لم تتمكن أسرة حنان موسى التي كانت تعاني آلام المخاض من إسعافها بعدما تعذر نقلها إلى مستشفى أم دخن بولاية وسط دارفور، إذ حالت تدفقات مياه الأودية في منطقة أم دافوق على بعد 250 كيلومتراً جنوب غربي نيالا بولاية جنوب دارفور جراء هطول الأمطار الغزيرة، دون إنقاذها من الموت، في حين كان ذووها يتسابقون في جمع المال لاستئجار وسيلة نقل،
لكنها فارقت الحياة إثر نزف حاد. حالة حنان ليست منفردة، بل تواجه نساء تلك المناطق وهنّ في أشهر الحمل مضاعفات الحمل والولادة، مما أدى إلى تكرار حالات الوفاة وبخاصة في محليتي أم دافوق ورهيد البردي بالولاية نفسها في ظل انقطاع الطرق وعدم الاستجابة السريعة لإنقاذ الحوامل،
اللاتي يلجأن في مناطق أخرى في دارفور لقطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام أو على ظهور الدواب أو محمولات على الأكتاف، فيما تحمل أخريات على نقالات خشبية بحثاً عن مستشفيات لتوليدهن. وبين وعورة الطرق وانقطاعها خلال موسم الأمطار، وشح وسائل النقل والخدمات الصحية،
قد يتحول إنقاذهن إلى سباق مع الموت. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) هذه الحالات تكشف عن أزمة صحية وإنسانية تواجهها النساء في إقليم دارفور نتيجة تراجع خدمات الرعاية الإنجابية غداة اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023، مما أدى إلى خروج المستشفيات والمراكز المتخصصة من الخدمة، وفاقم معاناة الحوامل وحرمهن من خدمات المتابعة والولادة الآمنة.
وبحسب شبكة دارفور لحقوق الإنسان، وهي منظمة غير حكومية تعمل على رصد وتوثيق الانتهاكات ضد المدنيين في ولايات دارفور الكبرى، فإن النساء الحوامل يقطعن مسافات طويلة للوصول إلى أقرب مرفق صحي، بينما تقع غالبيتها على بعد كيلومترات من القرى والمناطق الريفية ولكن تبقى وسائل النقل محدودة.
وتشير الشبكة إلى أن النساء اللواتي يواجهن ولادة متعسرة في الغالب لا يحصلن على الرعاية المنقذة مما يؤدي إلى وفاتهن. ووفقاً لتقديرات منظمة الصحة العالمية، فإن حوالى 8.1 مليون من النساء والفتيات في سن الإنجاب في السودان يحتجن إلى خدمات صحية عاجلة، من بينهن أكثر من 803 آلاف امرأة حامل في ظل تدهور واسع النطاق للنظام الصحي.
تدهور الخدمات يقول آدم فضل الله، المقيم في منطقة قولو بولاية وسط دارفور "زوجتي فارقت الحياة في وقت كنا نستعد لاستقبال مولودنا الأول، نتيجة صعوبة الوصول إلى المستشفى الوحيد الذي يقدم الخدمات للسكان، وفي ظل إمكانات ضعيفة وطبيب واحد يجري العمليات القيصرية،
مما أدى إلى ارتفاع أعداد المرضى ومعاناة النساء الحوامل، وبخاصة وهنّ على وشك الولادة". وأضاف "من المؤسف أن أوضاع النساء في القرى والمناطق الريفية حرجة للغاية، مما دفعهن إلى ممارسة طرق تقليدية أرجعتهن إلى عصر الولادة بالحبل،
التي أصبحت شائعة بسبب محدودية تلقي الرعاية الإنجابية وصعوبة الوصول إليها، بينما هناك مناطق أصبحت معزولة تماماً خلال موسم الخريف، وعلى رغم ذلك يحملن على الأكتاف أو على ظهر الدواب وهن يصرخن من شدة الألم لمعاناتهن الإجهاض أو النزف الحاد". 8.1 مليون من النساء والفتيات في سن الإنجاب في السودان يحتجن إلى خدمات صحية عاجلة (أ ف ب) وأشار فضل الله إلى أنه "من الأخطار التي تواجه النساء وتجعل أوضاعهن الصحية متدهورة في الإقليم نقص الغذاء الذي يقلل من مقاومتهن،
ومن ثم حدوث مضاعفات قبل وبعد الولادة في ظل تراجع الإنتاج الزراعي، وتزايد الضغوط الاقتصادية والصحية، وإصابة النساء الحوامل بسوء التغذية دون استجابة أو تدخلات سريعة، إلا من بعض المنظمات التي يظل عملها محدوداً ولا تغطي حاجاتهن بصورة واسعة،
في حين يعد توفير الغذاء أولوية لهن مقارنة بمتطلبات أخرى خاصة". أخطار ووفيات إلى ذلك، تشير مريم يوسف إحدى العاملات في مجال الصحة الإنجابية في أم دافوق، إلى أنه "في سياق الحرب تعد أوضاع النساء الحوامل في القرى والأرياف قاسية للغاية بسبب غياب القابلات في المراكز الصحية التي أغلقت أبوابها بعدما كانت تقدم الخدمات،
مما جعلهن عرضة للوفاة إزاء الولادة التقليدية في المنازل مع غياب التعقيم". موضحة أن "بُعد المستشفيات وانعدام وسائل النقل يحولان دون تلقي النساء الرعاية الكافية في أثناء الحمل، مما يزيد من حالات الوفيات". ومضت العاملة في الرعاية الإنجابية قائلة "لإنقاذ النساء،
سواء في أشهر الحمل أو في أثناء الوضع، يجب تفعيل خدمة المراكز الصحية في القرى والمحليات، مما يسهم في تفادي الأخطار التي تهدد حياتهن"، لافتة إلى أن "أعداد الوفيات المسجلة التي وصلت إلى نحو 12 حالة خلال شهر واحد،
لا تعكس جميع الحالات، خصوصاً أن هناك نساء لا يصلن إلى المستشفيات، بينما يتعذر تسجيلهن رسمياً". الناشطة النسوية عفاف حامد،
قالت إن "الحرب المستمرة في البلاد لا تزال النساء والفتيات تدفع ثمنها بينما تشكل تهديداً مباشراً على صحتهن الإنجابية، فضلاً عن النزوح، مما أدى إلى صعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية". النساء اللواتي يواجهن ولادة متعسرة في الغالب لا يحصلن على الرعاية المنقذة مما يؤدي إلى وفاتهن (أ ف ب) وتابعت "الصعوبات تتفاقم في موسم الأمطار نتيجة قطع الطرق،
بالتزامن مع توقف المرافق الصحية في كثير من المناطق، وأصبح الحصول على مستلزمات أساسية أمراً مستحيلاً". وأردفت "ما يفاقم أوضاعهن عدم الحصول على التطعيمات اللازمة في أثناء الحمل، إلى جانب عدم متابعة مراحل تطور نمو الجنين وإجراء فحوص دورية،
وجاء انعدام الكهرباء ليحد من إجراء العمليات القيصرية في المستشفيات التي تستقبل حالات من القرى والأرياف". مستشفيات تعاني وزادت "مستشفى الضعين في ولاية شرق دارفور أصبح وضعه مزرياً خصوصاً بعد تعرضه للقصف، وهو على هذه الحال يستقبل المرضى القادمين من محليات عدة على رغم نقص الأطباء والأدوية، وفي الوقت نفسه يشهد اكتظاظاً مع افتقاره إلى وحدة علاج متخصصة في مجال التوليد والصحة الإنجابية".
وترى الناشطة النسوية أن "على المنظمات الإنسانية الدولية والمحلية ووكالات الأمم المتحدة والجهات المسؤولة التحرك العاجل لتوفير الكوادر المتخصصة والأدوية والعلاجات المنقذة، علاوة على إنشاء عيادات متنقلة في القرى والمناطق التي تفتقر إلى الخدمات، لا سيما أن استمرار الوضع على الحال نفسها يؤدي إلى كارثة إنسانية حتمية، مما يتطلب وضع إستراتيجيات طويلة المدى،
من بينها تدريب القابلات وتوسيع الخدمات الصحية في القرى والمناطق الريفية للحد من الأخطار التي تواجه النساء". في السياق، أوضح الباحث الاجتماعي في قضايا إقليم دارفور محمد أبكر، أن "المستشفيات لا تزال توصد أبوابها بعدما كانت تقدم الخدمات قبل اندلاع الحرب،
مما فاقم معاناة الحوامل في خدمات الولادة الآمنة والرعاية الإنجابية والأمومة". وأشار إلى أن "عشرات النساء في مناطق متفرقة داخل الإقليم، خصوصاً في القرى، لقين حتفهن نتيجة الإجهاض أو فقر الدم والولادة الباكرة أو تعسرها في كثير من الحالات".
مؤكداً أن "المستشفيات والمراكز الصحية القليلة المتبقية لم تعد قادرة على إنقاذ النساء نتيجة شح الكوادر الطبية ونفاد الأدوية، لا سيما أن مستشفى قولو وترنتي هما الوحيدان القادران على إجراء العمليات القيصرية بعد توقف مستشفيات كبيرة عن العمل".