جاء إدراج محلية أبيي المتنازع عليها بين دولتي السودان وجنوب السودان، ضمن الدوائر الجغرافية المعتمدة للانتخابات العامة في جنوب السودان بوصفه قراراً سياسياً يتجاوز حدود الإدارة الانتخابية إلى صميم النزاع على السيادة والشرعية والتمثيل، فقد أعلنت المفوضية القومية للانتخابات اعتماد 102 دائرة جغرافية استعداداً للاستحقاق المقرر في الـ22 من ديسمبر (كانون الأول) المقبل، من بينها 12 دائرة في ولاية واراب،

شملت محلية أبيي. وبينما يبدو القرار، من الناحية الإجرائية، جزءاً من استكمال المتطلبات القانونية للعملية الانتخابية،

فإنه يفتح في الواقع فصلاً جديداً في التنافس حول وضع أبيي، الإقليم الذي ظل، منذ اتفاق السلام الشامل عام 2005، معلقاً بين ترتيبات انتقالية لم تستكمل وتسويات سياسية لم تنضج.

وتكتسب هذه الخطوة وزناً استثنائياً لأنها تأتي في سياق أول انتخابات عامة منذ استقلال جنوب السودان عام 2011، بعد سلسلة من التأجيلات انتهت بالتمديد الرابع للفترة الانتقالية في سبتمبر (أيلول) 2024، الذي نقل موعد الانتخابات من نهاية ذلك العام إلى ديسمبر المقبل. وبذلك،

فإن هذه الانتخابات بالنسبة إلى الدولة، لا تمثل اختباراً لقدرتها على تنظيم انتقال سياسي فحسب، وإنما أيضاً اختباراً لقدرتها على إدارة تناقضات اتفاق السلام، وإعادة إنتاج الشرعية عبر صناديق الاقتراع في ظل بيئة تتشابك فيها الأزمات الأمنية والمالية والمؤسسية.

غير أن استحضار أبيي في هذا السياق لا يمكن عزله عن طبيعة النزاع ذاته، فهي ليست مجرد مساحة جغرافية أدرجت ضمن خريطة انتخابية، بل نقطة مشتعلة تتقاطع عندها اعتبارات الهوية والانتماء والسيادة والموارد. ومن ثم،

فإن تضمينها ضمن الدوائر الانتخابية يتجاوز أثره الداخلي، ليبعث برسائل سياسية وقانونية إلى الخرطوم، وإلى بعثة الأمم المتحدة الموقتة في أبيي (يونيسيفا)، وإلى الأطراف الدولية التي تعاملت مع وضع المنطقة على أنه ملف عالق بانتظار تسوية نهائية.

ومن هذه الزاوية، يغدو القرار أكثر من إجراء انتخابي ليذهب كمحاولة لإعادة تعريف الوقائع على الأرض عبر أدوات السياسة الداخلية، بما قد ينعكس مباشرة على مستقبل النزاع وحدود التسوية الممكنة بين السودان وجنوب السودان. جذور متشابكة لم يبدأ النزاع في أبيي مع انفصال جنوب السودان عام 2011،

بل سبق ذلك بعقود، حين أصبحت المنطقة موضع تنازع بين روايتين تاريخيتين متنافستين، لكل منهما سندها السياسي وقراءتها الخاصة للماضي. وتعود الجذور القانونية للنزاع إلى القرار الإداري الذي اتخذته الإدارة الاستعمارية البريطانية عام 1905،

بنقل مشيخات دينكا نقوك التسع من بحر الغزال إلى مديرية كردفان لأغراض إدارية. وقد أصبح هذا القرار لاحقاً المرجعية الأساسية التي استندت إليها مؤسسات التحكيم الدولية، ولا سيما محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي، التي عرفت أبيي باعتبارها المنطقة التي شملها ذلك النقل الإداري.

غير أن هذا التعريف لم ينه الجدل، بل أعاد إنتاجه بصيغة قانونية، إذ رأت قبائل المسيرية فيه تأكيداً لارتباط المنطقة بالشمال، بينما تمسكت دينكا نقوك برواية تاريخية أسبق،

تستند إلى وجودها التقليدي جنوب بحر العرب قبل انتقال المسيرية الموسمي إلى المنطقة، في ظل غياب أدلة تاريخية قاطعة تحسم أسبقية الاستيطان بصورة نهائية. يشدد خطاب قيادات دينكا نقوك على أن الشرعية تقاس بقدرة الدولة على إدارة حياة السكان اليومية، وليس بمجرد التمسك بالمطالب القانونية المجردة (غيتي) ومع توقيع اتفاق السلام الشامل في نيفاشا عام 2005،

برزت أبيي باعتبارها إحدى قضايا الوضع النهائي التي أرجئ حسمها إلى ترتيبات لاحقة، عبر بروتوكول خاص نص على إجراء استفتاء يحدد تبعية المنطقة. إلا أن الخلاف حول من يملك حق التصويت، هل يقتصر على دينكا نقوك بوصفهم السكان الدائمين،

أم يشمل أيضاً المسيرية الذين يرتبطون بالمنطقة عبر مسارات الرعي الموسمية، أفشل تنفيذ الاستفتاء، وأبقى الملف مفتوحاً. ومع انفصال جنوب السودان،

انتقل النزاع من كونه خلافاً داخلياً بين شريكي اتفاق السلام إلى نزاع سيادي بين دولتين، بما حمله ذلك من تعقيدات قانونية وأمنية وإقليمية. ولم يخل المسار اللاحق من محاولات فرض وقائع سياسية متعارضة، ففي عام 2013،

نظمت دينكا نقوك استفتاء أحادياً أعلنت من خلاله تأييدها الانضمام إلى جنوب السودان، من دون مشاركة المسيرية، وهو ما رفضته الخرطوم ولم يحظ باعتراف دولي بوصفه استفتاء ملزماً. وفي المقابل،

ضمت المفوضية القومية للانتخابات السودانية أبيي إلى الدوائر الجغرافية لانتخابات عام 2015 باعتبارها جزءاً من السودان، في خطوة قوبلت باعتراضات واسعة من قيادات دينكا نقوك، بينما رأى قطاع من سكان المنطقة أن إدخال أبيي في أي استحقاق انتخابي قبل تسوية وضعها النهائي لا يؤدي إلا إلى تعميق النزاع بدلاً من احتوائه. توظيف القضية يمثل القرار بالنسبة إلى الحكومة السودانية،

تجاوزاً مباشراً للإطار القانوني الذي يحكم وضع أبيي، بدءاً من بروتوكول أبيي الملحق باتفاق نيفاشا، مروراً باتفاق الترتيبات الأمنية والإدارية الموقتة لعام 2011، وانتهاء بقرار مجلس الأمن رقم (2046) لسنة 2012،

الذي ألزم الطرفين مواصلة التفاوض وصولاً إلى تسوية نهائية. ومن هذا المنطلق، جاء رفض الخرطوم بوصفه دفاعاً عن مبدأ عدم جواز فرض وقائع قانونية أو سياسية أحادية على منطقة لا يزال وضعها النهائي محل تفاوض. كذلك يعكس هذا الموقف حرص السودان على منع أي خطوة قد تفسر دولياً باعتبارها تكريساً ضمنياً لسيادة جنوب السودان على أبيي قبل استكمال المسار التفاوضي.

وفي المقابل، يوفر القرار لحكومة جنوب السودان فرصة لتعزيز ممارستها الفعلية للسلطة في أبيي، استناداً إلى حقيقة أنها الجهة التي تدير جانباً كبيراً من الخدمات المدنية والإدارية في المنطقة منذ أعوام. ويعزز هذا الواقع خطاب قيادات دينكا نقوك التي ترى أن الشرعية تقاس بقدرة الدولة على إدارة حياة السكان اليومية،

وليس بمجرد التمسك بالمطالب القانونية المجردة. لذلك لم يكن مستغرباً أن يرفض السلطان بلبك دينق، ابن الزعيم التاريخي الراحل دينق مجوك، الانتقادات السودانية،

متهماً الخرطوم بإهمال سكان أبيي، وعد أن تأخر تنفيذ الاستفتاء المنصوص عليه في اتفاق السلام الشامل يعود، في جانب منه، إلى الخلافات السياسية التي عطلت استكمال الاستحقاقات المتفق عليها.

أما التصريحات المنسوبة إلى أحد ممثلي "تأسيس"، التي أوحت بوجود إدارة تمثل أبيي وتحظى باعتراف من بعثة الأمم المتحدة الموقتة في أبيي (يونيسيفا)، فقد أثارت ردود فعل واسعة داخل المنطقة، إذ سارعت منظمات المجتمع المدني إلى نفي هذه المزاعم،

مؤكدة أن أي ادعاء بتمثيل أبيي خارج الأطر القانونية المعترف بها من شأنه أن يربك المشهد المحلي ويقوض الثقة في المؤسسات القائمة وجهود التسوية. وبالنسبة إلى سكان المنطقة، لا يكمن الخطر في اختلاف المواقف، وإنما في تحول قضيتهم إلى ساحة تتنافس فيها أطراف خارجية ومحلية على احتكار التمثيل السياسي،

بما يهدد بإضعاف المرجعيات القانونية التي استند إليها ملف أبيي طوال العقدين الماضيين. ومن ثم، فإن الخاسر الأول من أي محاولة لفرض تمثيل مواز أو شرعية متنازع عليها قد يكون مجتمع أبيي نفسه، الذي يجد نفسه مرة أخرى بين حسابات الدول ومنافسة القوى المسلحة واستقطابات السياسة الإقليمية،

بينما يظل الحل النهائي مؤجلاً، وتبقى الحياة اليومية لسكان المنطقة رهينة نزاع لم تنجح الدبلوماسية، حتى الآن، في إخراجه من دائرته المغلقة.

يحمل القرار رسالة إلى الوسطاء الإقليميين والدوليين مفادها بأن استمرار تجميد ملف أبيي لم يعد خياراً مقبولاً بالنسبة إلى جوبا (غيتي) دوافع القرار يصعب النظر إلى قرار جنوب السودان إدراج محلية أبيي ضمن الدوائر الجغرافية للانتخابات المقبلة باعتباره إجراء انتخابياً محضاً، إذ إن طبيعة المنطقة ووضعها القانوني الخاص يجعلان أي خطوة تتعلق بها عملاً سيادياً، تتجاوز آثاره حدود الإدارة الداخلية إلى موازين القوة بين جوبا والخرطوم. وتبدو الدوافع المباشرة للقرار مرتبطة في حاجة حكومة جنوب السودان إلى إظهار أن الانتخابات ستشمل جميع المناطق التي تعدها جزءاً من نطاقها الوطني،

بما يعزز سرديتها الداخلية ويمنحها رصيداً سياسياً أمام قواعدها، ولا سيما داخل مجتمع دينكا نقوك الذي ظل يعد أبيي جزءاً من جنوب السودان، وينظر إلى تأجيل حسم وضعها النهائي باعتباره ظلماً تاريخياً أكثر منه نزاعاً حدودياً. كذلك يمنح القرار القيادة في جوبا فرصة لإظهار أنها لم تتخل عن أحد أكثر الملفات حساسية في الوجدان السياسي الجنوبي،

في وقت تواجه فيه انتقادات متزايدة في شأن بطء تنفيذ استحقاقات المرحلة الانتقالية. غير أن الدوافع الأعمق تتجاوز الحسابات الانتخابية، فالحرب المستمرة في السودان أعادت تشكيل البيئة الاستراتيجية التي تتحرك فيها جوبا، وأوجدت هامشاً سياسياً لاختبار مواقف كانت،

في ظروف الاستقرار، ستواجه بردود أكثر صلابة. وانشغال الدولة السودانية بصراعها الداخلي، وتراجع قدرتها على إدارة ملفات الأطراف،

يمنحان دولة جنوب السودان فرصة لتوسيع حضورها الإداري والسياسي في أبيي بأقل كلفة ممكنة، مع إدراكها أن قدرة الخرطوم على ترجمة اعتراضاتها إلى إجراءات عملية تبقى محدودة في ظل أولويات الحرب. ومن زاوية أخرى، يحمل القرار رسالة إلى الوسطاء الإقليميين والدوليين مفادها بأن استمرار تجميد ملف أبيي لم يعد خياراً مقبولاً بالنسبة إلى جوبا،

فبدلاً من انتظار استفتاء تعثر لأكثر من عقدين، تبدو القيادة الجنوبية وكأنها تنتقل تدريجاً إلى سياسة "تراكم الوقائع"، أي تعزيز الإدارة المدنية وتوسيع الحضور المؤسسي وربط المنطقة بمؤسسات الدولة عبر أدوات تبدو قانونية في ظاهرها، لكنها تنتج،

مع مرور الوقت، آثاراً سياسية يصعب تجاهلها في أي مفاوضات مستقبلية. ولا يمكن فصل هذه الحسابات عن البعد الداخلي للصراع السوداني نفسه، فالتشظي الذي أصاب مراكز السلطة في السودان،

وظهور قوى متنافسة تدعي تمثيل الدولة أو أجزاء منها، يخلقان بيئة تفاوضية ضبابية، تدرك جوبا أنها قد لا تتكرر إذا استعاد السودان تماسك مؤسساته. لذلك،

يبدو توقيت القرار محسوباً بعناية، فهو يستثمر لحظة اختلال التوازن الإقليمي لإعادة تثبيت الموقف الجنوبي في ملف ظل، طوال عقدين، معلقاً بين النصوص القانونية والوقائع الميدانية.

وفي هذا المعنى، فإن إدراج أبيي في الخريطة الانتخابية ليس إعلاناً بحسم النزاع، بقدر ما هو محاولة لإعادة صياغة شروط التفاوض عليه، انطلاقاً من وقائع جديدة يراد لها أن تسبق أي تسوية سياسية مقبلة.

اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) سيناريوهات محتملة من غير المرجح أن يقود قرار إدراج محلية أبيي ضمن الدوائر الانتخابية في جنوب السودان إلى حسم النزاع على المنطقة، لكنه مرشح لأن يفتح مرحلة جديدة من إدارة الصراع، تختلف عن سابقاتها في الأدوات أكثر مما تختلف في الأهداف، فالقضية لم تعد تدور حول ترسيم حدود جغرافية فحسب،

بل حول بناء وقائع سياسية وإدارية متراكمة يسعى كل طرف إلى تحويلها، مع مرور الوقت، إلى حقائق قانونية يصعب التراجع عنها. ولذلك،

فإن الأشهر التي تسبق الانتخابات ستكون، على الأرجح، مسرحاً لتنافس هادئ في الظاهر، لكنه شديد الكثافة في مضمونه.

السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في استمرار جنوب السودان في المضي قدماً بالإجراءات الانتخابية الخاصة بأبيي، مع الحرص على إبقاء التحرك ضمن سقف لا يستفز المجتمع الدولي إلى حد إعادة فتح الأزمة بصورة حادة. وفي المقابل، ستواصل الخرطوم رفضها القانوني والدبلوماسي،

مع تكثيف تحركاتها داخل الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي للتأكيد أن أي إجراء أحادي لا يغير الوضع القانوني للمنطقة. وبين هذين المسارين، ستسعى بعثة الأمم المتحدة الموقتة في أبيي (يونيسيفا) إلى احتواء التوتر ومنع انزلاقه إلى مواجهة ميدانية، انطلاقاً من ولايتها القائمة على حفظ الاستقرار لا الفصل في النزاع.

أما السيناريو الأقل احتمالاً، وإن ظل قائماً، فهو انتقال الخلاف من المستوى السياسي إلى احتكاكات أمنية محلية، سواء بين المجتمعات الرعوية خلال مواسم الحركة التقليدية،

أو نتيجة محاولات فرض ترتيبات إدارية متعارضة داخل المنطقة. غير أن هذا الاحتمال يبقى مقيداً بإدراك الطرفين أن أي تصعيد واسع سيستدعي ضغوطاً إقليمية ودولية لا تخدم مصالحهما في هذه المرحلة، ولا سيما في ظل هشاشة الأوضاع الداخلية في كل من السودان وجنوب السودان. وفي المقابل،

لا ينبغي استبعاد سيناريو ثالث يقوم على إدارة الأزمة بدلاً من حلها، وهو السيناريو الذي حكم ملف أبيي طوال العقدين الماضيين، فقد يكتفي المجتمع الدولي بالتعامل مع القرار بوصفه تطوراً سياسياً لا يرقى إلى تغيير المركز القانوني للإقليم، مع الدعوة إلى استئناف التفاوض تحت المظلة الأفريقية والأممية.

وهذا النمط من الاحتواء الدائم أثبت، على رغم محدودية نتائجه، أنه الخيار المفضل لدى القوى الدولية التي تنظر إلى استقرار الحدود بين الدولتين باعتباره أولوية تتقدم على حسم النزاع نفسه. لن تكون الانتخابات هي اللحظة الفاصلة في قضية أبيي،

بل ستكون اختباراً جديداً لميزان الإرادات بين الخرطوم وجوبا. وإذا كان الماضي قد دار حول تفسير الاتفاقات، فإن المرحلة المقبلة ستدور، بدرجة أكبر،

حول من يمتلك القدرة على إنتاج الوقائع الأكثر رسوخاً على الأرض من دون تجاوز الخطوط التي قد تدفع الإقليم إلى مواجهة مفتوحة.