لم تخرج الحرب في السودان البشر من بيوتهم فحسب، فقد دفعت، مع انهيار الخدمات وتراكم الركام والنفايات وترك الأحياء السكنية خالية، بكائنات كانت تعيش بعيداً من التجمعات البشرية إلى الاقتراب منها.
بدأت العقارب والقوارض تظهر على نحو لافت، والآن تتسع دائرة القلق مع رصد أنواع مختلفة من الثعابين، بينها أنواع شديدة السمية. ولا تبدو هذه الظاهرة منفصلة عن التحولات التي طرأت على البيئة خلال أعوام النزاع،
فقد أدى دمار المساكن والمنشآت، وإهمال المساحات المفتوحة، وتراكم المخلفات، إلى تغيير موائل الكائنات البرية ومسارات حركتها،
فيما وفرت الظروف الجديدة مأوى وغذاء لأنواع أخرى. وفي هذا السياق، أصدر مركز أبحاث الكائنات السامة بكلية العلوم في جامعة الخرطوم دليلاً إرشادياً للتوعية بأخطار الكائنات السامة، وسبل الوقاية منها والتعامل الآمن معها.
ويأتي انتشار الثعابين أيضاً في وقت تشهد فيه مناطق عدة ارتفاعاً ملحوظاً في درجات الحرارة. فهذه الزواحف، بحكم اعتمادها على البيئة الخارجية لتنظيم حرارة أجسامها، تبحث عند اشتداد الحر عن الرطوبة والماء والظل،
وقد تجد في المباني المهجورة والمنازل غير المأهولة ملاذاً مناسباً. ويفاقم التدخل البشري هذا الاختلال، إذ أسهم تدمير الموائل الطبيعية في دفع الثعابين نحو المناطق المأهولة. كذلك يؤدي تراكم النفايات وبقايا الحيوانات والجثث إلى جذب القوارض،
فتزداد وفرة الفرائس التي تعتمد عليها الثعابين، بينما توفر أكوام المخلفات أماكن آمنة للاختباء والتكاثر. مخيلة شعبية في السودان، لا تنتهي علاقة الناس بالثعابين عند الخوف من اللدغة،
فقد تسللت الحية إلى اللغة نفسها، وصارت بعض أسمائها استعارات للقوة والبأس والجرأة. ومن هنا أسماء متداولة في الرجال والنداءات الشعبية تقوم على صيغ "أبَّو" و"ود"، فيما حفظت اللهجات المحلية أسماء عدة للثعابين،
أبرزها، أب درق أو أبو درق، والوشاشة وترد كذلك الوشاش والرشاشة، وأبو دفان،
وأبو جنيب وأم جنيب، واللفعة، والدقر. وتكشف هذه التسميات عن معرفة شعبية دقيقة بصفات الحيوان وسلوكه،
لا عن قاموس واحد ثابت، فاسم "أب درق" مثلاً، وهو اسم الكوبرا في مناطق واسعة، يحيل إلى انتفاخ العنق عند التهيج،
وقد ورد في الشعر الشعبي السوداني كذلك. وتعد الأصلة الأفريقية من أضخم الثعابين في السودان، وهي غير سامة، وقد تتجاوز خمسة أمتار،
وتقتل فرائسها بالعصر، وتنتشر خصوصاً بمحاذاة النيل في ولايتي الشمالية ونهر النيل. وفي المقابل، تعد أفعى السجاد الشرقية (القرناء) من أخطر الأنواع السامة،
وترتبط نسبة كبيرة من اللدغات في البيئات الزراعية والريفية بوجودها. تتسع دائرة القلق مع رصد أنواع مختلفة من الثعابين بينها أنواع شديدة السمية (مواقع التواصل) وحضور الثعبان في المخيلة السودانية أقدم من موجة ظهوره الحالية، فهو يرد في الحكايات والأمثال والأغنيات بوصفه كائناً شديد المراس، فيما تتقاطع صورته،
في المرويات الشفوية، مع عوالم الجن والأرواح والأماكن الموحشة والآبار المهجورة، وهي منطقة تختلط فيها الخبرة البيئية بالمعتقد الشعبي، فيصبح الثعبان أحياناً حارساً لمكان أو علامة على خطر خفي.
وفي بعض الروايات الشعبية، ارتبطت الحيات كذلك بالحكمة والهيبة والقدرة على الاختفاء، بما رسخ حضورها كرمز يتجاوز كونها حيواناً مفترساً. أما علمياً،
فتشير مراجعة حديثة إلى وجود 19 نوعاً من الثعابين ذات الأهمية الطبية في السودان، وتعد أفعى السجاد أو الوشاشة، والكوبرا النوبية، وأفعى السودان الحفّارة من أخطر الأنواع.
وتضم كردفان ودارفور أعلى تنوع مسجل، بينما توجد في الخرطوم خمسة أنواع ذات أهمية طبية، مما يجعل تغير البيئة الحضرية عاملاً للمراقبة المستمرة. نقص الأمصال يقول أحمد عبدالرحيم،
من مدينة أم درمان، إن عودة أسرته إلى المنزل بعد أعوام من النزوح كشفت جانباً آخر من آثار الحرب، "وجدنا الثعابين بين الركام، وبدأنا نفتش كل شيء بما فيها الملابس التي أحضرناها معنا،
قبل استخدامها. في إحدى المرات ظهرت حية داخل الغرفة أثناء نوم أفراد الأسرة، ولم نعد نترك الأطفال يتحركون في البيت وحدهم". ويقول إن غياب النظافة المنتظمة وتراكم المخلفات جعلا التخلص من أماكن اختباء الثعابين مهمة شبه يومية.
وفي القضارف، تروي فاطمة محمد، من إحدى المناطق الزراعية، أن اقتراب الثعابين من المنازل ازداد مع الحشائش والمخلفات ووفرة القوارض،
مضيفة "صرنا نتحاشى الخروج ليلاً، وحتى دخول المطبخ أو المخزن يحتاج إلى انتباه". وتقول إن الخوف لا يتعلق باللدغة وحدها، بل بصعوبة الوصول السريع إلى المستشفى إذا وقعت حادثة.
ويقول الطبيب سامر حسن إن لدغة الثعبان حال طوارئ لا ينبغي التعامل معها بوصفات منزلية، ويضيف "المصل المضاد للسم هو العلاج النوعي الأساس عندما تظهر علامات التسمم، لكن المشكلة في ظروف الحرب ليست وجود المصل فقط، إنما أين يوجد،
وهل هو النوع المناسب للثعبان، وهل يمكن نقله إلى المريض في الوقت المناسب؟". ويشرح أن الأمصال ليست دواء واحداً يصلح لكل الأنواع، مؤكداً أن اختلاف السموم يجعل اختيار المستحضر الملائم أمراً طبياً بالغ الأهمية،
كذلك فإن تعطل طرق النقل، وتراجع قدرة المرافق الصحية، وانقطاع الإمدادات أو صعوبة التخزين قد تؤخر العلاج. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن نقص المخزون،
وبعد المرافق، ومشكلات التوزيع وسلسلة التبريد من العوائق المعروفة أمام الوصول المبكر إلى مضادات السموم. ويشير الطبيب إلى أن المصاب يجب أن ينقل سريعاً إلى مرفق صحي، مع تقليل حركته وتثبيت الطرف المصاب،
وإزالة الخواتم أو الساعات قبل ازدياد التورم، ولا ينبغي شق موضع اللدغة أو مص السم أو ربط الطرف برباط خانق أو اللجوء إلى ممارسات شعبية قد تزيد الضرر. معوقات الاستجابة يقول الباحث في السميات أمير عوض الله إن التعامل مع الثعابين في السودان كان موزعاً بين البحث الأكاديمي والصحة العامة ودراسة التنوع الحيوي، ولم يكن محصوراً في جهة واحدة،
مؤكداً أن مركز أبحاث الكائنات السامة بكلية العلوم في جامعة الخرطوم يعد أحد المواقع التي ارتبط بها هذا العمل، إلى جانب أقسام علم الحيوان والمجموعات العلمية في متحف السودان للتاريخ الطبيعي، حيث تداخلت دراسة الثعابين مع توثيق التنوع الحيوي والمعرفة المحلية بها، فيما تشير دراسات حديثة صادرة عن باحثين مرتبطين بهذه المؤسسات إلى أهمية المعارف المحلية في تحديد الأنواع وموائلها وفهم علاقتها بالمجتمعات.
ويضيف أن أعمال الجهات الأكاديمية والبحثية المعنية كانت تشمل، بدرجات مختلفة، التعرف إلى الأنواع، ودراسة توزيعها،
وتوثيق السموم والحالات المرتبطة باللدغات، إلى جانب جمع العينات وحفظها والتدريب والتوعية. وأسهمت الدراسات المنشورة في تحديث المعرفة بالثعابين ذات الأهمية الطبية وتوزيعها الجغرافي في السودان، في ظل نقص تاريخي في البيانات المنتظمة عن اللدغات والوفيات.
ويرى عوض الله أن هذه المراكز والجهات، تعطلت بنيتها وأنشطتها الميدانية بعد اندلاع الحرب، وتضررت مقارها، وتوزع العاملون فيها بين النزوح والخروج من البلاد والولايات الأكثر أمناً،
وبذلك انقطع جزء مهم من العمل الحقلي في وقت تتغير فيه موائل الحيوانات بفعل الدمار والنفايات والنزوح. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ويوضح أن الاستجابة الحالية تحتاج إلى أكثر من إعادة تشغيل المختبرات، قائلاً "نحتاج إلى استعادة الرصد الميداني، وتوثيق اللدغات،
وربط بيانات المستشفيات بالمعلومات البيئية، وتحديث خرائط الأنواع". ويرى أن الجامعات والمختبرات والجهات الصحية ومؤسسات الحياة البرية والتاريخ الطبيعي يمكن أن تعمل ضمن شبكة واحدة، لأن المشكلة بعد الحرب لم تعد بيئية وحدها،
إنها مسألة صحة عامة أيضاً، مضيفاً "تظل صعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة، وتشتت الكوادر، وفقدان العينات والمعدات،
وضعف البيانات الوبائية من أبرز ما يعوق بناء استجابة علمية منتظمة". مستشهداً بحديث منظمة الصحة العالمية عن أن نقص البيانات من المشكلات الأساسية في مكافحة لدغات الثعابين عالمياً. خطر مزدوج ترى الصحافية المتخصصة في البيئة زهراء سيد أحمد، أن "استمرار الحرب قد يغير علاقة الإنسان بالثعابين على نحو يصعب عكسه لاحقاً،
فكل شهر إضافي من النزاع يعني مزيداً من المباني الخالية، وتراجع إدارة النفايات، واضطراب استخدام الأراضي، وانحسار النشاط الزراعي في بعض المناطق،
وهي تحولات تعيد توزيع الحيوانات داخل المشهد البشري. وقد تجد الثعابين في هذا الفراغ مصادر جديدة للغذاء ومواقع للاختباء، فتقترب من المنازل والمخازن والمزارع، بينما تتراجع فرص التعامل الآمن معها في ظل ضعف الخدمات البيئية والصحية،
فمع ضعف خدمات الطوارئ وصعوبة الانتقال بين المناطق، يمكن أن تتحول اللدغة من حادثة يمكن احتواؤها إلى حال تهدد الحياة". وتشير إلى أن "الخطر لا يقع على الإنسان وحده، فالثعابين قد تدفع ثمن هذا الاقتراب أيضاً،
لأن الخوف منها يتحول سريعاً إلى قتل مباشر، خصوصاً عندما تغيب خدمات الإرشاد والاستجابة السريعة. ومع تراجع الموائل الطبيعية وتفتت البيئات التي كانت تفصل الحياة البرية عن التجمعات السكانية، يمكن أن يتعرض بعض الأنواع لضغوط متزامنة لا تظهر آثارها فوراً في أعدادها.
وتكتسب المسألة أهمية إضافية لأن الثعابين ليست مجرد كائنات ينبغي إبعادها من المنازل فهي تؤدي وظيفة بيئية في ضبط أعداد القوارض، كما تمثل أنواعها ومركبات سمومها مادة للبحث العلمي والطبي". ولفتت الانتباه إلى مفارقة أخرى، وهي أن ما يخشاه الناس اليوم قد يصبح غداً جزءاً من خسارة بيئية لا نعرف حجمها،
فالثعابين تضبط أعداد القوارض، وبعض أنواعها يحمل قيمة علمية وطبية ترتبط بدراسة السموم ومركباتها، مما حول جمعها إلى استنزاف تجاري يحتاج إلى ضبط وفق تراخيص تحفظ الأعداد البرية، لذلك فإن التعامل معها بعد الحرب يحتاج إلى تجاوز ثنائية الإبادة والحماية المطلقة،
نحو إدارة أكثر دقة، حماية السكان، ورصد الأنواع، والحفاظ على الموائل،
وتنظيم جمع العينات العلمية، حتى لا يفقد السودان جزءاً من تنوعه الحيوي تحت وطأة الحرب والخوف معاً".