في تطور سياسي ودستوري يُنظر إليه بوصفه أحد أبرز الاستحقاقات المؤجلة لاتفاق جوبا للسلام الموقع عام 2020، أجاز مجلس الوزراء السوداني مشروع قانون نظام الحكم الإقليمي لدارفور لعام 2026، في خطوة تعيد إلى واجهة المشهد السوداني ملف الترتيبات المؤسسية الخاصة بالإقليم الذي ظل لعقود محوراً للصراعات السياسية والأمنية وقضايا تقاسم السلطة والثروة. وجاءت إجازة المشروع خلال الاجتماع الدوري للمجلس برئاسة رئيس الوزراء كامل إدريس،

وسط تأكيدات رسمية بأن القانون يمثل محطة مهمة في مسار تنفيذ الالتزامات الواردة في اتفاق السلام وتعزيز أسس الحكم اللامركزي في البلاد. وتكتسب هذه الخطوة أهمية استثنائية بالنظر إلى السياق الوطني المعقد الذي يمر به السودان، حيث تتزامن مع استمرار الأزمة الأمنية والعسكرية التي ألقت بظلالها على مؤسسات الدولة ومستقبل العملية السياسية برمتها. وفي هذا الإطار،

شدد رئيس الوزراء على ضرورة ترسيخ قيم الوحدة الوطنية والاندماج المجتمعي بين مختلف مكونات الشعب السوداني، مؤكداً أن دارفور تظل جزءاً أصيلاً من الدولة السودانية وأن استقرار الإقليم واستعادته يمثلان هدفاً وطنياً جامعاً، كما حظي القرار بترحيب حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، الذي اعتبر إجازة القانون تتويجاً لأعوام طويلة من النقاش والجهود الرامية إلى إقرار الإطار التشريعي المنظم للحكم الإقليمي.

غير أن القرار، رغم أهميته السياسية، أثار في الوقت ذاته جملة من التساؤلات القانونية والدستورية بشأن مشروعيته وتوقيته وآليات تنفيذه في ظل الأوضاع الاستثنائية التي يشهدها السودان، ومن ثم،

يبرز هذا التطور بوصفه نقطة مفصلية تستدعي النظر في أبعاده القانونية والسياسية، وانعكاساته المحتملة على بنية الدولة السودانية ومستقبل التوازن بين متطلبات السلام ووحدة النظام الدستوري في المرحلة المقبلة. مسار طويل يمثل قانون نظام الحكم الإقليمي لدارفور امتداداً لمسار طويل من التجارب السودانية في إدارة التنوع الجغرافي والإثني عبر صيغ مختلفة من اللامركزية والحكم المحلي، فمنذ قانون الحكم المحلي لعام 1971 في عهد الرئيس الأسبق جعفر النميري،

مروراً بقوانين الحكم الإقليمي لعام 1980 التي أنشأت الأقاليم الخمسة الكبرى، وصولاً إلى النظام الفيدرالي الذي أقره دستور 1998 ورسخته تعديلات لاحقة في عهد الرئيس السابق عمر البشير، ظل الهدف المعلن هو تقريب السلطة من المواطنين وتحقيق تنمية أكثر توازناً، غير أن هذه التجارب واجهت عقبات بنيوية تمثلت في هيمنة المركز على الموارد والقرار السياسي،

مما أفرغ كثيراً من ترتيبات اللامركزية من مضمونها العملي، وحوّل الوحدات المحلية إلى مستويات إدارية أكثر منها مستويات حكم ذات صلاحيات حقيقية. في هذا السياق جاء اتفاق جوبا للسلام عام 2020 بوصفه محاولة لإعادة هندسة العلاقة بين المركز والأقاليم المتأثرة بالحروب، وعلى رأسها دارفور،

وقد وقعت الاتفاق حركات "الجبهة الثورية السودانية"، بما فيها "حركة تحرير السودان" بقيادة مني أركو مناوي و"حركة العدل والمساواة" بقيادة جبريل إبراهيم، بينما بقيت خارج الاتفاق "الحركة الشعبية لتحرير السودان- شمال" بقيادة عبدالعزيز الحلو، و"حركة تحرير السودان" بقيادة عبدالواحد محمد نور،

مما أبقى جزءاً مهماً من الفاعلين المسلحين خارج الترتيبات الجديدة. ومن منظور مؤسسي، لا ينشئ القانون مجرد وحدة إدارية جديدة، بل يسعى إلى بناء مستوى وسيط للحكم بين السلطة الاتحادية والولايات،

بحيث يتولى تنسيق السياسات العامة وإدارة الموارد والتنمية وإعادة الإعمار وملفات النازحين واللاجئين وتنفيذ اتفاق السلام، كما ينظم العلاقة الرأسية بين حاكم الإقليم والولاة والمحليات، ويمنح حكومة الإقليم صلاحيات تنفيذية واسعة في التخطيط الاقتصادي والخدمات والتنسيق الأمني والإداري. يمثل القانون امتداداً لمسار طويل من التجارب السودانية (غيتي) لكن القيمة الحقيقية للقانون لا تكمن في نصوصه فحسب،

وإنما في قابليته للتنفيذ، فالقانون أُجيز للمرة الأولى خلال الفترة الانتقالية عام 2021 قبل أن يتعثر بسبب الإجراءات التي فرضها رئيس مجلس السيادة الفريق عبدالفتاح البرهان في الـ25 من أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، ثم عاد إلى الواجهة في ظل هذه الحرب. ورغم تمدد "الدعم السريع" في معظم ولايات دارفور،

فإن القوات المسلحة تواصل معاركها لاستعادة المناطق وحماية المدنيين، ولذلك فإن التحدي الجوهري لا يتعلق بتوزيع الاختصاصات القانونية بقدر ما يتعلق ببسطها فعلياً، ومن ثم فإن نجاح القانون سيقاس بقدرته على تحويل دارفور من ساحة لتنافس مراكز القوة المسلحة إلى فضاء مؤسسي للحكم التعاوني وتقاسم السلطة والموارد، وهو التحدي الذي أخفقت فيه معظم تجارب اللامركزية السودانية خلال العقود الماضية.

ترسيخ الحضور  اعتبر العميد ركن معاش عماد الدين صالح حسن أن قراءة القانون تقتضي وضعه ضمن سياقه الدستوري والمؤسسي الأوسع، بعيداً من التعامل معه بوصفه إجراء إدارياً معزولاً، وأوضح أن إجازة المشروع بواسطة مجلس الوزراء لا تمثل خروجاً على الأصول الدستورية بقدر ما تعكس تكيفاً مع واقع مؤسسي استثنائي يتمثل في غياب المجلس التشريعي الانتقالي، مشيراً إلى أن الخطوة تستند إلى مرجعيات قانونية وسياسية سابقة،

في مقدمها اتفاق جوبا للسلام والمرسوم الدستوري رقم (6) لعام 2021 الخاص بالعودة إلى نظام الحكم الإقليمي. وأورد حسن أن الآلية المعتمدة لإقرار التشريعات في هذه المرحلة تقوم على إجازة المشروع من السلطة التنفيذية تمهيداً لعرضه على الاجتماع المشترك مع مجلس السيادة لاستكمال إجراءات المصادقة النهائية، ويرى أن هذه العملية تمنح حكومة إقليم دارفور إطاراً قانونياً أكثر وضوحاً لممارسة اختصاصاتها، وتوفر أساساً مؤسسياً لتنظيم إدارة الموارد العامة والملفات الخدمية والأمنية والتنسيق مع أجهزة الدولة المركزية.

اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وذكر أنه بالنظر إلى القانون باعتباره أداة لتعزيز وحدة الدولة وترسيخ حضورها المؤسسي في الإقليم، فإن إضفاء سند تشريعي على هياكل الحكم الإقليمي يسهم في إعادة بناء القدرة الإدارية للدولة في المناطق المتأثرة بالنزاع، ويحد من الفراغات المؤسسية التي غالباً ما تستغلها القوى المسلحة والفاعلون غير الرسميين، كما أن تثبيت العلاقة القانونية بين الإقليم والمركز عبر تشريع قومي يعزز استمرارية الدولة وسيادتها ويهيئ أرضية أكثر استقراراً لبرامج إعادة الإعمار واستعادة الخدمات العامة.

ويذهب آخرون إلى أن القانون يمثل خطوة ضرورية نحو حوكمة متعددة المستويات أكثر فاعلية، إذ يتيح نقل بعض صلاحيات الإدارة والتنفيذ إلى المستوى الإقليمي مع الإبقاء على المرجعية السيادية للدولة، بما يحقق قدراً أكبر من الاستجابة للاحتياجات المحلية ويعزز مشاركة المجتمعات في إدارة شؤونها ضمن إطار وطني موحد.  تحديات قائمة قال القانوني عصام كرار إن الجدل الدائر حول قانون نظام الحكم الإقليمي لدارفور لا يتعلق بمسألة إدارية أو تنظيمية فحسب، بل يمس بصورة مباشرة طبيعة الدولة السودانية وتوازناتها الدستورية شديدة التعقيد منذ الفترة الانتقالية،

وتفاقمها خلال الحرب. وأوضح كرار أن مؤيدي القانون ينظرون إليه باعتباره استحقاقاً سياسياً وقانونياً نابعاً من اتفاقات السلام الهادفة إلى معالجة اختلالات تاريخية في توزيع السلطة والموارد، بينما يرى المتحفظون أن نجاحه أو إخفاقه سيعتمد على طبيعة الضوابط الدستورية والمؤسسية المصاحبة له. وأشار القانوني إلى أن أبرز الهواجس المطروحة تتصل بإمكانية اتساع الفجوة بين المركز والإقليم في ظل أوضاع أمنية هشة وتراجع قدرة الدولة على بسط سلطتها بصورة متجانسة.

وبحسب كرار يرى أصحاب هذا الاتجاه أن منح سلطات واسعة لحكومة إقليمية في بيئة لا تزال تشهد نزاعات مسلحة واستقطابات اجتماعية قد يؤدي إلى نشوء مراكز قوة متوازية، أو إلى تصاعد التنافس حول الموارد العامة والتمثيل السياسي، بما يهدد بتحويل الفيدرالية من أداة لإدارة التنوع إلى ساحة جديدة للصراع حول النفوذ والشرعية. وأورد كرار أن ثمة مخاوف أخرى تتعلق بإعادة إنتاج الانقسامات المناطقية والإثنية إذا لم تصمم مؤسسات الحكم الإقليمي وفق معايير الشمول والتمثيل العادل والرقابة المتبادلة،

فالتجارب المقارنة تشير إلى أن اللامركزية لا تحقق أهدافها تلقائياً، وإنما تتوقف فعاليتها على وجود مؤسسات قادرة على التنسيق بين المستويات المختلفة للحكم وعلى ضمان وحدة النظام القانوني للدولة. مخاوف تتعلق بإعادة إنتاج الانقسامات المناطقية والإثنية (غيتي) وأضاف المتحدث أن متطلبات العبور الآمن نحو الاستقرار تقتضي بناء آليات واضحة لتوزيع الاختصاصات، وتعزيز الرقابة المالية والدستورية،

وربط السلطات الإقليمية بمنظومة وطنية متماسكة للمساءلة، وفي تقديره، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في مبدأ الحكم الإقليمي ذاته، بل في قدرة الدولة على تحويله إلى إطار للتكامل الوطني يعالج جذور النزاع ويعزز السلام،

من دون أن يفضي إلى إضعاف المركز أو خلق ترتيبات سياسية متنافسة داخل البنية الدستورية السودانية. شروط نجاح القانون قانون نظام الحكم الإقليمي لدارفور، لا يمكن تقييمه فقط من خلال حجم السلطات التي يمنحها للإقليم، بل من خلال الكيفية التي يعيد بها تنظيم العلاقة بين المركز والمجتمع المحلي ومؤسسات الحكم الوسيطة،

وعند خروج دارفور من دوامة الحرب، فإن الاستقرار لا ينتج عن تركيز السلطة أو تفويضها بصورة مطلقة، وإنما عن بناء ترتيبات مؤسسية تسمح بتقاسم السلطة والمسؤولية في آن واحد. ومن هذا المنظور،

قد يسهم القانون في تحويل الصراع من ساحة التنافس العسكري إلى فضاء التفاوض المؤسسي، مع الحركات المسلحة بعد إلحاقها باتفاق السلام، كما أن توحيد الإدارة الإقليمية يمكن أن يعزز القدرة على تنسيق السياسات العامة ومعالجة التفاوتات التنموية التي شكلت أحد جذور الأزمة في دارفور. غير أن قدرة القانون على صون دارفور من الانقسام لن تتوقف على نصوصه وحدها،

بل على طبيعة الشبكة المؤسسية التي سينشئها، فإذا تحولت المؤسسات الإقليمية إلى منصات للتعاون بين المكونات المحلية والدولة القومية، فإن القانون قد يصبح إطاراً لترسيخ الوحدة عبر الاعتراف بالتنوع، أما إذا فُهم بوصفه إعادة توزيع للسلطة بمعزل عن آليات المساءلة والتنسيق الوطني،

فقد يفتح المجال أمام تنافسات جديدة حول الموارد والتمثيل السياسي. لذلك يبدو أن نجاح القانون مرهون بشرطين متلازمين، أولهما ربط تطبيقه بمسار دستوري قومي أوسع، يتوج بمؤتمر شامل لنظام الحكم يحدد بصورة توافقية العلاقة بين المركز والأقاليم،

وثانيهما الإبقاء على مركزية القرار العسكري والأمني تحت قيادة القوات المسلحة السودانية، بما يمنع تعدد مراكز القوة المسلحة ويحافظ على وحدة السيادة، وفي هذه الحالة قد يصبح القانون أداة لإدارة التنوع داخل الدولة، لا خطوة في اتجاه تفكيكها.