ليست فكرة مثيرة أن يستمر فنان في رسم صالون حلاقة كمصدر إلهام جمالي على مدار خمسة عشر عاماً، وليس متوقعاً أن تكون لوحات تلك المرحلة مدهشة وذات قيمة فنية عالية. لكن تجربة هورفن أندرسون، المولود عام 1965 في برمنغهام لعائلة مهاجرة من جامايكا،
تبطل تلك الشكوك. إنه يزيح هذا المكان من موقعه الواقعي ليصنع منه عالماً يتجرد من غاياته العملية، ويكون بمثابة مسرح يُعاد رسمه بنية استكشاف أنماط مختلفة من الرسم، متنقلاً بين التشخيص والتجريد،
ومدفوعاً بقوة نحو رسم الموضوعات التقليدية كالطبيعة الصامتة والمناظر الطبيعية والبورتريه.منذ عام 2006، رسم أندرسون عشرات اللوحات التي صور من خلالها محل الحلاقة، بل أقام معرضاً بعنوان «لوحات الصالون»، متخذاً من ذلك المشهد العادي وسيلة للتنقيب في الذاكرة الكاريبية بحثاً عن عناصر الهوية التي تصلح معياراً للانتماء الوطني.
انطلق في هذه السلسلة من واقعة عاشها في طفولته: فالحلاقون البيض في بريطانيا كانوا يترددون في قص شعر السود، مما جعل المهاجرين الكاريبيين في خمسينيات وستينيات القرن الماضي يقصون شعر بعضهم في المنازل. ذلك جعله ينظر إلى صالون الحلاقة المؤقت الذي كان والده يتردد عليه باعتباره الفضاء الذي يعيده إلى بيته الحقيقي البعيد.سيكون من الخطأ النظر إلى رسوم هذه المرحلة الأساسية من جهة وصفية، رغم ترشيحه لجائزة تيرنر عام 2017.
فالجمالية القلقة غير المستقرة تكشف عن نزعة الرسام للانضمام إلى ذلك العالم كزبون، لكنه الزبون الذي يعتبر حضوره هناك علامة اختلافه. يعيده الصالون إلى البيت، وهو بيت قد يكون متخيلاً،
لكنه موجود هناك في جامايكا. عالم وهمي يقيم على ضفتين.يضم المعرض أكثر من 80 لوحة، وهو أشبه بمعرض استعادي يغطي مسيرته الفنية بأكملها، من أيام دراسته وحتى لوحات جديدة لم تُعرض من قبل.
يكشف أندرسون عن انخراطه العميق في تقاليد الرسم البريطاني للمناظر الطبيعية، لكن ذلك لا يتعارض مع استعادته لصور أفراد عائلته وتجارب شبابه وأماكن ذات أهمية شخصية وثقافية مثل صالون الحلاقة. من خلال إعادة النظر في عناصر معينة، وأحياناً دمج موقع مع آخر،
يتناول عدم موثوقية الذاكرة والتوتر المحيط بالتراث الثقافي.بطريقة أو بأخرى، يضفي نقاد الفن على رسوم أندرسون طابعاً تجريدياً. ففي عدد من لوحاته، رسم صالون الحلاقة من غير زبائن،
فبدا كما لو أنه رسم حياة صامتة. المرايا فيها تستدعي عالماً وهمياً غنياً بالألوان، وهو بالنسبة للفنان فضاء يصل الانتماء بالشتات. يقول أندرسون: «لقد ولدت هنا كما لو أنني ولدت هناك».
بين بريطانيا والكاريبي مسافة جمال متشنج يحتمل عدم التوافق، وهي مسافة يمكن التحقق منها تجريدياً. يرسم بقوة انتمائه إلى مكانين، كل منهما يلقنه لغة مختلفة.قد يبدو حكماً جاهزاً القول إن الفنان،
الذي صارت أعماله تُباع في المزادات بملايين الجنيهات الإسترلينية منذ أكثر من عشر سنوات، يوزع اهتمامه بين الانتماء والشتات. لكن هذا حكم سريع لا يخلص إلى روح التجربة الفنية. صحيح أن أندرسون وُلد في بريطانيا،
وصحيح أن طريقته في الرسم متصلة بتقاليد الرسم البريطاني، فهو في عدد من أعماله يقف قريباً من تجربة ديفيد هوكني على سبيل المثال. لكن الصحيح أيضاً أن فنه يطرح أسئلة وجودية متوترة لا تخص هوية المكان وحده، بل هوية بشر يفكرون بلغة ويحلمون بلغة أخرى.
هوية لا يمنع الواقع بصلابته تمركز أطياف أسطورية فيها.عادةً ما تركز لوحاته على حالة مزاجية معينة أو وقت محدد من اليوم أو زاوية معينة أو منزل معين، لكن التفكير في مكان آخر يبقى حاضراً دائماً. ذلك يعني أن طابعاً رمزياً يخترق لوحاته من الداخل، كما لو أن هناك صوتاً يُسمع بلغة أخرى ليوسع حدود التجربة البصرية.
فما تراه مباشرة ليس الحقيقة كلها؛ هناك حقائق غاطسة لا يمكن الوصول إليها إلا بالتأمل المفعَم بالأسئلة. في لوحته «مراقبة الكرة» (1997)، تقف مجموعة من الصبية على رقعة عشبية بجوار بحيرة. السماء زرقاء ضبابية والماء فيروزي زاهٍ.
يتناقض اللون الأخضر أسفلهم مع الحصى الداكن خلفهم، مما يعزلهم في جزيرة استوائية خاصة بهم. هذا المشهد سيعود إليه في لوحات أخرى بعد أكثر من عشر سنين، محاولاً تحويل صورة فوتوغرافية التقطها عام 1983 في حديقة هاندسوورث المهملة في برمنغهام إلى رؤية مشحونة عاطفياً لمدينته الأم ومنطقة الكاريبي.في إحدى تلك اللوحات (2010)،
يسترجع المشهد نفسه، لكن أشجار الكاريبي تهيمن على الأفق هذه المرة، وقد خفت بريقها بدرجات اللون الرمادي. يقترح الرسام معادلة صعبة لكنها محتملة نفسياً: أن يرى المرء مكاناً فيما يذهب خياله إلى مكان آخر.
يعلق أندرسون: «بسبب موقع الكرة في منتصف الصورة، وسط البركة، بدا وكأن القمر قد سقط من السماء». لا يخرج تصوره بعيداً عن مفهوم الصورة كلعبة ذهنية؛ فما لا تراه العين المباشرة تقوم الذاكرة بتخزينه لإعادة إنتاجه لاحقاً.
ببساطة، يتنقل أندرسون بخفة بين شواطئ الأطلسي والكاريبي، وهو ما برع في فعله.المعرض يغطي مسيرته بأكملها، من أيام دراسته حتى لوحات جديدة لم تُعرض من قبل.
يقول أندرسون: «أحاول فهم عصرنا». الرسام، الذي يُقدم اليوم كواحد من أهم الرسامين البريطانيين، يضع مفهوم العصر تحت مطرقة تأويل ملتبس.
ففي تعليقه على لوحاته القديمة التي سعى من خلالها لتجسيد قدرته على هضم عناصر التقليد الفني البريطاني، قال: «كنت دائماً في الخارج». يمكن فهم هذا القول على نحو مزدوج: خارج صالون الحلاقة الذي يضم رجالاً سود البشرة، وخارج الذات التي ورثت الذكريات،
لا باعتبارها عقيدة اختلاف فحسب، بل كمزاج يحلق بحساسية جمالية لا تحتويها تقاليد الرسم المتاحة.يُعرف أندرسون في المقام الأول كرسام مناظر طبيعية، وغالباً ما يصوّر منطقة الكاريبي وبريطانيا كما لو أن إحداهما تكمل الأخرى. جزء أساس من عالمه يكمن في التلويح بضياعه،
وهو شعور يمكن أن يتفهمه المهاجرون من غير أن يربك سعيهم نحو الاندماج في مجتمعاتهم الجديدة. يصف أندرسون أعماله بأنها تدور حول «السفر»، لكنها تسمية مضللة تخفي المعنى الحقيقي. الحقيقة لا تقف عند حدود الهجرة الجسدية بأعبائها النفسية،
بل تتعداها إلى تاريخ العبودية الذي لم يكن أندرسون جزءاً من مخلفاته، لكن ملامح ذلك التاريخ تنطبع بقوة على سلوك أفراد لم يكونوا من ضحاياه. تنفعنا رسومه في فهم علاقة المهاجر بتراثه الثقافي، الذي هو بالنسبة له ليس مجموعة الرموز التشكيلية ولا تقاليد الصناعات الشعبية،
بل هو ذلك الإنسان المقتلع الذي يحن إلى مكان جرى تدميره.