في مفارقة لافتة، تتباين قراءات مؤشرات التضخم، فبينما تشير البيانات إلى تراجع ملموس في معدلاته، تتصاعد في المقابل على نحو غير مسبوق أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية بصورة يومية،
مما أدى إلى تدهور حاد في المستوى المعيشي واتساع رقعة العوز وسط آلاف الأسر السودانية. ودفعت الحرب المستمرة لأكثر من ثلاثة أعوام ونصف عام ملايين السودانيين إلى دائرة البطالة، بخاصة بعد توقف المصانع والأسواق والتبادل التجاري بين المدن، وكذلك الأنشطة الزراعية وورش الحرفيين،
إلى جانب 80 في المئة من الأعمال اليومية بمناطق عدة في ولايات البلاد كافة. وأشار آخر تقرير للجهاز المركزي للإحصاء في السودان إلى تراجع معدل التضخم في يوليو (تموز) الماضي إلى 41.61 في المئة مقارنة بـ51.28 في المئة في يونيو (حزيران)، وأظهرت بيانات الجهاز استمرار ارتفاع المستوى العام لأسعار المستهلك بنسبة 1.47 في المئة على أساس شهر خلال يوليو. ويعتمد الجهاز المركزي للإحصاء في احتساب معدل التضخم على سلة تضم 663 سلعة،
تمثل أنماط استهلاك مختلف الفئات الاقتصادية والاجتماعية والجغرافية في المناطق الحضرية والريفية، وتندرج هذه السلع تحت 12 مجموعة. فكيف يقرأ الاقتصاديون والأكاديميين هذا الانخفاض ومدى انعكاسه على واقع السودانيين المعيشي؟ تقارير غير دقيقة في السياق،
يقول الباحث الاقتصادي حمزة الفكي إن "انخفاض معدل التضخم لا يمكن عده ميزة إيجابية مطلقة في ظل تدهور العملة الوطنية ووصولها إلى أدنى مستوى أمام العملات الأجنبية، إلى جانب ارتفاع أسعار السلع الغذائية لمستويات قياسية تفوق قدرة ملايين". وأضاف أن "هناك جدلاً حول مدى دقة التقارير التي يصدرها الجهاز المركزي للإحصاء في شأن معدلات التضخم، لافتاً إلى أن ليس هناك خلاف حول المنهجية التي تحتسب بها المعدلات كونها ترتبط بمعادلات معترف بها عالمياً بواسطة كل من البنك وصندوق النقد الدوليين،
لكن المشكلة تكمن في أنها تحصل في غياب ما يعرف بموازنة الأسر التي توضح الوضع الراهن للاستهلاك وأوزان المجموعات السلعية التي يعتمد عليها المواطن بصورة أساسي، ومنذ اندلاع الحرب لم يجر عمل مسح من أجل مواكبة المتغيرات". يتوقع أن تتخطى نسبة البطالة 60 في المئة في السودان نهاية عام 2026 (اندبندنت عربية - حسن حامد) وأوضح الفكي أن عدم إجراء مثل هذا المسح الحيوي منذ أكثر من ثلاثة أعوام يفقد التقارير صفة الدقة المكتملة، ويعطي مؤشرات غير حقيقية لمعدل التضخم.
وتابع "تدني التضخم هو في حقيقته تراجع في وتيرة ارتفاع الأسعار، مما يعني أن وتيرة تزايد الأسعار ستقل، وعليه فلن يشعر المواطن بانخفاض ملموس فيها، لكنه في الأقل ربما يشعر ببعض الاستقرار النسبي".
تدابير حكومية من جانبه قال وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم إنهم يعملون على خفض التضخم إلى ما لا يزيد على 60 في المئة بحلول نهاية العام الحالي، بعد أن سجل 176 في المئة في بداية الحرب التي فاقمت الأزمة الاقتصادية. وأضاف إبراهيم أن "هناك مؤشرات تؤكد إمكان تحقيق هذا الهدف، في ظل الإجراءات الاقتصادية المتخذة لمعالجة الاختلالات المالية والاقتصادية".
وأقر وزير المالية بوجود تحديات كبيرة تواجه الاقتصاد السوداني لا يمكن التقليل من حجمها، لكن في المقابل توجد فرص يمكن البناء عليها لتحقيق التعافي الاقتصادي. وأشار إلى أن "الحكومة تريد أن يكون القطاع الخاص شريكاً رئيساً في تعافي الاقتصاد السوداني"، مشدداً على أهمية دوره في تحريك النشاط الاقتصادي ودعم الإنتاج والاستثمار خلال المرحلة المقبلة.
انخفاض وركود على النحو ذاته، أشار أستاذ الاقتصاد في الجامعات السودانية بابكر خطاب إلى أن "ما حدث من انخفاض في التضخم جاء نتيجة ارتفاع معدل الركود في الأسواق قياساً بأسعار الدولار، إلى جانب انخفاض دخل الأسر السودانية، مما أدى إلى خفض استهلاكها اليومي من السلع الضرورية".
ولفت إلى أن "الاقتصاد السوداني الآن في أضعف حالته، فهناك عرض كبير للسلع في مقابل انخفاض في الطلب، فضلاً عن فشل الموسم الزراعي في مدن ومناطق عدة، إضافة إلى توقف عمل المصانع في العاصمة الخرطوم".
ونوه خطاب بأن "انخفاض التضخم الحالي لا يعكس الواقع الحقيقي للاقتصاد، إذ تعد مؤشرات انخفاض المعدلات موقتة وغير دقيقة، وحال لم تنفذ خطط اقتصادية عاجلة سيعاود التضخم الارتفاع من جديد وتشتعل الأسعار". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) معادلة مختلة وفي هذا الشأن،
أوضح الأكاديمي والمحلل الاقتصادي عيسى الصادق أن "مرتبات الموظفين في القطاعين العام والخاص تحولت إلى مبالغ لا تكفي لتغطية حاجات أيام معدودة، بعدما ارتفعت أسعار الغذاء والإيجارات والمواصلات والعلاج بصورة كبيرة، وفقد آلاف العاملين مصادر دخل إضافية كانت تساعدهم في مواجهة ضعف المرتبات قبل الحرب". وبين الصادق أن "الدولة فقدت جزءاً كبيراً من إيراداتها نتيجة توقف الإنتاج في ولايات رئيسة،
وتعطل النشاط الصناعي والتجاري، مما أدى إلى تضييق المساحة المالية المتاحة، وتوجيه نسبة كبيرة من الموارد لتمويل الحرب، ومن ثم فإن المعادلة الاقتصادية ستظل مختلة بصورة كبيرة حتى في حال انخفاض التضخم لأدنى مستوى".
وتابع "الجنيه السوداني يعد من أكثر العملات في العالم التي تعاني التضخم حالياً، والارتفاع المتزايد لأسعار السلع والخدمات، أكبر مؤشر للتضخم المالي في البلاد". حالة ممنهجة على الصعيد ذاته،
يرى الأكاديمي الاقتصادي عصام البكري أن "انخفاض التضخم لن ينعكس على واقع السودانيين المعيشي بسبب استمرار الحرب وتوقف الأعمال والمشاريع في مختلف مدن البلاد، بما في ذلك المصانع الصغيرة والمتوسطة والمتاجر المحلية، مما أدى إلى فقدان ملايين وظائفهم وانخفاض مستوى الدخل اليومي، إضافة إلى تعطل الأسواق التقليدية،
وانهيار سلاسل الإمداد والإنتاج الزراعي والصناعي، علاوة على ارتفاع الأسعار وانعدام القدرة على تلبية الحاجات الأساسية". ويشير إلى أن "معدلات البطالة في المناطق الحضرية تجاوزت 18 في المئة من الأسر التي لا تمتلك دخلاً أو عملاً ثابتاً، مقارنة بـ 1.6 في المئة قبل النزاع،
ويتوقع أن تتخطى نسبة البطالة 60 في المئة نهاية عام 2026". ويوضح البكري أنه "بعد مرور ثلاثة أعوام ونصف عام على اندلاع الحرب، تعطلت سلاسل الإنتاج الزراعي والصناعي، مما أدى إلى انخفاض الإنتاجية بنحو 50 في المئة وارتفاع الأسعار بصورة كبيرة،
في وقت يواجه فيه نحو 24.6 مليون شخص انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، فضلاً عن مواجهة أكثر من 600 ألف شخص أوضاعاً تصنف كارثية". يردف المتحدث "هذا المشهد يعكس أن الفقر لم يعد مجرد فقدان للدخل، بل أصبح حالة ممنهجة من العوز يجمع بين انقطاع الرزق وتدهور الخدمات الأساسية ونمو أعداد المحتاجين إلى المساعدات الإنسانية،
مما يشكل تهديداً مباشراً لاستقرار الأسر والمجتمعات". فقر مدقع في غضون ذلك، أظهر أول مسح رسمي للفقر المتعدد الأبعاد في السودان أن 82.8 في المئة من السكان كانوا يعيشون أوضاعاً معيشية قاسية حتى قبل اندلاع الحرب، في مؤشر يعكس حجم التحديات التي كانت تواجه البلاد قبل دخولها أكبر أزمة إنسانية في تاريخها الحديث.
وكشف المسح، الذي أصدره الجهاز المركزي للإحصاء، عن أن "مؤشر الفقر المتعدد الأبعاد بلغ 0.441، في وقت وصلت فيه شدة الفقر إلى 53.3 في المئة"،
مما يعني أن الفقراء كانوا يعانون في المتوسط من أكثر من نصف أوجه الحرمان التي يقيسها المؤشر. واعتمد المسح للمرة الأولى منهجية الفقر المتعدد الأبعاد، التي تقيس الحرمان في مجالات الصحة والتعليم ومستوى المعيشة والتشغيل عبر 14 مؤشراً، بدلاً من الاكتفاء بقياس مستوى الدخل.
وأظهرت النتائج أن "الحرمان من الخدمات الصحية يمثل أكبر مظاهر الفقر، إذ يعاني 97.3 في المئة من السكان ضعف الوصول إلى الرعاية الصحية، تليه خدمات الصرف الصحي بنسبة 86.9 في المئة، ثم وقود الطهي بنسبة 64.9 في المئة،
ليصبح قطاع الصحة الأكثر إسهاماً في ارتفاع مؤشر الفقر". وسجلت ولاياتا دارفور وكردفان أعلى معدلات الفقر، إذ تصدر وسط دارفور القائمة، تلاها شرق دارفور،
ثم جنوب كردفان وغرب كردفان وجنوب دارفور، بينما جاءت الخرطوم والولاية الشمالية في أدنى مستويات المؤشر، مع تحذير التقرير من هشاشة الأوضاع فيهما وإمكان انزلاق أعداد كبيرة من السكان إلى الفقر عند التعرض لأية صدمات. وكشف المسح عن انتشار واسع للفقر الحاد،
إذ يعيش أكثر من ثلاثة أرباع سكان ولايتي شرق ووسط دارفور في فقر شديد متعدد الأبعاد، فيما تجاوزت النسبة 70 في المئة في جنوب وغرب كردفان وجنوب دارفور، بما يعكس اتساع الفجوات التنموية بين أقاليم البلاد. وأكد الجهاز المركزي للإحصاء أن نتائج المسح،
الذي نفذ بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومبادرة "أكسفورد" للفقر والتنمية البشرية، تمثل خط الأساس الأخير قبل الحرب، وستشكل مرجعاً لقياس تأثير النزاع في مستويات الفقر والتنمية خلال الأعوام المقبلة.