رشان أوشي: طائر الاعتقال يقال حذارِ للصحافي الذي خرج للخبر أن يكون هو نفسه خبراً. ووقع المحظور. فصارت الصحافة في السودان خبراً بعد واقعة محاكمة الصحافية رشان أوشي بالسجن والغرامة في بلاغ رفعه ضدها من اتهمته في ذمته المالية ولم تثبت التهمة عليه. وأوشي طائر اعتقال على وزن "طائر سجن" الإنجليزية.

كان أول اعتقال لها خلال ديسمبر (كانون الأول) عام 2014 في ملابسات حول قضية مرفوعة من جهاز الأمن القومي لها بإشانة السمعة. ثم ثار خلاف بينها وبين مذيع تلفزيوني خلال يونيو (حزيران) عام 2020 ورتبت لمقاضاته عن اتهامات صدرت عنه بخصوصها، ثم اعتقلتها السلطات خلال أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023 لنشرها على حسابها بـ"فيسبوك" قضايا تتعلق بالطيران المدني، ثم جاءت قضيتها الأخيرة التي كانت اعتقلت لأجلها خلال يناير (كانون الثاني) عام 2025 التي انتهت إلى إدانتها وعقابها.

فقضت محكمة جرائم المعلوماتية بمدينة بورتسودان شرق السودان، بالسجن لمدة عام وغرامة مالية قدرها 10 ملايين جنيه سوداني (16 ألف دولار) في بلاغ مقدم ضدها. وجاءت اتهامات الشاكي لأوشي عما نشرته عنه في مقال بعنوان "السودان في مهب الخيانة". قدمت له بما ينتظر السودان بعد نهاية الحرب من واقع مأسوي وغامض "هو استشراء الفساد في عصب الدولة وتفاقم الخيانة" التي ستصبح سلوكاً عادياً غير مستهجن،

ثم خاضت في فساد الضابط بوزارة الداخلية وكانت انتدبته قنصلاً في سفارة السودان لدى القاهرة من بيع للوحة عربته الحكومية، وعقد علاقات مشبوهة مع شركات النقل التي تحمل العائدين للوطن، واستخراج تأشيرات دخول السودان لقاء مقابل مالي، وغيرها،

مما لفت انتباه الأجهزة المصرية. وزادت بقولها إن نبأ الضابط بلغ وزارة الداخلية فحفظ مديرها الملف واكتفى بنقل "الضابط الخائن" إلى موقع قنصلي آخر. ولإبعاد التهمة منه قام بما أزعج الأمن المصري فخاطب الشرطة السودانية وبلغت المسألة أسماع مجلس السيادة ففصله خلال ديسمبر من عام 2024. ولم تكتف وزارة الداخلية السودانية بـ"محاولة التستر على جريمة الخيانة العظمى" ببيع الضابط ممتلكات الدولة لأحد قادة ميليشيات "الدعم السريع"،

بل استرحمت مجلس السيادة بإعادة النظر في فصله وهو ما حدث. وختمت مقالها بوصف من يفسدون في مفاصل الدولة بـ"العصابات" التي تهدد مستقبل البلاد، وادعت أن الحرب فتحت أعين السودانيين لـ"منهج الفساد والخيانة داخل أروقة المؤسسات". ونجحت "الأجاويد" أخيراً في كسب الضابط إلى التنازل عن الحق الخاص ففعل وأطلق سراح أوشي.

وقال الضابط إن القضية تتعلق باتهامات نشرت بحقه بصورة علنية ولم يرد بلجوئه للقضاء استهداف الصحافة، فالتضرر هو ما حمله على ذلك. وقال في رسالة متداولة إن احترامه لحق التعبير لا يلغي ضرورة الفصل بين الرأي الشخصي والادعاءات التي تستوجب إثباتاً قانونياً، مشيراً إلى أن المحكمة نظرت القضية وفق الإجراءات المعمول بها ومنحت المتهمة حق الدفاع.

وأوضح أن الصحافية تمسكت بعدم الكشف عن مصدر معلوماتها، لكنها لم تقدم ما يثبت صحة ما نشر، مما أدى إلى صدور الحكم وتنفيذه وفق القانون. وقال إن التنازل عن حقه الشخصي في القضية كطلب الأجاويد قيمة إنسانية معتبرة،

لكنه شدد على أن حفظ السمعة ورد الاعتبار حق قانوني لأي مواطن عندما يكون الضرر علنياً وله تأثير مهني وشخصي. المقال "الخلاقي" مثل كلمات أوشي هو ما انتهت إليه الصحافة السودانية. وهو جنس كتابي مما قد يسميه السوداني "خلاقي" أي مشوه ناقص التكوين. فلا هو قصة خبرية تريك ما حدث فتزود القارئ بمعرفة،

ولا هو مقال رأي فيما حدث فيفسر للقارئ واقعاً، أو يحمله على قبول ما يراه الكاتب عنه. فقصة الخبر مثلاً تعرفنا عن دراسات كشفت عن أن تغير المناخ يزيد من ارتفاع مستوى البحار. ويأتي كاتب الرأي ليدفع بفكرته من أنه وجب علينا وقف كل دعم للنفط الأحفوري لمنع كارثة لا عودة منها بسبب عواقبه على البيئة.

وللتبسيط المخل نقول إن القصة الخبرية تريك ما الذي حدث، بينما مقال الرأي هو عما رآه أحدهم حول الذي حدث. وسترى من مقال أوشي أنه عن الأمرين معاً. فهو مقال صحافي عما حدث،

أو قالت إنه حدث بغير التحقق من حدوثه كما تقتضي القصة الخبرية، وهو رأي لم يُبنَ على واقعة وصكت لغته الأسماع. فكيف تخلق هذا الجنس الصحافي "الخلاقي"؟ خرج هذه الجنس في الكتابة الصحافية علينا من بيئة صحافية خيمت عليها نظم ديكتاتورية بلغ ببعضها تأميم الصحافة كما فعل الرئيس جعفر نميري (1969-1985) والرئيس المخلوع حسن البشير (1989-2019) في أول عهده،

ناهيك بفترة الفريق إبراهيم عبود (1958-1964) التي استمزجت تأميم الصحافة ثم تركتها لترعى بقيدها. فتخلق هذا الجنس في دوائر المعارضة، وهي معارضة قل إن اهتمت بالتدقيق في الوقائع التي تذيعها، بل لربما اختلقتها في مثل إشاعتها عن مصنع الشفاء في الخرطوم بحري الذي قالت إنه يصنع أسلحة كيماوية،

فاستهدفته أميركا بهجوم صاروخي خلال عام 1998. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وبدا أن صمود المعارضة لـ"حكومة بورتسودان" تستنسخ الواقعة بتزوير القوات المسلحة باستخدام السلاح الكيماوي في حربها هذه. وتدامج مع الواقعة غير المتحقق منها، أو المصنوعة،

أي مع القصة الخبرية في صحافتنا مقال الرأي المعروف عن معارض لحكومة فاكتمل تخلق هذا الجنس الهجين. وما أغرى القلم المعارض بهذا الجنس أنه يخاطب جمهوراً لا يسألونه على ما قال برهاناً ولا أسلوباً. فالحكاية "ردم" وكل من يحب النبي يزق. ويعرف مثل هذا الجمهور بـ"الأخيذ".

وهكذا تخلصوا من القراء لأنهم "في الجيب" لتصير الكتابة عندهم بعد ذلك حمماً معارضة من منجنيقهم مباشرة للحكومة. فخرج جراء تسيد هذا الجنس الخلاقي القارئ بالكلية من الواقعة الكلامية لتتحول إلى حرب الديك سك الديك بين المعارض (المُخاطِب) والحكومة (المُخاطَب). ولما غاب القارئ قلت عناية الصحافي بالتحقق من الوقائع التي يعرف بها، أو إحسان التعبير عن رأي لا يطلب غير إشانة سمعة الحكومة.

عن صالة التحرير كان المدخل الغالب على قضية رشان أوشي تضامناً نقابياً معها من جهة تأمين حرية الصحافة. فرأى المراقبون أن القضية تجاوزت إطارها القانوني البحت، لتتحول إلى نقاش أوسع حول مستقبل الصحافة وحدود استخدام قانون جرائم المعلوماتية في التعامل مع الصحافيين والكتاب. وجاء عن الكاتب إبراهيم شقلاوي تحذير من التوسع في استخدام الحبس ضد الصحافيين بما يثير مخاوف مشروعة من تحول القانون من أداة لحماية الحقوق إلى أداة إنتاج للخوف والابتزاز داخل الوسط الإعلامي.

والتمس الدماثة في التعاطي مع مؤسسة كالصحافة افتضت مهنتها أن تقترب جداً من "من مناطق النفوذ والفساد والسلطة، وهي مناطق محفوفة دوماً بالأخطار القانونية والسياسية"، كما قال شقلاوي. ومع عاطفة عادل الباز رئيس تحرير "الأحداث" النقابية مع أوشي،

إلا أنه جاء إلى مسألتها بدرب المهنة. فقال إن جذر المسألة في "الانفلات الصحافي" لو شئت هو "غياب صالة التحرير" التي عليها مدار الضبط المهني والرقابي. وكانت الحرب التي هدمت بيع الصحافة وشردت صحافييها في الآفاق هي خاتمة تآكل طويل في هذه الصالة غلب عمود الرأي على القصة الصحافية، وتلاشت كلمة المحرر،

واختفى سلك المراسلين مما جعل الصحيفة حالة خرطومية خالصة محرورها في نزال مع صفوة الحكومة الذين مبلغ علمها ونقدها. وبينما طلب إبراهيم شقلاوي "الرأفة" بالصحافة لأنها في "مناطق النفوذ والفساد والسلطة" تجد الباز يدعوها لتحذر من قربها من هذه المناطق. فقال إن الدولة في يومنا في حالات سيولة وخصومات، مما ينبغي للصحافيين النأي بأنفسهم من أن يكونوا ضحية لها.

فتسريب الوثيقة بين أطرافها لخدمة أغراضها، في قول الباز، مما يلزم الصحافة بشك استثنائي فيما يقع في يده منها. وفي مثل حربنا والظن في طهارة الدولة المناطة بإدارتها الحرب يكون لخبر عن الفساد بريق يغري الصحافي العجول للشهرة "واللايكات".

وزاد بأن انزلاق الصحافة في سكة التفريط في مهنيتها بأي وازع خسارة فادحة لأنها الرقيب الوحيد في يومنا على حكومة لا تخوض حرباً فحسب، بل جاءت لها أيضاً بشرعية في غاية الركاكة. تستدعي واقعة صيرورة الصحافة نفسها خبراً وقفة منها حيال النفس غير مسبوقة. وأعفاها منها أنها انظلمت من الديكتاتوريات المتعاقبة في السودان في مثل مجزرة الصحافة على يد جهاز الأمن والاستخبارات الوطني في دولة الإنقاذ الذي كاد يصادر فيها اسم صحيفة في يوم واحد.

وربما جاء اليوم لتخرج الصحافة من جلدة مظلوميتها لترى كيف صدأت بها مهنيتها. وبواقع الحرب ربما صح السؤال إن كام فينا صحافة بالتعريف أم صارت مثار أعمدة رأي هنا وهناك.