يمثل التوجه لإنشاء مجلس أعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي بين السعودية والسودان الشهر المقبل، تطوراً يتجاوز العلاقات الثنائية، إذ يأتي في وقت تتقاطع تحديات الداخل السوداني مع تحولات إقليمية متسارعة، مما يسلط الضوء على قدرة الأطر المؤسسية الجديدة على إنتاج شراكات أكثر استقراراً في بيئة متوترة.

فمنذ اندلاع الحرب في السودان، لم تعُد العلاقات الإقليمية مع الخرطوم تقاس فقط بمنظور التعاون التقليدي، بل باتت ترتبط أيضاً بحسابات الأمن الإقليمي واستقرار البحر الأحمر ومسارات إعادة الإعمار ومستقبل الدولة السودانية. وتشير تجارب إقليمية ودولية مماثلة إلى أن المجالس الاستراتيجية المشتركة غالباً ما تنشأ خلال فترات التحول الكبرى،

بوصفها أدوات لتنظيم المصالح وإدارة التحديات أكثر من كونها تعبيراً عن استقرار مكتمل، غير أن نجاح هذه الأطر يظل مرهوناً بقدرتها على الانتقال من التفاهمات السياسية إلى آليات تنفيذية قادرة على التكيف مع المتغيرات، مما يجعل السياق السوداني اختباراً بالغ التعقيد في ظل استمرار النزاع وتداخل الفاعلين المحليين والإقليميين. وتتضاعف أهمية هذه الخطوة في ضوء ما تشهده منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي من إعادة تشكيل للتوازنات الأمنية والاقتصادية،

وتزايد التنافس على الممرات البحرية والبنى اللوجستية وسلاسل الإمداد، مما يرفع من قيمة أي إطار مؤسسي يعزز التنسيق بين الدول المشاطئة أو ذات المصالح المباشرة في استقرار المنطقة. ومن ثم، تنبع أهمية المجلس من قدرته المحتملة على التعامل مع بيئة إقليمية شديدة التقلب،

وما إذا كان سيشكل إطاراً عملياً لإدارة المصالح المشتركة ودعم استقرار السودان، أو سيظل رهناً بالتحديات السياسية والأمنية التي فرضتها الحرب وما أفرزته من متغيرات داخلية وإقليمية. توجه مشترك أعلن عن المجلس رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان في الـ17 من يناير (كانون الثاني) الماضي كمحطة رئيسة في مسار سياسي بدأ قبل ذلك عبر محادثات رفيعة المستوى بين البلدين، هدفت إلى إعادة تنظيم العلاقات الثنائية ضمن آلية أكثر انتظاماً واستمرارية.

ومَثّل القرار الخطوة التنفيذية الأولى على الجانب السوداني لتنفيذ التفاهمات التي توصلت إليها الرياض والخرطوم، تمهيداً لاستكمال الإجراءات الثنائية الخاصة بإطلاق المجلس بصيغته الجديدة، مما يعكس توجهاً مشتركاً نحو إدارة الملفات ذات الأولوية من خلال قناة دائمة للتنسيق والمتابعة. وتبلورت هذه التفاهمات خلال زيارة البرهان إلى الرياض في ديسمبر (كانون الأول) عام 2025،

حيث عقد محادثات مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، تناولت تطورات الحرب في السودان وانعكاساتها السياسية والاقتصادية والإنسانية، فضلاً عن الجهود الإقليمية الرامية إلى وقف القتال وتهيئة الظروف لاستعادة الاستقرار. كذلك،

بحث الجانبان مستقبل العلاقات الثنائية وسبل توسيع التعاون في الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية والاستثمارية، وانتهت المحادثات إلى توافق على أهمية إنشاء مجلس مشترك يتولى متابعة تنفيذ المبادرات وتنسيق المواقف ووضع آليات تضمن استمرارية العمل المشترك بعيداً من الاعتبارات المرحلية. بات البحر الأحمر أحد أكثر المساحات حساسية في التفاعلات الدولية، مع استمرار هجمات جماعة الحوثي (غيتي) وجاء هذا المسار بالتوازي مع تحرك دبلوماسي قادته السعودية،

بالتنسيق مع الولايات المتحدة، لإحياء جهود التسوية في السودان، عبر مبادرة تضمنت هدنة إنسانية تعقبها مراحل متدرجة لوقف الأعمال العدائية وصولاً إلى وقف شامل لإطلاق النار. ومنح هذا التزامن المجلس بعداً يتجاوز تنظيم العلاقات الثنائية،

إذ ارتبط بمساعي احتواء تداعيات الحرب ودعم جهود التعافي وإعادة الإعمار وتعزيز التنسيق بين البلدين في القضايا المرتبطة بأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي، في وقت تشهد المنطقة إعادة ترتيب للمصالح والتوازنات السياسية والأمنية والاقتصادية. أداة داعمة يتسق إنشاء المجلس مع توجه أوسع تبنته الرياض تجاه الأزمة السودانية خلال العام الماضي، إذ أكد البيان الختامي للأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربي،

الصادر في الثالث من ديسمبر عام 2025، دعم الجهود الرامية إلى تحقيق السلام في السودان بما يحفظ أمنه واستقراره وسيادته، مشيداً بالدور الذي يقوده الأمير محمد بن سلمان لدفع مساعي التسوية ومرحباً بالجهود الإقليمية والدولية الهادفة إلى وقف الحرب، وفي مقدمتها تحركات اللجنة الرباعية،

مع التشديد على حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية والحفاظ على مؤسسات الدولة ودعم عملية سياسية يقودها السودانيون تفضي إلى قيام حكومة مدنية مستقلة. وتنسجم هذه الرؤية مع ما أعلنه وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم الذي أكد أن البلدين سيوقعان الشهر المقبل الاتفاق لإنشاء المجلس، واصفاً الخطوة بأنها مرحلة جديدة في مسار العلاقات الثنائية ومشيراً إلى تطلع الخرطوم إلى شراكة استراتيجية مع المملكة تتيح تفعيل مختلف مجالات التعاون، مما يعزز المصالح المشتركة ويفتح المجال أمام تنسيق أكثر انتظاماً في القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية والاستثمارية.

وشدد على أن "كل ما يستهدف السعودية والدول العربية يستهدف السودان أيضاً"، في تأكيد على ترابط المصالح الأمنية بين الجانبين. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ويعكس الجمع بين الموقف الخليجي والإعلان السوداني أن المجلس المرتقب لا ينظر إليه على أنه آلية ثنائية للتعاون وحسب، بل على أنه أداة يمكن أن تدعم المسار السياسي والاقتصادي المرتبط باستقرار السودان،

عبر توفير قناة مؤسسية لتنسيق الجهود في مرحلة تتطلب الربط بين متطلبات السلام وإعادة بناء مؤسسات الدولة وتحفيز الاستثمار وتهيئة الظروف اللازمة للتعافي وإعادة الإعمار.  تنسيق المواقف قال الباحث ناصر بخيت إن أهمية المجلس تتجاوز إطار العلاقات الثنائية لأن الإعلان عنه يأتي في مرحلة تشهد فيها منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي إعادة ترتيب للتوازنات الجيوسياسية، مع تصاعد التنافس بين القوى الإقليمية والدولية على الممرات البحرية والموانئ وشبكات النقل والخدمات اللوجستية، مضيفاً أن البحر الأحمر لم يعُد مجرد ممر للتجارة العالمية، بل أصبح أحد أبرز مسارح التنافس الاستراتيجي،

نظراً إلى ارتباطه بأمن الطاقة، وسلامة سلاسل الإمداد وحركة التجارة الدولية، فضلاً عن تنامي الوجود العسكري والبحري لقوى متعددة، مما يجعل أي إطار مؤسسي للتنسيق بين الدول المطلة عليه أو المرتبطة بأمنه يحمل أبعاداً تتجاوز المصالح الثنائية المباشرة.

وأوضح أن المجلس يمكن أن يوفر منصة أكثر انتظاماً لتنسيق السياسات تجاه القضايا التي تمس أمن الإقليم، وفي مقدمتها أمن الملاحة، وحماية البنية التحتية الساحلية وتأمين الموانئ ومكافحة التهريب والجريمة المنظمة، إضافة إلى تبادل التقديرات حول التطورات في القرن الأفريقي،

حيث تتداخل النزاعات الداخلية مع حسابات النفوذ الإقليمي والدولي. ولفت إلى أن تنامي المنافسة على الموانئ ومراكز الخدمات اللوجستية والنقاط البحرية الحساسة يفرض على الدول العربية المطلة على البحر الأحمر تطوير آليات للتنسيق تتجاوز ردود الفعل الظرفية، وتستند إلى قراءة مشتركة للأخطار والمصالح. بعض القوى الخارجية تسعى إلى توسيع نفوذها في السودان عبر البوابات الاقتصادية أو الأمنية​​​​​​​ (غيتي) وأشار بخيت إلى أن القيمة الاستراتيجية للمجلس لا تكمن في إعادة رسم موازين القوى في المنطقة،

وإنما في تعزيز قدرة الدول الأعضاء فيه على تنسيق المواقف وإدارة المصالح المشتركة وبلورة استجابات أكثر اتساقاً للتحديات الأمنية والاقتصادية. وخلص إلى أن نجاح هذه الآلية سيقاس بقدرتها على إنتاج سياسات قابلة للتنفيذ والإسهام في ترسيخ الاستقرار الإقليمي، بما يحافظ على أمن البحر الأحمر ويحد من انعكاسات التنافس الجيوسياسي على المنطقة. تحديات مؤثرة وقال الصحافي محمد مهدي إن التحدي الحقيقي أمام المجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي لا يرتبط بإعلان إنشائه أو التوافق السياسي حوله وحسب،

بل بقدرته على الاستمرار في العمل وسط مشهد إقليمي يتغير باستمرار وواقع داخلي سوداني لا يزال مثقلاً بتداعيات الحرب، موضحاً أن استمرار النزاع يفرض ضغوطاً مباشرة على مؤسسات الدولة، ويجعل أولوياتها منصبة على إدارة الأزمة وتوفير الخدمات الأساسية، مما قد يؤخر تنفيذ بعض المبادرات الاقتصادية والاستثمارية،

أو يحد من قدرة المؤسسات على مواكبة برامج التعاون طويلة الأجل. ورأى أن نجاح المجلس سيتوقف على قدرته على استمرارية العمل وعدم ربط برامجه بالمتغيرات السياسية أو بالمراحل الانتقالية التي يشهدها السودان. وأشار إلى أن التحديات الإقليمية لا تقل تأثيراً، إذ بات البحر الأحمر أحد أكثر المساحات حساسية في التفاعلات الدولية،

مع استمرار هجمات جماعة الحوثي على الملاحة التجارية، وما يرتبط بها من امتداد للحرب الأميركية- الإسرائيلية في إيران، فضلاً عن التنافس المتزايد بين قوى دولية وإقليمية على الموانئ والقواعد البحرية وخطوط الإمداد في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. ولفت إلى أن السودان،

بحكم موقعه الجغرافي، أصبح جزءاً من هذه الحسابات، مما يزيد أهمية وجود رؤية مشتركة مع الدول العربية المطلة على البحر الأحمر، وفي مقدمتها السعودية.

ورأى أن بعض القوى الخارجية تسعى إلى توسيع نفوذها في السودان عبر البوابات الاقتصادية أو الأمنية، مما قد يؤثر في تموضعه الإقليمي على المدى البعيد. وخلص إلى أن مواجهة هذه التحديات تتطلب أن يتحول المجلس إلى آلية تنفيذية تمتلك برامج واضحة ومتابعة دورية وقدرة على معالجة العقبات فور ظهورها، مما يضمن استمرارية التعاون ويحصن المصالح المشتركة ويعزز ارتباط السودان بمحيطه العربي خلال مرحلة تشهد إعادة رسم كثير من التوازنات في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.