حذّرت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد من أن أوروبا لا تملك رفاهية البقاء خارج سباق الذكاء الاصطناعي الذي يعيد تشكيل الاقتصاد العالمي. ودعت إلى إزالة المعوقات التي تكبّل توسّع الشركات وتطوير التكنولوجيا، بما يسمح للسوق الموحدة الأوروبية بأن تتحوّل إلى محرك أكثر استدامة للنمو.وخلال نقاش حول آفاق الاقتصاد العالمي، رأت لاغارد أن ثمّة مؤشرات مشجعة على ارتفاع استثمارات الشركات الأوروبية في الذكاء الاصطناعي،
إذ تتوقع شركات منطقة اليورو تخصيص نحو 9% من إجمالي استثماراتها لهذا المجال خلال العام الحالي. لكنها استدركت أن القارة فاتتها إلى حد بعيد مكاسب الثورة الرقمية الأولى، حين ذهب جزء كبير من العوائد التجارية الناتجة عن انتشار تقنيات المعلومات والاتصالات إلى مناطق أخرى من العالم، مضيفة: «لا يمكننا تحمّل تكرار تلك التجربة مع الذكاء الاصطناعي،
الثورة الرقمية الثانية».3 ركائز لنمو أوروبا تتآكلورسمت لاغارد صورة أوسع للتحديات التي تواجه الاقتصاد الأوروبي، مشيرة إلى أن نموذج النمو الذي اعتمدت عليه القارة منذ الحرب العالمية الثانية قام على 3 ركائز مترابطة: توسّع التجارة العالمية، والتصنيع متوسط التكنولوجيا المدعوم بالطاقة الرخيصة، ونظام عالمي مستقر قائم على القواعد تحت المظلة الأمنية الأميركية.
وأضافت أن هذه الركائز تضعف مع تغيّر البيئة الاقتصادية والجيوسياسية، وأن نموذج ما بعد الحرب لن يعود بالشكل نفسه الذي كان عليه.وأوضحت أن أوروبا كانت من أكبر المستفيدين من العولمة ومن أكثر اقتصادات العالم انفتاحاً على التجارة، لكن استمرار توسّع التجارة لم يعد أمراً مضموناً، مشيرةً إلى أن أكثر من 2500 قيد تجاري جديد فرضت عالمياً خلال العام الماضي وحده.
ومع ذلك، لا يزال الاتحاد الأوروبي يمتلك أكبر شبكة اتفاقيات تجارية في العالم، وهي شبكة تتوسع عبر اتفاقيات أو تقدّم محرز مع الهند وإندونيسيا وأستراليا والمكسيك ودول «ميركوسور».الطاقة الرخيصة لم تعد ميزةوتواجه الصناعات الأوروبية متوسطة التكنولوجيا ضغوطاً متزايدة مع صعود الصين في سلم القيمة المضافة. وأشارت لاغارد إلى أن الصين باتت تنافس منطقة اليورو مباشرة في نحو 40% من القطاعات التي تتمتع فيها أوروبا بميزة نسبية،
مقابل نحو 25% في بداية الألفية. كما تراجعت ميزة الطاقة الرخيصة التي اعتمدت عليها الصناعة الأوروبية، ومنها الغاز الروسي؛ إذ كانت أسعار الكهرباء للصناعات كثيفة الاستهلاك في الاتحاد الأوروبي العام الماضي أكثر من ضعفي مستوياتها في الولايات المتحدة، ونحو 50% أعلى من الصين.التوترات الجيوسياسية تضغط على الاستثماروتتعرض الركيزة الثالثة،
المتمثلة في نظام عالمي مستقر قائم على القواعد، لضغوط كبيرة أيضاً. وقالت لاغارد إن التوترات الجيوسياسية جعلت نقاط الاختناق والاعتماد على سلاسل الإمداد أكثر وضوحاً، في وقت تواجه فيه أوروبا تهديدات أمنية متزايدة على حدودها.
وأضافت أن مخاوف المرونة الاقتصادية صارت تدخل مباشرة في قرارات الشركات، خصوصاً عندما يُستخدم الاعتماد الاقتصادي كسلاح أو تضعف الثقة في الردع؛ فالشركات تستثمر أقل متى بدا رأس المال أقل أماناً، وهو ما ينعكس سلباً على الإنتاج والاستهلاك.الطلب المحلي يمنح أوروبا فرصةورغم هذه التحديات، شددت لاغارد على أن أوروبا تمتلك نقاط قوة كبيرة،
أبرزها سوق موحدة تضم 27 دولة و450 مليون مستهلك، وهي الأكبر بين الاقتصادات المتقدمة. وأشارت إلى أن اقتصاد منطقة اليورو نما بنسبة 1.5% العام الماضي مدفوعاً بالكامل بالطلب المحلي، وأنه واصل النمو خلال 2026 رغم صدمة الطاقة،
مع مساهمة إيجابية للطلب المحلي في النمو الفصلي البالغ 0.4% في الربع الثاني من العام. ويتوقع أن يظل هذا الطلب المصدر الرئيسي للنمو في المنطقة خلال العام الحالي، لكن التحدي يتمثل في تحويل المرونة المحلية إلى نمو مستدام طويل الأجل.أوروبا أمام اختبار تجاري للذكاء الاصطناعيوترى لاغارد أن أوروبا تمتلك قاعدة قوية للمنافسة في التكنولوجيا الجديدة؛ إذ تضم نحو 15% من باحثي العالم رغم أن سكان الاتحاد الأوروبي يمثلون نحو 6% من سكان الأرض، وتنتج قرابة خُمس البحوث العلمية الأكثر استشهاداً عالمياً.
بيد أن المشكلة تكمن في تحويل هذه المعرفة إلى نجاح تجاري وضمان انتشار التكنولوجيا في مختلف القطاعات.ويعد تجزؤ السوق الموحدة أحد أهم العوائق؛ إذ ما تزال الشركات الأوروبية تتنافس في نطاق حدودها الوطنية إلى حد كبير، ما يحدّ من الضغوط التنافسية اللازمة لتسريع تبنّي الذكاء الاصطناعي. وأشارت إلى أن ارتفاع حصة المنافسين المحليين المستثمرين في الذكاء الاصطناعي بنقطة مئوية واحدة يرفع معدل الاستثمار المتوقع للشركة نفسها بنحو 0.6 نقطة مئوية، لكن هذا التأثير التنافسي يتوقف إلى حد بعيد عند الحدود الوطنية.فجوة التمويل تهدد الشركات المبتكرةأما العائق الثاني فيتمثل في تجزؤ أسواق رأس المال الأوروبية؛ فالشركات الأوروبية المبتكرة تستطيع عادة تمويل مراحل نموها الأولى،
لكن فجوة تظهر مع توسعها. وتشير بيانات بنك الاستثمار الأوروبي إلى أن الشركات الناشئة سريعة النمو في الاتحاد الأوروبي ونظيراتها في منطقة سان فرانسيسكو تجمع مبالغ متقاربة خلال السنوات الخمس الأولى، لكن الشركات الأوروبية تكون قد جمعت بحلول السنة العاشرة نحو 50% أقل. كما أن نحو 12% من الشركات الأوروبية الناشئة سريعة النمو انتقلت إلى خارج الاتحاد،
ولا سيما إلى الولايات المتحدة.وخلصت لاغارد إلى أن أوروبا تمتلك مقومات النمو الأقوى، شرط أن تحوّل حجم سوقها الموحدة إلى قدرة فعلية على التوسع؛ بما يساعد الشركات المبتكرة على النمو محلياً، ويسرّع انتشار التكنولوجيا ويرفع الإنتاجية، ويجعل الطلب المحلي محركاً أكثر استدامة للنمو.