تحولت الحرب في السودان إلى انتهاكات متجذرة على أجساد النساء والفتيات بعد تعرضهن للعنف الجنسي، بما في ذلك الحمل القسري بوصفه أشد أنواع الانتهاكات قسوة وتعقيداً، إذ لا يقتصر على كونه انتهاكاً مباشراً فقط، بل يتجدد أثره النفسي والاجتماعي المتمثل في الوصمة الاجتماعية،
والصعوبات الصحية المتعلقة بحمل وولادة أطفال أبرياء مع احتمال تعرض الأم والطفل إلى النبذ، في ظل هشاشة الأنظمة القانونية والاقتصاص وردع الجناة لتضاعف وتعزز من الاستمرار المنهجي لهذه الانتهاكات. وأشارت منظمة العفو الدولية إى أنها استطاعت التوصل إلى نحو 250 امرأة تعرضن للاغتصاب والحمل في سياق النزاع الدائر في دارفور، خصوصاً بعد سقوط مدينة الفاشر عاصمة شمال دارفور في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي،
مؤكدة أن هذه الحصيلة ما هي إلا جزء بسيط من آلاف الاعتداءات التي وقعت في هذا الإقليم، وذلك بسبب أخذ هذه الشهادات من نساء وفتيات هجروا مناطقهم، غير أن الانتهاكات الجنسية تتصاعد في ظل استمرار الصراع العسكري، مما يمثل بيئة خصبة لتتفاقم تداعياته.
وجراء هذه الأوضاع تظل قضية الحمل القسري ترافق النساء على امتداد تاريخ الحروب في السودان، وتزداد مأساته بسبب ما تواجهه المرأة من آثار نفسية واجتماعية وصحية في ظل التطورات السياسية الحالية وتحولات رقعة الحرب والعنف. عنف ممنهج في إحدى مخيمات النازحين الواقعة في غرب دارفور، قالت النازحة مريم إسحاق إن "الحرب قست كثيراً على النساء والفتيات وكن عرضة للعنف الجنسي الممنهج بكل أنواعه،
إذ كنت واحدة من اللاتي تعرضن للاغتصاب، وذلك حينما خرجت لجمع الحطب برفقة مجموعة من النازحات من منطقة لا تبعد من المعسكر كثيراً، وفي لحظة غادرة تمت محاصرتنا من جنود ينتمون إلى ’الدعم السريع‘، إذ تمكن بعضهن من الفرار والنجاة،
ووقعت آخريات فريسة لهم". وأضافت إسحاق "اختفينا أيام عدة، إذ جرى احتجازنا في مبنى مهجور خلالها تعرضنا للاغتصاب بصورة متكررة، وحاولنا الفرار مراراً لكننا فشلنا بسبب الحراسة المشددة مع استرجاعنا تحت تهديد السلاح،
إلا أن إحدانا تمكنت من الهرب، وأبلغت عن مكاننا، وعند شعورهم بالخطر تركونا بعد أن تجرعنا الذل والاحتقار نتيجة ممارسة الاغتصاب بأبشع الطرق". وتابعت إسحاق "المؤسف بعد مرور شهر على وقوع الحادثة تبين أني حامل،
ولا أدري كيف أتعامل مع هذا الحمل غير المرغوب فيه وكثيراً ما أفكر في الإجهاض بأية وسيلة من دون تدخل طبي للتخلص من الوصمة التي ستظل تلاحقني مدى حياتي، بخاصة إذا ما أنجبت". أوضاع النساء أثناء الحرب قاسية ومعقدة للغاية (أ ف ب) ولفتت النازحة إلى أن "النساء في سياق الحرب وتمدد رقعته يعانين تمادي الأطراف المتنازعة في ممارسة العنف الجنسي، وفي ظل هذا الواقع المؤلم من ينصفنا،
ويلقي القبض على مرتكبي هذه الجرائم الذين عادة ما يفلتون من العقاب، لا سيما أن الأقبح في الأمر غالباً ما ينتهي الاغتصاب بالحمل وولادة طفل مرفوض مجتمعياً ليتم تركه في الشارع العام خوفاً من العار". استغلال جنسي بينما تقول مروة عبدالجليل، وهي فتاة تبلغ من العمر 18 سنة،
إن "هشاشة الأوضاع الاقتصادية التي عشتها منذ اندلاع الحرب بعد أن فقدت والدي الذي كان يوفر لنا الحماية جراء القصف العشوائي، أجبرني ذلك الاندفاع وراء الاستغلال الجنسي حتى أتمكن من توفير لقمة العيش إلى إخواني الصغار، لكن من المؤسف حملت حتى أنجبت طفلة نشأت في الظروف نفسها من دون حماية ومجهولة النسب". وأوضحت عبدالجليل أن قصتها ليست استثنائية،
وإنما "واقع مؤلم تعيشه النساء والفتيات في ممارسة الجنس إما جبراً أو بمحض إرادتهن، إلا أن الأمر ينتهي بالحمل ليضاعف معاناتهن، فضلاً عن معايشتهن صراع نفسي لناحية التخلص من الحمل أو الإنجاب". إذلال واحتقار في السياق،
أشارت الناشطة النسوية اعتماد الرشيد إلى أن "الحمل القسري كان الأبرز في سياسات الحرب التي يتبعها أطراف النزاع، إما بهدف الإذلال، أو إظهار القوة، أو زعزعة المجتمعات وتمزيق النسيج الاجتماعي،
إذ إن كل التقارير المحلية والدولية أكدت أن الحرب أفرزت انتهاكات جنسية، بما فيها الاغتصاب الذي جرى على أوسع نطاق، وكأنها أتت لاحتقار النساء وتحويل أجسادهن إلى واجهة حرب". ولفتت الرشيد إلى أن "الحمل القسري يندرج ضمن الجرائم ضد الإنسانية،
ويكون نتاجاً للاغتصاب والاستعباد الجنسي والإكراه على البقاء أو أية صورة من صور العنف". وأوضحت الناشطة النسوية أن "هذا النوع من الحمل يؤدي إلى احتجاز المرأة وإكراهها على ممارسة الجنس على أسس عرقية للثأر والانتقام وتصفية الحسابات لأية مجموعة من السكان، إذ إن الاستمرار في هذه الأفعال سببه غياب القوانين الرادعة، وإفلات الجناة من المحاسبة،
وحتى حين القبض عليهم يطلق سراحهم في اليوم التالي بفعل الوساطات عبر جهات نافذة، مما يجعل مثل هذه الجرائم راسخة ويحول دون تحقيق العدالة". وواصلت الرشيد قولها إن "غياب التدابير في شأن الحمل القسري كحق اجتماعي وقانوني مشروع للنساء وأطفالهمن ويجعلهن في معاناة نفسية واجتماعية مستمرة، وقاد بعضهن إلى الانتحار بسبب الصدمة وعدم التحمل،
بينما لجأت أخريات إلى أقصر الطرق لإجراء عملية الإجهاض غير منظم إما بالقفز من مكان عالي أو شرب أو إدخال أعشاب عبر فتحة المهبل، وغيرها من الطرق الخطرة، لكنها تظل طي الكتمان بسبب الخوف وفقدان الثقة في تحقيق العدالة". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وأشارت الناشطة النسوية إلى أنه "لا بد من وضع الحلول للحد من هذه الجريمة ووقف الانتهاكات الجنسية مع توفير الحماية الاجتماعية،
إلى جانب رفع الوعي المجتمعي وسط العائلات بأن تتوقف مضاعفة هذه الانتهاكات بوصم ضحاياها، وفتح أبوابها لقبول الناجيات ودمجهن في المجتمع ومساعدتهن لتجاوز محنتهن، وهذا لا يتم إلا عبر الندوات والحوارات عبر جهات تتبنى الدفاع عن قضايا النساء". استهداف مباشر من جهتها،
ترى الاختصاصية الاجتماعية رانيا عبدالعاطي أن "أوضاع النساء أثناء الحرب كانت قاسية ومعقدة للغاية، إذ تعرضن للاستهداف المباشر وجرى اغتصاب آلاف النساء والفتيات في طريق النزوح الفردي أو الجماعي من المدن والقرى التي شهدت إبادة لأهلها". وأضافت عبدالعاطي "معلوم أن رقعة الاغتصاب توسعت لتشمل النساء داخل مراكز الإيواء، إذ لم يكن هناك استثناء في العنف الجنسي،
وظهر داخل رقعة العنف الارتباط الوثيق في إفقار النساء واستغلالهن اقتصادياً في مقابل ممارسة الجنس". واستطردت الاختصاصية الاجتماعية "كثر من النساء والفتيات افترقن عن أسرهن التي كانت تشكل لهن الحماية الاجتماعية والاقتصادية، وواجهن التشرد، مما جعلهن أكثر عرضة للاستغلال الجنسي في سن مبكرة وتحمل تداعياته النفسية الخطرة المتمثلة في الاكتئاب والوصمة،
مما دفعهن إلى الانتحار أو القتل بواسطة أسرهن أو تزويجهن، وكل هذا يكون مصاحباً للحمل القسري، وهو يعتبر نتيجة حتمية للانتهاكات الجنسية، فضلاً عن تعرضهن للأمراض المنقولة جنسياً خصوصاً الإيدز".
وبينت عبدالعاطي أن "الخدمات الصحية والنفسية والاجتماعية في ظل الحرب يصعب تقديمها بالصورة المطلوبة، إذ هناك بعض النساء استطعن الوصول لمقدمي الخدمات بمشقة بعد حدوث الحمل الذي ترفضه المجتمعات السودانية خارج إطار الزواج، وبالتالي تنبذ الضحايا وأطفالهن، وهناك عدد من الحالات المثبتة،
لكن الناجيات يرفضن توثيقها حتى لا ينظر لها كجريمة". كثر من النساء والفتيات افترقن عن أسرهن (أ ف ب) ونوهت الاختصاصية الاجتماعية في ختام حديثها إلى أن "نقص الرعاية الصحية نتيجة انهيار البنى التحتية وهجرة الكوادر الطبية سبب معاناة مضاعفة للنساء اللاتي حملن قسراً، فكثير منهن لم يتلقين العناية الكافية في ظل غياب وسائل منع الحمل، واكتشاف الحمل في مراحل متأخرة،
إلى جانب العلاجات من الأمراض التناسلية، لا سيما أنه في فترة ما قبل الحرب كان يتم تزويد المراكز الصحية بموانع الحمل، إلا أن هذا الدعم توقف بسبب تدهور الأوضاع الأمنية في ظل استمرار الحرب، وفي تقديري يجب أن يكون الإجهاض حق مشروع ومصادق عليه قانونياً".
غياب العدالة على الصعيد نفسه، قال المحامي السوداني ياسر زين العابدين إن "القانون السوداني يعرف الحمل القسري ضمن سياق العقوبة المقررة لهذه الجريمة أثناء النزاعات في بندين رئيسين، الأول في المادة 186 المتعلقة بالجرائم ضد الإنسانية، أي حبس امرأة أو أكثر وإكراههن على ممارسة الجنس،
والبند الثاني يكمن في المادة 188 المتعلقة بجرائم الحرب ضد الأشخاص، فيما يتم احتجاز مجموعة من النساء المشمولين بالحماية واللاتي أكرهن على الحمل بقصد التأثير في التكوين العرقي". وأردف زين العابدين "النصوص القانونية تجرم الحمل القسري في الصراعات المسلحة، لكنها تفتقر إلى التطبيق،
إذ لا توجد محاكمات حقيقية في هذا الاتجاه، ولم توجه منذ اندلاع الحرب وإلى الآن تهمة لمرتكبي جريمة الاغتصاب وغيرها من الجرائم ضد الإنسانية، فالجناة عادة ما يفلتون من العقوبة، بل يحصلون على العفو".
ومضى المحامي في القول "القانون الجنائي لعام 1991 يمنع الإجهاض ويعاقب عليه بالسجن، إلا في أحوال عدة من ضمنها الحمل القسري الناتج من الاغتصاب بشرط ألا يتجاوز الحمل 90 يوماً، إذ كان من الصعب أثناء الصراع الوصول إلى الأجهزة العدلية جراء تعطلها، وكذلك الأمر في المناطق الآمنة،
إذ تشمل تحقيقات دقيقة تخشاها النساء حتى الحصول على استمارة تلقي الخدمة الصحية اللازمة في جرائم الاغتصاب والعنف الجنسي، مما يدفع النساء إلى طرق غير قانونية في عملية الإجهاض".