في الوقت الذي يعيش فيه ملايين السودانيين أزمة إنسانية غير مسبوقة عدت الأكبر في العالم، ويزحف فيه شبح الجوع مهدداً مزيداً من المناطق والسكان، حذر برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة من نفاد المساعدات الغذائية وعمليات التحويلات المالية في السودان في أواخر شهر أكتوبر (تشرين الأول) الجاري بسبب نقص التمويل، ما اضطره إلى تبني نهج جديد في توزيع الإغاثة،
إذ يمنح الأولوية لأخطار الحماية التي يخلفها الجوع. وجراء هذه الأوضاع تتزايد المخاوف من ارتفاع مستويات الجوع وسط المجتمعات السودانية التي تشهد تدهوراً خطراً، لتضيف تعقيداً جديداً وتخلق أزمة أخرى فوق المعضلات القائمة، وتلقي بمزيد من القتامة على مستقبل الأوضاع الإنسانية الكارثية في البلاد،
بخاصة في ظل القيود الكبيرة التي يفرضها طرفا الصراع للوصول الآمن إلى المدنيين في ولايات دارفور وكردفان والنيل الأزرق. قال المتطوع في غرف طوارئ جنوب كردفان حامد الضو إن "سكان الإقليم يعيشون تدهوراً مروعاً في الغذاء" (اندبندنت عربية - حسن حامد) نهج جديد وقال برنامج الأغذية العالمي في تقرير إنه "عزز خلال الربع الأخير من عام 2026 نهج استهداف المساعدات من خلال دمج تحليل الأمن الغذائي مع بيانات أخطار الحماية من مصادر متعددة، بما في ذلك رصد الحماية وتقييمات حماية اللاجئين، لإتاحة الأولوية للمساعدات وفق خطر الحماية التي يخلفها الجوع أو يؤدي إلى تفاقمها"،
وأضاف التقرير أن "هذا النهج ساعد في توجيه المساعدات إلى السكان النازحين الأكثر عرضة للخطر في مناطق مثل طويلة بشمال دارفور والأبيض بشمال كردفان، إذ يدفع نقص الدعم الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف ضارة، تشمل عبور خطوط المواجهة، والمرور عبر نقاط التفتيش المسلحة،
أو السفر إلى مناطق ترتفع فيها الأخطار"، وأوضح التقرير أن "برنامج الأغذية العالمي يحتاج إلى 431 مليون دولار خلال الأشهر الستة المقبلة للحفاظ على المستويات الحالية من المساعدات ذات الأولوية القصوى وتجنب خفض حصص الغذاء أو عدد المستفيدين"، وكشف البرنامج عن تقديم مساعدات لـ4.1 مليون شخص في السودان، بينهم مليون شخص في مناطق مصنفة معرضة لخطر المجاعة في أغسطس (آب) عام 2026،
وبين أن "عدد المستفيدين من المساعدات المالية في أغسطس بلغ 1.6 مليون شخص، وهو أعلى وصول شهري للتحويلات المالية منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) عام 2023، بينما وصلت أنشطة التغذية المدرسية إلى 218000 تلميذ". أشار الناشط في المجال الإنساني بولاية شمال دارفور معمر الختيم إلى أن "الأوضاع الإنسانية،
بخاصة في ما يتعلق بالغذاء مأسوية" (اندبندنت عربية - حسن حامد) وبحسب برنامج الأغذية العالمي، أيضاً، تشمل المناطق المعرضة لخطر المجاعة، كادوقلي والدلنج والمناطق المحيطة بجبال النوبة الغربية في ولاية جنوب كردفان،
إضافة إلى مناطق في شمال دارفور تشمل أمبرو وكرنوي والطينة وريف الفاشر ومليط وكتم وطويلة. تدهور مريع في السياق قال المتطوع في غرف طوارئ جنوب كردفان حامد الضو إن "سكان الإقليم يعيشون تدهوراً مروعاً في الغذاء، إذ إن سوء التغذية تملكهم على رغم توفر السلع الاستهلاكية في الأسواق، لكن الغلاء الجنوني في الأسعار ونفاد المدخرات المالية يحولان دون الشراء ما فاقم الأوضاع المعيشية لملايين السكان"،
وأضاف أن "المطابخ الجماعية توقفت تماماً عن العمل بسبب عدم توفر الدعم لها، لا سيما أن قرار برنامج الغذاء العالمي بخفض حصص إمداد المواطنين بالمواد الغذائية والتحويلات المالية، سيحوّل الأمر إلى مجاعة حقيقية، إذ إن هناك مناطق في كادوقلي والدلنج تعاني كثافة سكانية وأوضاعها مأزومة،
مما أدى إلى تدهور صحة الأطفال وكبار السن"، ونبه الضو من أن "أي إجراء يتعلق بالطعام في ظل الأوضاع الراهنة يبعث القلق، لذلك من واجب الدولة البحث عن حلول عاجلة، وإلا فإن الموت جوعاً سيهدد المواطنين في مدن ومناطق عدة بإقليم جنوب كردفان".
أوضاع مأسوية من ناحيته، أشار الناشط في المجال الإنساني بولاية شمال دارفور معمر الختيم إلى أن "الأوضاع الإنسانية، بخاصة في ما يتعلق بالغذاء مأسوية، وحتى الآن تدار بواسطة المتطوعين في العمل الإنساني وغرف الطوارئ لتوفير الوجبات بصورة يومية للمواطنين الذين اضطروا إلى الإقامة في العراء وتحت ظلال الأشجار بعد الفرار من محلية كرنوي عقب موجات عنف استهدفت ما لا يقل عن 10 بلدات في الآونة الأخيرة"،
وتابع الختيم "نسعى إلى توفير الحد الأدنى من الوجبات، وفي الوقت نفسه نعمل على عدم توقفها، على رغم عدم انتظام التمويل للمطابخ الجماعية، والمؤسف إذا لم نعد الطعام فإن النساء والأطفال وكبار السن لن يحصلوا على وجبات،
بالتالي سيتضورون جوعاً"، وأضاف "في تقديري، إذ توقفت حصص المواد الغذائية التي تقدمها المنظمات الدولية للمجتمعات الضعيفة سيصل الوضع إلى حد الموت جوعاً، إذ لا يمكن للتكايا بأي حال تغطية هذه الأعداد الكبيرة من النازحين الذين يمثلون أساس الأزمة الإنسانية"،
ووفق الناشط في المجال الإنساني أيضاً، "يعيش النازحون في وضع إنساني متفاقم يفوق قدرة السلطات المحلية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في ظل نقص حاد في الغذاء والمياه والخدمات الصحية والمأوى مع توقف معظم مصادر المياه". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ضعف المناعة إلى ذلك، قالت سامية عثمان التي تقطن في مدينة النهود بولاية غرب كردفان إن "أزمة الغذاء ساهمت في تدهور صحة كبار السن إضافة إلى نقص المناعة،
ومعظم الناس بالكاد يجدون ما يأكلونه، خصوصاً في ظل انعدام فرص العمل وتوقف مصادر الدخل"، ولفتت عثمان إلى أن "الوضع المعيشي ينحدر إلى الأسوأ، وتتزايد بصورة مطردة ندرة السلع الاستهلاكية في ظل انعدام السيولة النقدية لغالبية السكان،
والمواطن يتحمل وحيداً كل هذا الألم الذي استنزف أمواله ومدخراته"، وشددت على ضرورة إيجاد حلول عاجلة لإنقاذ أوضاع الأطفال والنساء الحوامل المزرية التي إذا امتدت، أشهراً مقبلة، "فإن الموت سيهدد المئات في المدينة".
مجاعة حقيقية على نحو متصل أوضح المتخصص في الشؤون الإنسانية عادل فتحي أن "السودان يواجه خطر التراجع إلى مستويات أشد من الجوع بسبب تهديد الحرب وخفض تمويل المساعدات وفشل الموسم الزراعي في مناطق الإنتاج، ما يهدد بتقويض المكاسب التي تحققت في احتواء المجاعة التي اجتاحت عدداً من المدن والمناطق"، ونوه فتحي "إلى أنه في ظل شح التمويل من قبل المانحين، وفي حال لم تحصل الأمم المتحدة والمنظمات الأخرى على تمويل لعملياتها،
فإن رقعة المجاعة في السودان مرشحة للزيادة، خصوصاً أن هناك أكثر من منطقة وصلت بالفعل إلى درجة المجاعة الحقيقية"، وبيّن أن "المساعدات الإنسانية الأساسية في مراكز إيواء النازحين بإقليم دارفور توقفت منذ أشهر، في وقت يواجه فيه الفارون من جحيم القتال نقصاً حاداً في الموارد الأساسية والخدمات الصحية،
ما يفاقم معاناتهم ويهدد حياتهم". النقطة الحرجة في غضون ذلك حذرت المنظمة الدولية للهجرة، من أن النظام الذي يمكّنها مع أكثر من 100 منظمة غير حكومية من إيصال المساعدات الإنسانية إلى السودان، مهدد بالانهيار "خلال أسابيع"،
بسبب الافتقار إلى تمويل كافٍ. وقالت المديرة العامة للمنظمة إيمي بوب في بيان "قد ينهار النظام الإنساني بأكمله خلال أسابيع إن لم نتحرك الآن"، وأضافت "من دون تمويل جديد، لن نتمكن من إيصال المساعدات إلى حيث تتعاظم الحاجة إليها"،
وأشارت المنظمة إلى أنه "من دون دعم فوري من المانحين، من المتوقع أن تنفد مخزونات الملاجئ ومواد الصرف الصحي والأدوات المنزلية الإغاثية الطارئة". وحذرت مبادرة التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي، التابعة للأمم المتحدة،
من تدهور واسع في الأوضاع الإنسانية بالسودان، مشيرة إلى أن نحو 33.7 مليون شخص، أي نحو ثلثي السكان، سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال العام الحالي،
وأشارت المبادرة إلى أن الأرقام المستندة إلى تحليل أممي حديث وفق بيانات ميدانية حتى نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، تعكس انهياراً حاداً في مستويات الأمن الغذائي، وتضع السودان في صدارة الدول الأكثر تضرراً من الجوع وسوء التغذية عالمياً. وتعاني منظمات الإغاثة،
مثل المنظمة الدولية للهجرة، نقصاً في التمويل بعدما قلصت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدات خارجية بمليارات الدولارات تقدم إلى وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الخيرية خلال العام الماضي، وكانت الولايات المتحدة في السابق أكبر مانح للمساعدات في العالم، وخفضت دول مانحة رئيسة أخرى ميزانيات المساعدات متذرعة بضائقة الموارد المالية وارتفاع الإنفاق الدفاعي.