تزايدت خلال الآونة الأخيرة وتيرة الضغوط الدولية والإقليمية المنادية بضرورة محاصرة الحرب وإنهائها بصورة سريعة، مع تصاعد الدعوات إلى توحيد جهود الوساطة والدفع في اتجاه إقرار هدنة إنسانية، تمهد لوقف القتال واستئناف التفاوض، وفق توصيات "المجموعة الرباعية" الدولية و"إعلان جدة"،
في وقت تتفاقم الكارثة الإنسانية وتتباين المواقف في شأن فرص نجاح هذه المساعي، وهو ما جعل الأنظار تتجه نحو مدى نجاح سياسة تصعيد الضغوط الجماعية الدولية على فرض وقف دائم لإطلاق النار، وفتح مسار سياسي شامل. تكتل دولي في نيويورك،
عُقد على هامش اجتماعات الدورة الـ (81) للجمعية العامة للأمم المتحدة آخر سبتمبر (أيلول) الماضي، اجتماع دولي بدعوة من الاتحادين الأفريقي والأوروبي وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، بمشاركة وزراء وممثلين عن دول أعضاء في الأمم المتحدة ومنظمات دولية، بهدف تنسيق الجهود لمعالجة الأزمة الإنسانية في السودان،
ودعم مساعي "الآلية الخماسية" الرامية إلى إرساء حوار سياسي مدني يقوده السودانيون. ودعا الاجتماع أطراف الحرب في السودان إلى استئناف المفاوضات للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، وفقاً للمقترح الذي قدمته "المجموعة الرباعية"، مؤكداً استعداد المشاركين لاتخاذ مزيد من الإجراءات لدعم التوصل إلى الاتفاق وتنفيذه.
وتضم "الآلية الخماسية" الأمم المتحدة والاتحادين الأوروبي والأفريقي وجامعة الدول العربية ومنظمة "الإيغاد"، بينما تضم الرباعية الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، بغرض تنسيق الجهود لإنهاء الحرب في السودان، ودعم مسار الانتقال المدني.
ضغوط ملموسة ويرى متخصصون وسياسيون سودانيون أن نجاح دعوة تكتل مجموعتي "الرباعية" و"الخماسية" في بيانهما المشترك، مرهون بممارسته ضغوطاً ملموسة ومتوازنة على طرفي النزاع، تستهدف أولاً وقف التدخلات الخارجية وتجفيف مصادر الدعم العسكري والمالي، منوهين بأن ملف استخدام السلاح الكيماوي من شأنه أن يفتح الباب أمام توسيع جبهة الضغوط،
عبر تزايد المطالبات بإجراء تحقيقات مستقلة، ونقلها من الإطار الثنائي مع واشنطن إلى إقليمي ودولي واسع. وعلى رغم نفي حكومة السودان القاطع الاتهامات الأميركية باستخدام الجيش أسلحة كيماوية خلال الحرب الراهنة، وتمسكها بالتحقق الميداني عبر فريق خبراء من "منظمة حظر الأسلحة الكيماوية"،
لكن ذلك لم يجد تجاوباً أميركياً بوقف التصعيد الدبلوماسي لهذا الملف، عبر فرض حزمة جديدة من العقوبات والشروع في تنفيذها، وهو ما عدته السلطات السودانية تحركاً سياسياً وضغوطاً دبلوماسية أكثر من كونه إجراء فنياً. تعديلات وضغوط على الصعيد الرسمي،
اتهم مستشار رئيس مجلس السيادة الانتقالي للشؤون السياسية والخارجية، أمجد فريد، الولايات المتحدة بتجاهل التعديلات التي تقدمت بها الحكومة السودانية على اتفاق الهدنة المقترح من جانبها، ومن أبرزها إقرار انسحاب قوات "الدعم السريع" من المناطق الحضرية تحت إشراف دولي.
وكانت الحكومة السودانية قد سعت، وفق مصادر دبلوماسية، إلى فتح كوة للتفاوض مع واشنطن، بابتعاث وفد لمناقشة وقف إطلاق النار مع كبير مستشاري البيت الأبيض للشؤون العربية والأفريقية،
مسعد بولس، خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة الأخيرة، لكن تداعيات حجب تأشيرة الفريق البرهان، وعدم تمكنه من حضور الاجتماعات،
ألقت بظلالها على طبيعة الاجتماع والمخرجات المنتظرة منه. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) تكاتف دولي وإقليمي وفي سياق متصل، يرى رئيس "حزب الأمة"، مبارك الفاضل المهدي،
أن هناك الآن تكاتفاً وإجماعاً دولياً وإقليمياً لمحاصرة الحرب وإنهائها بصورة سريعة، عبر تكثيف الضغوط على كل الأطراف ووقف تدفق السلاح المغذي لاستمرار الحرب، بخاصة عقب الاجتماع التنسيقي المشترك للآليتين "الخماسية" و"الرباعية"، بمشاركة النرويج وبريطانيا وقطر،
الذي عقد في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. ويعتقد المهدي أن الولايات المتحدة تفاوضت مع الفريق البرهان مدة عام كامل، وتوصلت معه إلى أربع مسودات اتفاق وتعديلات في المسودة الأخيرة، لكنه اتصل بهم في اليوم التالي لإبلاغهم رفضه الاتفاق،
لذلك يرى العالم أنه استنفد أسلوب المراوغة، من دون النظر إلى الكارثة الإنسانية ووجود 14 مليون نازح، مع انهيار اقتصادي لعملتي الطرفين. جدل الشرعية ووفق رئيس "حزب الأمة"،
فقد حُذف الحديث عن "شرعية المؤسسات" من البيان المشترك، وجرى استبدالها بالتركيز على وحدة وسيادة السودان، كذلك جاء موقف الإدارة الأميركية الأخير المؤكد عدم أهلية كل من قائدي الجيش و'الدعم السريع' لحكم السودان، متسقاً مع ضرورة الفصل بين الحفاظ على مؤسسات الدولة،
وفي مقدمها الجيش، كونه مؤسسة وطنية، وبين منح قيادات أطراف الحرب شرعية سياسية أو دستورية لحكم البلاد. تنازلات بلا جدوى من جهته،
يرى الباحث والمستشار في الأكاديمية العليا للدراسات الإستراتيجية والأمنية، اللواء معتصم عبدالقادر، أن الضغوط الغربية الراهنة المتصاعدة لم تترك للفريق أول عبدالفتاح البرهان، أي طريق للتعامل معها،
فهي تستند إلى التجربة ذاتها التي مورست على "نظام الإنقاذ" خلال فترة حكم البشير، حين تكاثفت عليه الضغوط من الجوانب السياسية والاقتصادية كافة، وعلى القيادات السياسية، بهدف إحداث تغيير جذري في نظام الحكم وقتذاك.
ويُشخص عبدالقادر الضغوط الحالية في أنها تكرر التجربة ذاتها، بما يشير إلى أن هدف الغرب ينحصر في إزاحة سلطة البرهان وتنصيب حكومة موالية من المدنيين، وربما شخصيات محددة لتولي الحكم في السودان، ولذلك فقد بات الفريق البرهان مدركاً بأن أية تنازلات يقدمها لن تفيده في شيء،
بعد أن أصبح هدف الضغوط مكشوفاً للداخل ولكثير من دول العالم الخارجي، متابعاً "على رغم أن تلك الضغوط قد وصلت إلى درجة تدخلات أجنبية مباشرة، عبر دول الجوار، ونجحت بالفعل في تغيير محتوى وطبيعة الحكومة عبر تقديم كثير من التنازلات،
أبرزها الموافقة على فصل جنوب السودان، لكن كل تلك التنازلات لم تكن ذات جدوى في الشفاعة لنظام عمر البشير". اختلال الأدوات ويرى أستاذ العلاقات الدولية، يوسف محي الدين يوسف،
أن تصعيد الضغوط الدولية على طرفي الحرب في السودان، وتعدد وتنوع مساراتها ما بين العسكرية والسياسية والدبلوماسية، تركز بصورة أكبر على جانب الجيش وأقل على "الدعم السريع"، كونه الرافض للتفاوض ومقترح اتفاق الهدنة الأميركي،
موضحاً أن "التلويح الأميركي بتوسيع حظر السلاح في إقليم دارفور ليشمل كل السودان، مع إدراج المسيّرات والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج ضمن نطاق العقوبات، يمثل إحدى أدوات الضغط العسكري القاسية على الجيش، وعلى رغم أن أثر التوسيع يفترض أن يشمل كل الأطراف المتحاربة،
لكن لا يمكن الجزم بأن أدوات الضغط الموجهة للطرفين متساوية في الحجم والتأثير، فالواقع أن 'الدعم السريع' يواصل تهريب السلاح إلى دارفور يومياً، على رغم خروقات شبكات إمداده لحظر السلاح الساري، من دون أن تتحرك أي من آليات المراقبة أو المتابعة الدولية في شأن ذلك".
آثار سياسية وقانونية ويعتقد محي الدين أن الاتهامات الموجهة للجيش باستخدام السلاح الكيماوي، من الضغوط غير المثبتة بموجب تقرير أو قرار رسمي، ومع ذلك ترتبت عليها آثار سياسية وقانونية واقتصادية، من خلال العقوبات التي فرضتها واشنطن على البلاد في يوليو (تموز) الماضي،
مشيراً إلى أن فشل تمرير توسيع حظر السلاح في مجلس الأمن، يؤكد الانقسام وغياب التوافق الدولي حول كيفية التعامل مع الحرب. أما في ما يخص إثارة مسألة شرعية البرهان، ورفض منحه التأشيرة لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة الأخيرة،
فيرى الأكاديمي أنها تندرج ضمن الضغط الدبلوماسي والسياسي، لكنها لا تعني سحب الاعتراف الدولي أو إسقاط شرعية مؤسسات الدولة التي يترأسها. السلام الصعب على نحو متصل، يرى الكاتب والمحلل السياسي،
إبراهيم شقلاوي، أن السودان بات الآن أمام شروط سلام صعب، لأن التحدي ليس في إيقاف الحرب أو حسمها، بل في منع إعادة إنتاجها في صورة أخرى،
موضحاً أن المسألة الجوهرية بالنسبة إلى الخرطوم، تتمثل في التمييز بين هدنة تُوقف القتال موقتاً، ووقف شامل ينهي الحرب، فالهدنة قد تجمّد القتال من دون أن تنهي الصراع،
وقد تتيح للميليشيات إعادة ترتيب قوتها، مثلما حدث في هدن سابقة، فالقضية هنا ليست إدماج الميليشيات في تسوية سياسية تجعلها طرفاً في اقتسام السلطة، بل إنهاء وجودها كفصيل عسكري متمرد،
وقوة مسلحة موازية للدولة. ويتابع شقلاوي "تظهر أهمية رؤية الحكومة السودانية، التي تؤكد استعدادها التعاون الدولي، مع التمسك بإنهاء الحرب وفق شروط تعالج أصل الأزمة،
من دون التنازل عن حق الدولة في تحديد مستقبلها، وبما أن السيادة لا تعني الانغلاق أمام الجهود الدولية، فالمطلوب منها نقل العلاقة مع المجتمع الدولي من موقع الدفاع عن المواقف إلى طرح مشروع واضح للسلام، يحدد الالتزامات والضمانات،
ويجعل إنهاء الحرب غاية لا مجرد عنوان". ويرى الكاتب أن الاختبار السياسي الحقيقي يتمحور حول هل تُبنى التسوية على معالجة أسباب الحرب؟ أم على الضغوط الإقليمية والدولية؟ لأن التسوية التي تتجاهل مصير السلاح خارج مؤسسات الدولة،
قد تمنح هدوءاً موقتاً مع احتمال العودة للقتال قائماً، أما الاتهامات باستخدام الأسلحة الكيماوية فينبغي، وفق شقلاوي، أن تُعالج عبر التحقيق المستقل والمؤسسات المختصة،
مع إتاحة الفرصة للسودان للتعاون وتقديم موقفه. ومع اندلاع حرب السودان بين الجيش وقوات "الدعم السريع" منتصف أبريل (نيسان) 2023، طرحت أطراف إقليمية ودولية أكثر من 10 مبادرات ومسارات تفاوضية، أبرزها "منبر جدة" التفاوضي (المبادرة السعودية - الأميركية)،
و"مبادرة جنيف" (المسار الأميركي - السويسري) ومبادرات "الإيغاد" والاتحاد الأفريقي ودول الجوار، فضلاً عن مفاوضات المنامة السرية، لكنها جميعاً لم تثمر في الوصول إلى حل للنزاع، مما دفع المجتمع الدولي نحو العمل على دمج هذه المسارات تحت مظلة دولية واحدة،
مع تنامي مخاوف انزلاق السودان نحو تقسيم البلاد، بحكم الأمر الواقع.