بقلم/ محمد الشيخ انتهت، أو تكاد تنتهي، موجة الحملة الإعلامية المضللة التي أثارت جدلاً واسعاً حول حادثة المعدنين بعدما حاولت أطرافٌ توظيف الحادثة لإشعال موجة من الغضب والتأثير في الرأي العام،

في مسعى اعتبره مراقبون محاولة لضرب العلاقات التاريخية بين السودان ومصر، واستهداف شعبي البلدين الموجودين في مصر والسودان . من خلال ربط الحادثة بالمواقف السياسية، ومحاولة تحويل الغضب الشعبي إلى أداة للضغط السياسي والإعلامي.

غير أن نجاح مثل هذه الحملات لا يُقاس بحجم الضجيج الذي تحدثه في منصات التواصل الاجتماعي، بل بمدى قدرتها على إحداث تأثير حقيقي ومستدام في مواقف الرأي العام. ومنذ اللحظات الأولى لتصاعد الحملة، بدا واضحاً أن القضية تجاوزت حدود تناول حادثة بعينها،

لتتحول إلى سجال إعلامي وسياسي اتسم في بعض جوانبه بالتضخيم والتوظيف، بعد اكتشاف ووجود تنسيق بين منصات غرف صمود والجنجويد، وأخرى إثيوبية، بدعم إماراتي،

بهدف استثمار الحدث في تحقيق أجندات سياسية تتجاوز ملابساته المباشرة. تتحول مثل هذه الحوادث إلى مدخل لمحاولات التأثير في مسارها، عبر خطاب إعلامي يركز على إثارة المشاعر وتوسيع دائرة الاتهامات، بدلاً من انتظار المعلومات الموثقة والتعامل مع الوقائع بمسؤولية.

لقد كشفت هذه الأزمة أهمية تواجد الإعلام المهني، ودور المؤسسات الإعلامية الرسمية والأقلام المنضبطة في التعامل مع الأحداث الحساسة. لقد قدمت هذه الواقعة درساً مهماً لكل من انساق خلف هذه الحملة ومن تعامل مع الأحداث من خلال الانفعال وحده، أو أعاد نشر روايات لم يتحقق من مصادرها،

أو انخرط في حملات واسعة دون إدراك للسياق السياسي والإعلامي المحيط بها. ففي عصر تتسارع فيه المعلومات، لم يعد نشر الخبر وحده كافياً، بل أصبحت المسؤولية تقتضي التحقق من مصدره،

ومقارنة الروايات، والتمييز بين المعلومة المؤكدة والاستنتاج، وبين التعاطف الإنساني المشروع ومحاولات توجيه المشاعر لتحقيق مكاسب سياسية. كما أن المؤسسات الإعلامية الرسمية المتخصصة في مجابهة هذه الغرف مطالبة بتطوير أدوات الرصد والتحليل،

والتعامل السريع مع الشائعات، وتقديم المعلومات الموثقة للرأي العام، بدلاً من ترك المجال مفتوحاً أمام الروايات المتضاربة.