قدمت الولايات المتحدة إلى مجلس الأمن الدولي مشروع قرار لتوسيع حظر الأسلحة المفروض على دارفور ليشمل كامل السودان، في خطوة تأتي بينما تدخل الحرب عامها الرابع وقد خلفت وراءها عشرات آلاف القتلى وملايين النازحين واللاجئين، وواحدة من أوسع الأزمات الإنسانية في العالم. ومع استمرار القتال واتساع رقعته لم يعد المدنيون مجرد ضحايا عرضيين للمعارك،

بل أصبحوا في قلب كلفة الحرب، مدن وقرى مدمرة، وأسر ممزقة، وملايين اضطروا إلى ترك منازلهم،

بعضهم نزح داخل البلاد، وآخرون عبروا الحدود بحثاً عن الأمان. ويأتي التحرك الأميركي قبل انتهاء حظر الأسلحة المفروض على دارفور منذ أكثر من عقدين، في الـ12 من سبتمبر (أيلول) المقبل،

مع سعي واشنطن إلى تعميمه على جميع الأراضي السودانية، بما في ذلك فرض قيود على الطائرات المسيرة. وترى الإدارة الأميركية أن استمرار تدفق السلاح يفاقم قدرة طرفي النزاع على مواصلة القتال، ويرفع في الوقت نفسه خطر انتقال تداعيات الحرب إلى دول الجوار.

غير أن تمرير المقترح لن يكون سهلاً، إذ تعارضه الحكومة السودانية، بينما تتحفظ روسيا والصين على توسيع القيود، وهما دولتان دائمتا العضوية في مجلس الأمن وتملكان حق النقض،

مما يجعل تمرير المقترح أكثر تعقيداً، ويكشف ذلك عن خلاف يتجاوز مسألة العقوبات إلى طبيعة التعامل الدولي مع الحرب نفسها، ومن يملك أدوات التأثير في مسارها. وميدانياً،

يسيطر الجيش على الشمال والوسط والشرق، في حين تفرض قوات "الدعم السريع" نفوذها على دارفور وأجزاء من كردفان والجنوب. وبينما تتغير خطوط السيطرة، تتسع الكلفة الإنسانية للحرب،

ويغدو النزوح واللجوء والقتل والدمار مظهراً دائماً لصراع لم ينجح المجتمع الدولي حتى الآن في كبح مساره. تقول الأمم المتحدة إن الحرب في السودان أصبحت أكثر تعقيداً (أ ف ب) جذور الحظر يعود أصل حظر الأسلحة المفروض على دارفور إلى الـ30 من يوليو (تموز) 2004، حين تبنى مجلس الأمن القرار 1556، في ذروة الحرب التي اندلعت في الإقليم عام 2003،

وفرض حظراً على توريد الأسلحة والمعدات ذات الصلة إلى الجماعات غير الحكومية والأفراد العاملين في دارفور، بما في ذلك ميليشيات "الجنجويد"، ولم يكن الإجراء مجرد عقوبة على أطراف النزاع، بل محاولة للحد من تدفق الوسائل التي أطالت أمد العنف ووسعت نطاق الانتهاكات في إقليم كان قد تحول إلى أزمة إنسانية ذات تداعيات إقليمية.

وفي الـ29 من مارس (آذار) 2005 جاء القرار 1591 ليشدد نظام العقوبات ويوسع نطاق حظر السلاح ليشمل جميع أطراف اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في نجامينا، وأي متحاربين آخرين في شمال دارفور وجنوبها وغربها. وفي الوقت ذاته أنشأ القرار لجنة العقوبات الخاصة بالسودان، وفرض حظراً على السفر وتجميداً لأصول الأشخاص الذين تعرقل أفعالهم عملية السلام أو يرتكبون انتهاكات محددة،

كذلك أنشأ فريق متخصصين لمساعدة اللجنة في مراقبة تنفيذ العقوبات وكشف مسارات التسليح والتمويل والدعم العسكري. ومنذ ذلك الحين لم يبق النظام ثابتاً، فقد عدل نطاقه وآليات تنفيذه عبر قرارات لاحقة، وأضيفت في 2010 متطلبات تتعلق بالتحقق من المستخدم النهائي لشحنات السلاح المسموح بها،

قبل أن يعتمد المجلس في 2023 بنداً يجعل العقوبات قابلة للانتهاء ما لم تجدد سنوياً. وفي الـ12 من سبتمبر (أيلول) 2025 جدد المجلس النظام بالإجماع بموجب القرار 2791 مدة عام. الحظر الذي بدأ قبل أكثر من عقدين لم يعد مجرد أثر باقٍ من حرب دارفور القديمة، بل أصبح إحدى أدوات الضغط الدولية المستمرة في السودان،

فيما يدور الآن الخلاف حول ما إذا كان ينبغي إبقاؤه محصوراً في دارفور أم توسيعه ليواكب حرباً باتت تتجاوز الإقليم بكثير. تتبع الانتهاكات حظي المقترح الأميركي بتأييد فرنسا وبريطانيا والدنمارك، في وقت قدمت فيه واشنطن توسيع الحظر كونه استجابة لتغير طبيعة الحرب نفسها، لا مجرد تعديل جغرافي لنظام عقوبات قائم.

وقال مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية والشرق الأوسط، مسعد بولس، إن تدفق الدعم العسكري والمالي والسياسي الخارجي إلى طرفي النزاع بات عاملاً في استمرار الحرب، محذراً من أن يؤدي تدخل أطراف إقليمية عدة إلى توسيع نطاق الصراع.

وبحسب الطرح الأميركي فإن وقف هذا التدفق يتطلب توسيع الحظر من دارفور إلى كامل الأراضي السودانية، بحيث يشمل جميع الأطراف الموجودة على الأرض. ويتضمن المقترح، إلى جانب التوسيع الجغرافي،

تأكيداً صريحاً على إدراج الطائرات المسيرة وأنظمتها والتقنيات المرتبطة بها ضمن نطاق الحظر، في ضوء التحول المتزايد نحو استخدامها في العمليات القتالية، كذلك يدعو إلى زيادة عدد أعضاء فريق المتخصصين المعني بالعقوبات وتعزيز تعاونه مع فرق المتخصصين الأخرى، بما يتيح للمجلس قدرة أكبر على تتبع انتهاكات حظر السلاح وتجميد الأصول وحظر السفر.

يسيطر الجيش على الشمال والوسط والشرق في حين تفرض قوات "الدعم السريع" نفوذها على دارفور وأجزاء من كردفان والجنوب (أ ف ب) وتتقاطع هذه الحجة مع تحذيرات الأمم المتحدة من أن الحرب أصبحت أكثر تعقيداً، وأن نوعية الأسلحة المستخدمة تشير إلى استمرار الدعم الخارجي للطرفين. وقالت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، روزماري دي كارلو إن طرفي النزاع ما زالا أسيرين لمنطق عسكري صفري،

بما يستدعي زيادة الضغط الدولي لتغيير حساباتهما، كذلك أشار مسؤولون أمميون إلى الاستخدام الكثيف للطائرات المسيرة في الأسابيع الأخيرة. أما فرنسا وبريطانيا فأيدتا توسيع الحظر في سياق السعي إلى الحد من تدفق السلاح والضغط على طرفي الحرب للمشاركة في مسار سياسي، بينما ربطت الدنمارك التي تتولى الرئاسة الدورية للمجلس هذا الشهر،

موقفها أيضاً بخطر امتداد النزاع إلى المنطقة، ودعت إلى هدنة إنسانية تفضي إلى وقف شامل لإطلاق النار، وهكذا يضع المؤيدون المقترح في إطار الضغط على مصادر القوة العسكرية للطرفين، مع الإبقاء على الهدف المعلن،

دفع الحرب نحو التفاوض، لا إعادة رسم موازينها بالقوة. تقييد التأمين يستند الاعتراض على توسيع حظر الأسلحة إلى سؤال يتجاوز نطاق العقوبات ذاتها، حول إمكان فرض قيد واحد على جميع الأراضي السودانية من دون أن تكون له نتائج مختلفة على طرفي الحرب.  ويجادل المندوب السوداني لدى الأمم المتحدة،

الحارث إدريس، بأن توسيع الحظر خارج دارفور سيضع القوات المسلحة السودانية وقوات "الدعم السريع" تحت القيد ذاته، على رغم اختلاف موقعهما القانوني والسياسي. ومن وجهة النظر السودانية قد يؤدي ذلك إلى تقييد قدرة القوات الحكومية على تأمين المناطق التي تستعيد السيطرة عليها،

بينما لا يضمن وحده وقف قنوات التسليح العابرة للحدود التي تصل إلى قوات "الدعم السريع"، لذلك تدفع الخرطوم باتجاه آخر، تشديد تنفيذ الحظر القائم، وتعقب الموردين والشبكات الخارجية التي تنقل الأسلحة والطائرات المسيرة،

بدلاً من توسيع القيود جغرافياً. وتطرح روسيا الاعتراض بصورة أخرى، فهي لا تنظر إلى العقوبات على أنها أداة تقنية محايدة، بل تخشى أن تتحول إلى عامل يغير ميزان القوة على الأرض من دون أن يغير سلوك الأطراف باتجاه التسوية.

ومن هنا جاء تحذير موسكو من إجراءات قد تمس قدرة الجيش السوداني، إلى جانب رفضها ما تعده توظيفاً متزايداً للأدوات الاقتصادية والعقابية ضد الخرطوم. أما الصين فتتبنى مقاربة أكثر تحفظاً، فقد شددت على أن العقوبات ينبغي أن تكون وسيلة لخدمة السلام،

لا بديلاً عن التفاوض، وحذرت من توسيعها بما قد يضر بالاقتصاد أو يعقد مسار التسوية، وهذا لا يعني رفضها مبدأ المساءلة، بقدر ما يعكس تفضيلها إبقاء أدوات الضغط محدودة وموجهة.

وتملك موسكو وبكين حق النقض، لكن الفيتو ليس نتيجة تلقائية لمعارضتهما المشروع. روسيا أرسلت إشارات تحذيرية واضحة، بينما تتحرك الصين عادة بحذر أكبر،

مما يترك الباب مفتوحاً أمام التفاوض على نص معدل، ولذلك قد تكون المعركة الحقيقية حول صياغة الحظر وآليات تطبيقه، لا حول مبدأ العقوبات وحده. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) توقعات محتملة إذا مضى المقترح الأميركي إلى التصويت،

فإن أثره في مسار الحرب لن يتحدد بمجرد صدوره، بل بالطريقة التي سيصاغ بها وبقدرة مجلس الأمن على تحويله من قاعدة قانونية إلى ضغط فعلي على شبكات التسليح والتمويل. وما طرح لا يزال مشروع قرار قيد البحث، وليس قراراً نافذاً،

فيما لم يعلن مجلس الأمن حتى الآن موعداً للتصويت عليه، وهذا يفتح الباب أمام فترة من المشاورات والمفاوضات حول النص، ولا سيما أن الحظر القائم على دارفور ينتهي في سبتمبر (أيلول) ما لم يجدد أو يعدل. والاختبار الأول سيكون سياسياً قبل أن يكون تنفيذياً،

فواشنطن تحتاج إلى تأمين تسعة أصوات في الأقل، مع تفادي استخدام أي من الدول الخمس الدائمة العضوية للفيتو. ومع اعتراض الخرطوم وتحفظ موسكو وبكين، قد تتجه المفاوضات إلى إدخال تعديلات على نطاق الحظر وآليات تطبيقه،

بدلاً من طرح النص بصيغته الأولى أمام التصويت. وإذا أقر التوسيع فلن يعني ذلك تلقائياً توقف تدفق السلاح أو تراجع القتال، فالسودان يملك حدوداً واسعة ومسارات تجارية يصعب ضبطها، فيما أظهرت تجربة الحظر المفروض على دارفور منذ 2004 أن وجود القاعدة القانونية لا يكفي إذا ظلت قدرة المراقبة والإنفاذ محدودة،

وقد تكون القيمة الأهم للقرار في توسيع قدرة فريق المتخصصين على تتبع شبكات التسليح والتمويل والوسطاء، وربط الانتهاكات بإجراءات عقابية أكثر تحديداً. أما إذا تعثر تمريره فقد ينصرف المجلس إلى تجديد الحظر الخاص بدارفور مع تشديد آليات تنفيذه، أو إلى صيغة وسط تتناول بعض مصادر التسليح من دون فرض حظر شامل.

وفي كلا الاحتمالين سيظل القرار أداة ضغط لا بديلاً عن التسوية السياسية، فالحرب لن تنتهي لمجرد إغلاق قناة واحدة للسلاح، وإنما عندما تصبح كلفة استمرارها، عسكرياً وسياسياً،

أعلى من كلفة التفاوض. ويبقى موعد التصويت نفسه مؤشراً مهماً، كلما طال التفاوض زادت احتمالات إعادة صياغة المشروع قبل طرحه، خصوصاً مع اقتراب موعد انتهاء الحظر الحالي.