وثائق دبلوماسية سرية تكشف عن كيف تحولت الرياض إلى بوابة الخرطوم للخروج من العزلة الدولية، وكيف فرضت المملكة معادلة جديدة قائمة على الاعتدال والمسؤولية السياسية والاستقرار الإقليمي. شهد عام 1995 واحدة من أهم المحطات في تاريخ العلاقات السعودية- السودانية الحديثة، عندما نجحت السعودية في توظيف ثقلها السياسي والديني والإقليمي لإعادة صياغة العلاقة مع السودان على أسس جديدة.
وفي وقت كانت الخرطوم تواجه عزلة سياسية متزايدة وضغوطاً إقليمية ودولية متصاعدة، أدركت القيادة السودانية أن استعادة التوازن في علاقاتها الخارجية لا يمكن أن تتحقق من دون فتح صفحة جديدة مع الرياض. وتكشف الوثائق الدبلوماسية الخاصة بتلك المرحلة عن أن المملكة لم تتعامل مع الملف السوداني بمنطق ردود الفعل أو الانفعال السياسي، بل من خلال رؤية استراتيجية بعيدة المدى،
جمعت بين الانفتاح الدبلوماسي والحزم السياسي، فحرصت الرياض على إبقاء أبواب الحوار مفتوحة، لكنها في الوقت نفسه تمسكت بضرورة أن تقترن التصريحات السودانية بخطوات عملية تعكس تحولاً حقيقياً في السياسات والمواقف. وتبرز الوثائق أن السودان لم يكُن يسعى فقط إلى تحسين علاقاته الثنائية مع المملكة،
بل كان ينظر إلى الرياض على أنها المفتاح الأساس لفك العزلة التي أحاطت به خلال تلك المرحلة. وتكشف كذلك عن أن قوى دولية عدة، وفي مقدمتها بريطانيا، كانت تنظر إلى المملكة على أنها الطرف الأكثر قدرة على التأثير في الخرطوم ودفعها نحو الاعتدال السياسي والانتظام الإيجابي في محيطها الإقليمي.
بداية الانعطاف السياسي مع حلول ربيع عام 1995 بدأت تظهر مؤشرات على رغبة سودانية في إعادة بناء العلاقات مع السعودية. وتشير الوثائق إلى أن هذه الجهود جاءت نتيجة مراجعات داخلية استمرت أشهراً عدة داخل أروقة النظام السوداني. سعى نظام عمر البشير إلى تحسين علاقاته مع السعودية عام 1995 ( الأرشيف البريطاني) وخلال تلك الفترة نقل السفير السعودي في الخرطوم محمد بن صالح الغامدي سلسلة من الرسائل والمؤشرات التي تعكس حجم الاهتمام السوداني بالتقارب مع المملكة، من أبرزها سعي نائب الرئيس السوداني الزبير محمد صالح إلى عقد لقاءات مع كبار المسؤولين السعوديين خلال موسم الحج.
اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ولم يكُن اختيار موسم الحج مصادفة، فالقيادة السودانية كانت تدرك المكانة الدينية والسياسية الفريدة التي تتمتع بها السعودية في العالم الإسلامي، وكانت ترى أن أي انفراج حقيقي في علاقاتها الخارجية يجب أن يبدأ من الرياض. وتمكن الزبير من لقاء الملك فهد بن عبدالعزيز وولي العهد والنائب الثاني في لقاءات مختصرة لكنها حملت رسائل سياسية مهمة.
والأهم من ذلك أن المسؤولين السودانيين بدأوا، وفقاً للوثائق، الاعتراف بصورة صريحة بأن بعض سياساتهم السابقة كانت خاطئة وأدت إلى إحراج النظام وزيادة عزلته الإقليمية. كما أبدوا استعداداً لمراجعة هذه السياسات سعياً إلى استعادة الثقة السعودية.
الوثائق البريطانية تؤكد أن المسؤولين السودانيين بدأوا الاعتراف بأن سياساتهم السابقة كانت خاطئة ( الأرشيف البريطاني) وتكشف الوثائق عن جانب من اعتقاد لندن بأن الرياض تستطيع القيام بدور إيجابي في دفع الخرطوم نحو مراجعة سياساتها، خصوصاً في الملفات المتعلقة بالعلاقات الخارجية ودعم الجماعات المتطرفة وحقوق الإنسان. انتقال الحوار إلى المستوى الرسمي مع تزايد المؤشرات الإيجابية، انتقلت عملية التقارب إلى مرحلة أكثر تقدماً خلال يوليو (تموز) عام 1995،
فاستقبلت السعودية وزير الخارجية السوداني علي عثمان محمد طه في زيارة رسمية حملت دلالات سياسية كبيرة. وشملت الزيارة لقاءات مع وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل ووزير الدفاع الأمير سلطان بن عبدالعزيز. وخلال الزيارة سلم الوزير السوداني رسالة خطية من الرئيس عمر حسن البشير إلى الملك فهد بن عبدالعزيز. وعلى رغم أن الوثائق لم تكشف عن مضمون الرسالة بالتفصيل،
فإن سياق الأحداث يشير إلى أنها كانت جزءاً من محاولة سودانية شاملة لإعادة بناء الثقة مع المملكة. زيارة وزير الخارجية السوداني علي عثمان محمد طه الى السعودية كانت محاولة لإعادة بناء الثقة مع السعودية ( الأرشيف البريطاني) وعكست هذه الزيارة إدراك الخرطوم أن بوابة العودة لمحيطها العربي تمر عبر الرياض، وأن تحسين العلاقات مع المملكة أصبح أولوية استراتيجية لا يمكن تأجيلها. رسائل حسن نية أدار وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل الملف السوداني بأسلوب يجمع بين الانفتاح والحذر.
فمن جهة، حرص على استقبال الوفود السودانية ومنحها فرصة عرض رؤيتها ومطالبها، وحافظ من جهة أخرى على موقف سعودي ثابت يقوم على ضرورة ترجمة الأقوال إلى أفعال. وبحلول سبتمبر (أيلول) بدأت نتائج المسار الدبلوماسي السعودي تظهر بصورة أكثر وضوحاً.
ففي خطوة غير مسبوقة، شهدت الخرطوم احتفالاً واسعاً باليوم الوطني السعودي، وهو تحول لافت مقارنة بما حدث في العام السابق عندما قاطعت الحكومة السودانية المناسبة بصورة كاملة. ورافقت الاحتفالات تغطية إعلامية إيجابية في الصحف والتلفزيون السودانيين،
كما شارك فيها عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين. ولم يكُن الأمر مجرد احتفال بروتوكولي، بل حمل دلالات سياسية واضحة، فالخرطوم كانت تسعى إلى توجيه رسالة مفادها بأنها ترغب بالفعل في فتح صفحة جديدة مع المملكة.
كذلك، حرص مسؤولون سودانيون على نفي أية تصريحات يمكن أن تُفهم باعتبارها مسيئة للمملكة، مؤكدين أن العلاقات الثنائية تتجه نحو مزيد من التحسن. عودة السفير السوداني وملف "بن لادن" كان تعيين الدكتور عطالله حمد بشير سفيراً للسودان لدى السعودية أحد أهم التطورات السياسية خلال عام 1995،
إذ إنه لم يكُن مجرد إجراء إداري روتيني، بل مثّل إعلاناً عملياً عن انتهاء مرحلة الجمود التي استمرت منذ عام 1992. وعلى رغم التحسن المتزايد في العلاقات، لم تتخلَّ المملكة عن موقفها الحازم تجاه القضايا الأمنية،
وعلى رأسها ملف أسامة بن لادن، فالرياض كانت ترى أن أي تقارب حقيقي يجب أن ينعكس على الأرض من خلال إجراءات واضحة تجاه النشاطات التي تثير القلق الأمني. وتشير الوثائق إلى أن المملكة لم تكتفِ بالوعود أو التصريحات، بل أصرت على رؤية خطوات عملية تؤكد جدية الخرطوم.
على رغم التحسن المتزايد في العلاقات بين الرياض والخرطوم لم تتخل السعودية عن موقفها تجاه القضايا الأمنية ( الأرشيف البريطاني) وأدى هذا الموقف السعودي إلى ضغوط متزايدة على بن لادن داخل السودان، إذ بدأت السلطات السودانية بتقليص هامش حركته والضغط عليه لتقليص أنشطته، وظهرت أيضاً مؤشرات على محاولات بيع منشآته ومعسكراته، بما في ذلك موقع سوبا الشهير.
بنهاية عام 1995 كانت العلاقات السعودية- السودانية دخلت مرحلة جديدة، وأصبحت المملكة مرة أخرى محوراً أساساً في حسابات الخرطوم السياسية والإقليمية، في دليل إضافي على المكانة التي رسختها الرياض عبر عقود من العمل الدبلوماسي الهادئ والفاعل.