امتد أثر الحرب السودانية إلى فضاء آخر أكثر تعقيداً، ولكنه في الوقت نفسه أسهل وصولاً، الفضاء الرقمي، حيث تتشكل تصورات الأطفال عن ذواتهم وعن المجتمع والبلد.

وبينما لا تزال ظاهرة تجنيد الأطفال تمثل واحدة من أخطر الانتهاكات المرتبطة بالنزاع، أخذت تبرز على منصات التواصل الاجتماعي ظاهرة موازية، قوامها أطفال يقدمون أنفسهم بوصفهم جنوداً أو دعاة للحرب، يظهرون بالزي العسكري،

ويحملون السلاح، أو يرددون خطاباً تعبوياً يحاكي لغة المقاتلين، في محتوى يحصد انتشاراً واسعاً ويمنحهم حضوراً يتجاوز بكثير حدود أعمارهم. تكشف هذه الظاهرة عن انتقال الحرب من ميادينها التقليدية إلى المجال الرقمي،

حيث يصبح تمثيل الدور العسكري في حد ذاته شكلاً من أشكال التطبيع مع العنف، وحيث تتداخل صناعة المحتوى مع التعبئة، والرمزية الوطنية مع تمجيد القوة المسلحة. يبرز تقاطع مفاهيمي دقيق حول مسار تنمية الانتماء الوطني المشروع لدى الناشئة،

مع ترسيخ قيم العنف بوصفها وسيلة للتعبير عن الولاء. فالطفولة، التي يفترض أن تكون مساحة للتعلم واللعب واكتشاف العالم، تجد نفسها أمام سردية مختلفة تمنح البطولة لمن يحمل السلاح،

وتكافئ الخطاب التعبوي بالانتشار والتفاعل والإعجاب. وهكذا يصبح الطفل، ولو على مستوى الصورة والرمز، مطالباً بأداء أدوار تتجاوز نضجه النفسي والاجتماعي،

في بيئة رقمية لا تميز دائماً بين التعبير عن الهوية الوطنية وبين إعادة إنتاج منطق الحرب. وفي بلد أنهكته سنوات الحرب المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023، لا تبدو هذه المشاهد مجرد انعكاس عابر للحرب، بل مؤشراً على تحول أعمق يطاول عملية التنشئة نفسها،

إذ تتنافس الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام مع الخوارزميات والمنصات على تشكيل وعي الأطفال. وبين هذين المسارين، بناء مواطن يشعر بالانتماء لوطنه، أو بناء طفل يتشرب لغة السلاح قبل أن يكتمل وعيه،

وتتحدد ملامح جيل كامل قد يرث، إلى جانب آثار الحرب المادية، إرثها النفسي والرمزي أيضاً. فضاء مفتوح قبل ظهور منصات التواصل الاجتماعي،

لم تكن صورة الطفل المرتبط بالحرب غائبة عن المشهد الإعلامي السوداني، لكنها كانت تنتج وتدار عبر مؤسسات أو أذرع دعائية. وخلال حرب جنوب السودان، شكل برنامج "ساحات الفداء" في تسعينيات القرن الماضي،

إحدى أبرز المنصات الإعلامية التعبوية، إذ خصص مساحة واسعة لتغطية العمليات العسكرية، وبث الأناشيد، وإبراز سرديات البطولة والتضحية،

وكانت تظهر ضمن مواده، بين الحين والآخر، مشاهد لفتيان يرتدون الزي العسكري أو يشاركون في معسكرات التدريب والأنشطة التعبوية التابعة لقوات "الدفاع الشعبي"، كما رافقت هذه التغطيات أفلام تسجيلية وأشرطة دعائية تناولت معسكرات التعبئة والخدمة الوطنية.

وفي المقابل، وثقت التغطيات الصحافية المحلية والدولية، إلى جانب تقارير المنظمات الحقوقية، وجود أطفال جندوا أو استخدموا من "الحركة الشعبية لتحرير السودان"،

ثم استمر التجنيد في فترات لاحقة في الصراع في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، إلا أن "الأطفال الجنود" آنذاك شكلوا موضوعاً للرواية الإعلامية التي يصوغها الآخرون، لا صانعين لها. أما اليوم،

فقد تبدلت المعادلة جذرياً، فلم تعد صورة الطفل المعبأ بالحرب تمر عبر غرفة تحرير أو مؤسسة إعلامية أو جهاز دعائي، بل باتت تنتج من داخل الهاتف المحمول نفسه. يظهر الأطفال على حساباتهم الشخصية أو عبر حسابات داعمة لهم،

مرتدين الزي العسكري، أو حاملين السلاح، أو مقلدين خطاب المقاتلين، ليصبحوا منتجي محتوى،

وجزءاً من دورة الانتشار التي تفرضها خوارزميات المنصات. وبهذا الانتقال، لم يعد الطفل مجرد رمز تعبوي يستخدم في المادة الإعلامية، بل تحول إلى فاعل رقمي يشارك،

بوعي أو من دونه، في إعادة إنتاج سرديات الحرب وتوسيع نطاقها، وهو تحول في تاريخ النزاعات السودانية يكشف عن انتقال التعبئة من الإعلام التقليدي إلى فضاء رقمي مفتوح، مشبع بالاستعراض،

والانتماء إلى دائرة العنف مع أدوار تفوق بكثير حدود الأطفال العمرية. مع تكرار محتوى الجنود الأطفال يتحول إلى جزء من الحياة اليومية، فتتراجع حساسية الطفل تجاه مشاهد العنف، ويغدو حمل السلاح أو التماهي مع المقاتلين أمراً مألوفاً،

ما يسهم في التطبيع التدريجي مع العنف (اندبندنت عربية- حسن حامد) وجوه دعائية أصبح بعض الأطفال وجوهاً دعائية تتصدر منصات التواصل الاجتماعي، إذ يقدمون بوصفهم نماذج للشجاعة والبطولة. وتحول أطفال لم يبلغوا الـ18 إلى شخصيات تحظى بمتابعة واسعة، بعدما ظهرت مقاطع مصورة لهم بزي عسكري إلى جانب قادة ومقاتلين،

يرددون هتافات الحرب، ويلقون خطابات تعبئة، ويحتفلون بالسيطرة على مواقع عسكرية. وفي بعض المشاهد يحمل هؤلاء الأطفال أسلحة أو يقفون وسط آثار المعارك،

في صورة تمحو الحدود الفاصلة بين الطفولة والقتال. وتتكرر الحكاية، وإن اختلفت الوجوه، فمن بين أكثر الأمثلة تداولاً،

ظهر طفل في مقاطع مصورة إلى جانب أحد قادة قوات "الدعم السريع"، وحمله الأخير على كتفيه أمام حشد من المقاتلين، قبل أن تنتشر اللقطات على نطاق واسع وتستخدم باعتبارها رمزاً للولاء والتعبئة. تلفت متخصصة في علم الاجتماع السلوكي إلى أن "الخطر الحقيقي يكمن في أن جيلاً كاملاً قد ينشأ وهو يتعامل مع الحرب باعتبارها جزءاً من الهوية" (مواقع التواصل) وفي المقابل،

برز طفل آخر بزي عسكري في مناسبات عامة برفقة حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، رئيس "حركة تحرير السودان"، أحد قادة "القوات المشتركة" المتحالفة مع الجيش.

وظهر طفل آخر وهو يلقي قصائد وخطابات حماسية ويردد شعارات مؤيدة للقتال، في مشاهد حصدت مئات الآلاف من المشاهدات. كما انتشرت مقاطع أخرى لأطفال يرافقون قادة ميدانيين أو يقفون داخل عربات عسكرية، ويعلنون استعدادهم للقتال أو يحتفلون بالتقدم في جبهات المعارك،

لتتحول صورهم إلى رموز دعائية يعاد تدويرها باستمرار. ومع اتساع انتشار هذه المقاطع، دخل بعض هؤلاء الأطفال في منافسة رقمية، حتى بات المستخدمون يتداولون مقاطع تدعو إلى المفاضلة بينهم.

وفي هذا السياق، لم تعد الشهرة مكافأة عابرة، بل أصبحت أداة تعبئة تمنح الجماعات المسلحة قدرة أكبر على مخاطبة المراهقين، عبر تحويل الطفل إلى نموذج يحتذى،

في بيئة رقمية تختلط فيها البطولة بالعنف، ويغدو الظهور الجماهيري حافزاً إضافياً لاستدراج مزيد من الأطفال إلى دائرة الحرب. يظهر الأطفال على حساباتهم الشخصية أو عبر حسابات داعمة لهم، مرتدين الزي العسكري،

أو حاملين السلاح، أو مقلدين خطاب المقاتلين، ليصبحوا منتجي محتوى وجزءاً من دورة الانتشار التي تفرضها خوارزميات المنصات (مواقع التواصل) ترويج الاستغلال في السياق، قالت المحامية وصال عبدالله إن "القانون الدولي يحظر بصورة قاطعة تجنيد الأطفال أو استخدامهم في النزاعات المسلحة،

سواء شاركوا مباشرة في العمليات القتالية، أم أوكلت إليهم أدوار مساندة كالحراسة، ونقل الإمدادات، والاستطلاع،

أو إنتاج المواد الدعائية. وتنص مبادئ باريس على أن الطفل الجندي هو كل شخص دون الـ18 يجند أو يستخدم من قوة أو جماعة مسلحة بأية صفة كانت، وهو تعريف يتجاوز المفهوم التقليدي للمقاتل ليشمل كل أشكال الاستغلال المرتبطة بالحرب". وأضافت "كما يلزم اتفاق حقوق الطفل وبروتوكوله الاختياري في شأن إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة الدول والأطراف المتحاربة باتخاذ جميع التدابير الممكنة لمنع إشراك الأطفال في الأعمال العدائية،

وضمان حمايتهم وإعادة تأهيلهم بوصفهم ضحايا لا أدوات حرب". وأوضحت عبدالله أن "اتفاقات جنيف والقانون الدولي الإنساني يؤكدان أن الأطفال يتمتعون بحماية خاصة أثناء النزاعات المسلحة، فيما يعد تجنيد الأطفال دون السن القانونية أو استخدامهم في القتال انتهاكاً جسيماً قد يرقى، في ظروف معينة،

إلى جريمة حرب بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وتابعت "لا تقف المسؤولية عند الجماعات المسلحة أو القوات النظامية، بل تمتد إلى المنصات الرقمية التي تتحمل، وفق مبادئ الأمم المتحدة في شأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان،

واجب الحد من المحتوى الذي يروج لاستغلال الأطفال أو يسهم في تجنيدهم، ولذلك تحظر سياسات منصات مثل 'تيك توك' و'فيسبوك' المحتوى الذي يمجد الأطفال الجنود أو يسهل تجنيدهم". وترى المحامية أن "تطبيق هذه السياسات لا يزال متأخراً وغير متسق، إذ تسمح خوارزميات الانتشار ببقاء بعض المواد المتداولة لفترات طويلة،

مما يمنحها قدرة على التأثير في جمهور واسع من المراهقين. وبذلك يصبح حذف المحتوى إجراء متأخراً إذا سبقته ملايين المشاهدات، لأن الضرر لا يكمن في الصورة وحدها، بل في الرسالة التي تشرعن وجود الطفل داخل ساحة القتال وتعيد تقديمه باعتباره رمزاً للبطولة بدلاً من كونه ضحية لانتهاك جسيم لحقوقه الأساسية".

مع تكرار محتوى الجنود الأطفال يتحول إلى جزء من الحياة اليومية، فتتراجع حساسية الطفل تجاه مشاهد العنف، ويغدو حمل السلاح أو التماهي مع المقاتلين أمراً مألوفاً، ما يسهم في التطبيع التدريجي مع العنف (اندبندنت عربية - حسن حامد) تطبيع مع العنف ترى المتخصصة في علم الاجتماع السلوكي صفية محمود أن "ظهور الأطفال على منصات التواصل الاجتماعي في هيئة جنود أو حاملين للسلاح لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد انعكاس بصري للحرب،

بل باعتباره مؤشراً على تحول أعمق يطال منظومة التنشئة الاجتماعية نفسها، إذ تبدأ الحدود الفاصلة بين الطفولة والعسكرة في التآكل تدريجاً". وتقول إن "الطفل في هذه المرحلة العمرية يبني هويته من خلال المحاكاة والبحث عن القبول الاجتماعي، وعندما يجد أن صورته بالزي العسكري تحصد الإعجاب والانتشار والتشجيع،

فإنه يتلقى رسائل ضمنية تربط الاعتراف الاجتماعي بأداء دور المقاتل لا بدور الطفل". وتوضح أن "أخطر ما في هذه الظاهرة لا يتمثل في ظهور السلاح داخل الصورة فحسب، وإنما في إعادة تعريف البطولة والنجاح في وعي الأطفال، فبدل ارتباط الإعجاب بالإنجاز العلمي أو الإبداع أو المهارات الاجتماعية،

يصبح مرتبطاً بالقدرة على تمثيل القوة وإعادة إنتاج خطاب الحرب. ومع تكرار هذا المحتوى، يتحول إلى جزء من الحياة اليومية، فتتراجع حساسية الطفل تجاه مشاهد العنف،

ويغدو حمل السلاح أو التماهي مع المقاتلين أمراً مألوفاً، وهو ما يعرف في علم الاجتماع السلوكي بعملية التطبيع التدريجي مع العنف". وتشير محمود إلى أن "منصات التواصل لا تكتفي بعكس الواقع، بل تسهم في تشكيله من خلال خوارزميات تمنح المحتوى المثير انتشاراً أكبر،

وهو ما يدفع بعض الأطفال إلى تقليد هذه النماذج سعياً وراء القبول والشهرة والانتماء إلى المجموعة، وبهذا يتحول الفضاء الرقمي إلى بيئة اجتماعية جديدة تنتج أنماطاً من السلوك والرموز لا تقل تأثيراً عن الأسرة أو المدرسة". وتلفت المتخصصة في علم الاجتماع السلوكي إلى أن "الخطر الحقيقي يكمن في أن جيلاً كاملاً قد ينشأ وهو يتعامل مع الحرب باعتبارها جزءاً من الهوية، لا ظرفاً استثنائياً ينبغي تجاوزه،

لذلك فإن حماية الأطفال في زمن النزاعات لم تعد تقتصر على منع تجنيدهم في الميدان، وإنما تشمل أيضاً حمايتهم من التجنيد الرمزي والنفسي داخل الفضاء الرقمي، حيث قد تسبق الصورة أحياناً الفعل، ويصبح المحتوى بوابة لإعادة تشكيل القيم والتصورات التي ترافق الطفل حتى بعد انتهاء الحرب".