحرب الإثيوبية بين عامي 2020 و2022، وذلك بعد أشهر من تصاعد التوتر بين "جبهة تحرير شعب تيغراي" والحكومة الفيدرالية، وتنامي الاتهامات المتبادلة في شأن التجنيد والتعبئة والاستعداد العسكري. واندلعت الاشتباكات مرة أخرى في مطلع أغسطس (آب) الجاري،
قبل أن تتسع رقعتها إلى مناطق قريبة من الحدود السودانية، حيث استخدمت الأسلحة الثقيلة والطائرات المسيّرة، وسط تبادل للاتهامات في شأن الطرف الذي بدأ الهجوم. وبينما اتهمت تيغراي القوات الفيدرالية بشن عملية عسكرية واسعة ضد مواقعها،
قالت أديس أبابا إن مقاتلين من الجبهة هاجموا قواتها انطلاقاً من الأراضي السودانية، متهمة إياهم بتلقي دعم إريتري. ولم يتوقف أثر التصعيد عند حدود المعركة، فقد امتد القصف إلى محيط مخيمات اللاجئين الإثيوبيين في ولاية القضارف شرق السودان،
وسقطت مقذوفات داخل مناطق مأهولة، مما دفع مئات من أبناء تيغراي إلى الفرار من مناطق القتال والعبور إلى داخل السودان، في موجة لجوء أعادت إلى الواجهة تداعيات الحرب السابقة. كذلك دفعت المواجهات سكاناً في القرى الحدودية إلى مغادرة منازلهم،
تزامناً مع تعزيز الجيش السوداني انتشاره على الشريط الحدودي تحسباً لتدهور أوسع. ويأتي ذلك في وقت تتبادل فيه الخرطوم وأديس أبابا اتهامات متزايدة في شأن إيواء جماعات مسلحة ودعمها واستخدام أراضي كل دولة منطلقاً لعمليات ضد الأخرى. وتكتسب هذه التطورات خطورتها من أن تيغراي لا تواجه الحكومة الفيدرالية في عزلة، فآبي أحمد يواجه تمردات في أمهرة وأوروميا،
بينما تواصل إريتريا تحركاتها العسكرية على حدود تيغراي. ومع حديث قيادات تيغراي عن بناء تفاهمات مع جماعات مسلحة في أمهرة وقِمَنت وعفار وأوروميا، تتجه الأزمة نحو إعادة تشكيل شبكة التحالفات المسلحة داخل إثيوبيا. وهنا يتجاوز السودان موقع الجار المتأثر بالحرب إلى طرف يقع في قلب تداعياتها الأمنية،
فاستمرار القتال قرب حدوده، وتداخل خطوط الإمداد والحركة مع الحرب السودانية، وتنامي الاتهامات المتبادلة بين الخرطوم وأديس أبابا، قد يدفع الشريط الحدودي السوداني - الإثيوبي إلى التحول من منطقة تماس إلى مسرح إضافي للصراع،
بما يفتح الباب أمام تداخل متزايد بين الحرب في السودان والصراع الإثيوبي والتوترات مع إريتريا. تتواصل التعبئة العسكرية وتتعاظم الشكوك بين أديس أبابا وقيادة تيغراي (أ ف ب) جبهة مفتوحة لم تكن حرب تيغراي انفجاراً مفاجئاً، بل حصيلة تراكم طويل لاختلالات السلطة في الدولة الإثيوبية. فمنذ سقوط نظام منغستو عام 1991 فرضت "جبهة تحرير شعب تيغراي" نفوذاً واسعاً على مؤسسات الدولة عبر ائتلاف سياسي قادته عقوداً،
مستفيدة من تفوقها التنظيمي والعسكري، ومن إرث الحرب مع إريتريا بين 1998 و2000. غير أن صعود آبي أحمد إلى رئاسة الحكومة عام 2018، مدفوعاً باحتجاجات أوروميا،
أعاد توزيع موازين القوة، وفتح صراعاً تدريجاً بين المركز وتيغراي حول طبيعة الدولة وحدود السلطة الفيدرالية. بلغ التوتر نقطة الانفجار عام 2020، عندما أجلت الحكومة الانتخابات الوطنية،
فيما مضت تيغراي في إجراء انتخابات إقليمية تحدياً لأديس أبابا. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته، اتهم آبي أحمد قوات تيغراي بمهاجمة قاعدة للجيش الفيدرالي، فأطلق عملية عسكرية واسعة مدعومة بقوات أمهرا وإريتريا.
وسرعان ما تحولت العملية من حملة لإخضاع القيادة التيغراوية إلى حرب استنزاف مفتوحة، تخللتها انتهاكات واسعة وقطع للاتصالات والمساعدات، قبل أن تستعيد قوات تيغراي عاصمة الإقليم ميكيلي في يونيو (حزيران) 2021 وتنتقل إلى الهجوم جنوباً، متحالفة مع قوى أورومية.
ومع اقتراب قوات تيغراي وحلفائها من أديس أبابا أواخر عام 2021، استعادت القوات الفيدرالية زمام المبادرة، فتحول ميزان الحرب مجدداً لمصلحة الحكومة. وبعد جولات من القتال والمفاوضات،
وقع الطرفان اتفاق بريتوريا في نوفمبر 2022، الذي نص على وقف الأعمال العدائية ونزع سلاح قوات تيغراي وإعادة السلطة الفيدرالية. لكن الاتفاق أنهى الحرب المفتوحة ولم يحسم أسبابها، فقد بقيت قضايا الأراضي،
ووجود القوات الإريترية والأمهرا، وعودة النازحين، وترتيبات الحكم والأمن من دون تسوية كاملة. وفي ظل استمرار التمرد في أمهرة وأوروميا وتصاعد التوتر الإثيوبي - الإريتري،
ظلت تيغراي الحلقة الأضعف في منظومة الأمن الإثيوبية، قبل أن تعود الانقسامات الداخلية والتعبئة العسكرية إلى الواجهة، مهددة بإعادة فتح جبهة أغلقت عسكرياً من دون أن تغلق سياسياً. عوامل مترابطة يمكن تفسير عودة الحرب في تيغراي من خلال خمسة عوامل مترابطة.
أولاً، اتفاق بريتوريا أوقف الحرب ولم يحسم الصراع، فقد عالج الاتفاق الجانب العسكري أكثر مما عالج جذور النزاع السياسي، وبقيت قضايا الأرض والسلطة والأمن معلقة،
خصوصاً وضع غرب تيغراي، إلى جانب استمرار نزوح مئات الآلاف وتعثر عودتهم. كذلك لم يستكمل نزع سلاح قوات دفاع تيغراي وإعادة دمجها، في وقت بقيت فيه قوات أمهرا وإريتريا في مناطق متنازع عليها.
ومع غياب ترتيبات أمنية وسياسية نهائية، تآكلت الثقة بين تيغراي وأديس أبابا، وتحول السلام تدريجاً إلى هدنة هشة قابلة للانهيار عند أول اختبار عسكري. ثانياً،
الصراع على السلطة داخل تيغراي، لم يعد الخلاف مقتصراً على العلاقة مع الحكومة الفيدرالية، إذ انقسمت النخبة التيغراوية حول إدارة الإقليم، ومستقبل "جبهة تحرير شعب تيغراي"،
وطريقة التعامل مع اتفاق بريتوريا. وأضعفت هذه الانقسامات وحدة القرار السياسي والأمني، ودفعت أطرافاً داخلية إلى إعادة بناء مواقع نفوذها، بما في ذلك عبر أدوات التعبئة العسكرية.
اتفاق بريتوريا أنهى الحرب المفتوحة ولم يحسم أسبابها، فقد بقيت قضايا الأراضي ووجود القوات الإريترية والأمهرا وترتيبات الحكم والأمن من دون تسوية كاملة (أ ف ب) ثالثاً، لم تغلق الحرب السابقة جميع خطوط المواجهة، فالتوتر بين أسمرة وأديس أبابا،
والمخاوف المتبادلة في شأن نيات الطرفين، يجعلان تيغراي منطقة عازلة ومسرحاً محتملاً لصراع غير مباشر. وأي تحرك عسكري واسع داخل الإقليم يمكن أن يعيد إدخال إريتريا إلى المعادلة، سواء بصورة مباشرة أو عبر دعم أطراف محلية.
رابعاً، السودان، وهو العامل الأكثر حساسية، فقد أدخلت الحرب السودانية بيئة عسكرية جديدة إلى جوار تيغراي،
وفتح أمام الصراع مسارات جديدة للتصعيد، فالحدود الطويلة والتداخل القبلي وحركة اللاجئين والمقاتلين والاتهامات المتبادلة بين الخرطوم وأديس أبابا في شأن الدعم العسكري واستخدام أراضي كل دولة، جعلت الحدود أكثر قابلية للاختراق. ومع وجود جماعات مرتبطة بتيغراي في البيئة السودانية،
تخشى أديس أبابا تحول الأراضي السودانية إلى عمق عملياتي في أي حرب جديدة، بينما يخشى السودان أن تنتقل المعارك إلى أراضيه ومخيمات اللاجئين، وهنا يصبح القتال في غرب تيغراي مرتبطاً مباشرة بأمن القضارف والحدود الشرقية للسودان. خامساً،
تعدد جبهات الصراع داخل إثيوبيا، إذ إن استمرار التمرد في أمهرة وأوروميا يستهلك قدرات الحكومة الفيدرالية، ويجعل توزيع القوات والموارد أكثر تعقيداً، بينما يتيح لخصومها بناء تحالفات متقاطعة.
لذلك، فإن عودة القتال في تيغراي قد لا تعيد الحرب السابقة بصورتها نفسها، بل قد تبدأ كاشتباك محدود ثم تتوسع عبر التحالفات والحدود، لتصبح جزءاً من صراع أوسع يمتد من شمال إثيوبيا إلى السودان وإريتريا.
احتكاك بين حربين يمثل توغل قوات تيغراي قرب شيرارينا غرب الإقليم، وفق الرواية الإثيوبية، انتقالاً من التوتر السياسي إلى اختبار عسكري مباشر للترتيبات التي نشأت بعد اتفاق بريتوريا. وتقول أديس أبابا إن قوات موالية لـ"جبهة تحرير شعب تيغراي"،
بينها عناصر من "الجيش 70" الموجودة في السودان، انطلقت من الأراضي السودانية، وهو اتهام يربط بين التطورات في تيغراي والحرب السودانية. ومن الناحية العملياتية،
فإن وجود قوة تيغراوية مسلحة في البيئة الحدودية السودانية يظل عاملاً مهماً، ليس بالضرورة بوصفه دليلاً على تحالف عسكري رسمي، وإنما لأنه يوفر، في حال اتساع الحرب،
مجالاً للحركة وإعادة التجميع والإمداد بعيداً من العمق الإثيوبي. وهنا تكمن القيمة الاستخباراتية للحدود، فهي لم تعد مجرد خط فاصل، بل مساحة يمكن أن تتقاطع فيها شبكات المقاتلين واللاجئين والطرق اللوجستية مع الحرب السودانية.
أما "جبهة تحرير شعب تيغراي" فتطرح رواية مغايرة، إذ ترفض تحميلها مسؤولية إشعال الحرب، وتربط التصعيد بالحشود والتحركات العسكرية الفيدرالية وبالضغوط المتزايدة على الإقليم. ووفق هذا المنظور،
فإن تصوير الحدود السودانية على أنها مصدر التهديد قد يستخدم لتوفير غطاء سياسي وعسكري لإعادة ترتيب الانتشار الفيدرالي داخل تيغراي. وتكتسب التطورات الأخيرة أهمية إضافية مع ورود تقارير عن اتصالات بين شخصيات تيغراوية وإريترية، وحشد قوات تيغراوية في محاور عدة. وإذا صحت هذه المعطيات،
فإن المسألة تتجاوز مواجهة محلية إلى إعادة تشكيل لشبكة التحالفات في شمال إثيوبيا. أما السودان فمصلحته الأساسية تكمن في منع انتقال الحرب الإثيوبية إلى أراضيه، خصوصاً مع وجود لاجئين تيغراويين ومجتمعات حدودية متداخلة، ولذ لك فإن الخطر هو ليس إثبات مسؤولية طرف بعينه،
بل تحول الحدود إلى مساحة احتكاك بين حربين، بحيث يصبح أي تصعيد في تيغراي قابلاً للامتداد إلى السودان، وأي تطور في الحرب السودانية قابلاً لإعادة التأثير في الحسابات العسكرية الإثيوبية. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) سيناريوهات محتملة لا تبدو عودة الحرب الشاملة في تيغراي السيناريو الأكثر ترجيحاً على المدى القصير،
لكن البيئة الحالية تقترب من انسداد أمني قابل للانفجار، فاتفاق بريتوريا لم يتحول إلى تسوية سياسية، والملفات التي أشعلت الحرب السابقة لا تزال مفتوحة، فيما تتواصل التعبئة العسكرية وتتعاظم الشكوك بين أديس أبابا وقيادة تيغراي،
لذلك يرجح أن يبدأ المسار المقبل باشتباكات محدودة واختبارات متبادلة للقوة، قبل أن يتحدد اتجاه الأزمة وفق ردود أفعال الأطراف. السيناريو الأول، وهو الأرجح،
استمرار الاشتباكات الموضعية والتعبئة المتقطعة وحرب ضغط سياسي واستخباراتي، من دون انزلاق سريع إلى حرب شاملة. وقد يساعد موسم الأمطار حتى أكتوبر (تشرين الأول) المقبل في إبطاء العمليات البرية الثقيلة، فيما تظل الوساطة الأفريقية والدولية وقنوات الاتصال أدوات احتواء ممكنة.
والسيناريو الثاني، انتقال الاشتباكات من غرب تيغراي إلى محاور أخرى، تزامناً مع إعادة تعبئة قوات تيغراي واستدعاء شبكات حلفائها، أو دخول إريتريا بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
عندها ستواجه الحكومة الفيدرالية معضلة استراتيجية، فتح جبهة جديدة بينما لا تزال تقاتل في أمهرة وأوروميا، وهو ما قد يحول التفوق العسكري إلى عبء استنزاف طويل. أما السيناريو الثالث،
والأخطر إقليمياً، فهو ارتباط جبهة تيغراي بالحرب السودانية، فانتقال مقاتلين أو أسلحة عبر الحدود، أو سقوط قذائف داخل الأراضي السودانية،
أو توجيه ضربات عبر الحدود، قد تحول الشريط الحدودي إلى مسرح عمليات مشترك. وفي هذه الحال يصبح السودان ليس خلفية للصراع، بل جزءاً من معادلة الحرب،
مع احتمال تداخلها مع الحسابات الإثيوبية -الإريترية وأمن البحر الأحمر. وتكمن نقطة التحول الحقيقية في سلوك الأطراف، فإذا استؤنفت الوساطة، من الممكن احتواء التصعيد،
أما ظهور جبهة ثانية واتساع اللجوء إلى السودان، أو انتقال العمليات إلى الأراضي السودانية، فستكون مؤشرات إلى أن تيغراي بدأت تخرج من نطاق الحرب المحلية. والخطر الاستراتيجي هنا أن عودة الحرب لن تبدأ بالضرورة بقرار معلن،
فقد تنشأ تدريجياً من سلسلة أخطاء في الحساب وردود فعل متبادلة وحسابات حلفاء محليين، إلى أن يجد الجميع أنفسهم أمام حرب جديدة.