محامي كارلوس يكشف دور القذافي في عملية أوبك وكواليس اعتقاله في السودان في حلقة جديدة من برنامج «بلا تحفظ»، يكشف المحامي الفرنسي فرانسيس فويلمان تفاصيل من حياة موكله إيليتش راميريز سانشيز، المعروف باسم «كارلوس الثعلب»، الذي ارتبط اسمه بسلسلة من عمليات الاغتيال والتفجير واحتجاز الرهائن خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي،

مستعيدًا كواليس الهجوم على اجتماع منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» في فيينا عام 1975، والدور الذي ينسبه إلى الزعيم الليبي معمر القذافي في تمويل العملية، قبل أن ينتقل إلى علاقات كارلوس بأجهزة الاستخبارات في أوروبا الشرقية وسوريا، وملابسات اعتقاله في السودان عام 1994،

والأحكام القضائية التي أبقته خلف القضبان في فرنسا. ويعود فويلمان إلى لقائه الأول بكارلوس داخل سجن «لا سانتي» في باريس عام 1998، بعد أشهر من مشاركته في الدفاع عن المسؤول الفرنسي السابق موريس بابون، في محاكمة حظيت بتغطية إعلامية واسعة.

ويروي أن كارلوس تعرف إليه من خلال ظهوره التلفزيوني، ثم طلب منه تولي الدفاع عنه، لتبدأ علاقة مهنية استمرت أكثر من ربع قرن. ويقول: «كنت أعرف كارلوس من صورته في وسائل الإعلام،

رجلًا قاسي الملامح يرتدي نظارة سوداء، وتحيط به سمعة مخيفة. لكنني فوجئت عندما التقيته بشخص مرح ومثقف وودود، يتمتع بجاذبية كبيرة،

وإن كان شديد النرجسية. كانت شخصيته مختلفة تمامًا عن الصورة التي رسمتها له الصحافة» من جامعة موسكو إلى عملية أوبك... من موّل الهجوم؟ يتوقف فويلمان عند نشأة كارلوس في فنزويلا داخل أسرة ميسورة الحال،

موضحًا أن والده، الذي كان يعمل محاميًا، تبنى الفكر الماركسي اللينيني وأثر بصورة كبيرة في تكوين ابنه السياسي، حتى إنه اختار لأبنائه أسماء مستوحاة من الزعيم السوفييتي فلاديمير لينين.

ويشير إلى أن كارلوس تأثر كذلك بشخصيتي فيدل كاسترو وتشي غيفارا، قبل أن ينتقل إلى موسكو للدراسة في جامعة باتريس لومومبا أواخر الستينيات، حيث تعرف إلى طلاب فلسطينيين وبدأ اهتمامه بالقضية الفلسطينية. ويكشف فويلمان أن موكله أخبره بمحاولة جهاز الاستخبارات السوفييتي «كي جي بي» تجنيده خلال إقامته في موسكو،

لكنه رفض، بحسب روايته، الخضوع لسلطة الجهاز، مفضلًا العمل بصورة مستقلة.

ويقول: «أخبرني كارلوس مرارًا أن جهاز كي جي بي حاول تجنيده في موسكو، لكنه رفض لأنه كان شديد الاستقلالية ولا يريد أن يصبح تابعًا لأي جهاز استخباراتي. وربما تلقى بعض التدريب على الأسلحة والعمل السري، لكنني لا أملك دليلًا على ذلك،

وهو نفسه لم يؤكد لي أنه تلقى هذا التدريب» وبعد مغادرته موسكو، توجه كارلوس إلى الشرق الأوسط والتقى قيادات في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وفي مقدمتهم جورج حبش ووديع حداد، قبل أن ينخرط في العمليات التي نفذتها الجبهة خارج المنطقة.

ويقول فويلمان إن كارلوس عرض خدماته على القيادات الفلسطينية، وبدأ عمله ضمن مجموعات مسلحة، قبل أن يصبح قائدًا ميدانيًا لعمليات خارجية، مشيرًا إلى أن موكله كان يفضل وصف نفسه بأنه «قائد كوماندوز ثوري»،

ويرفض صفة الإرهابي. ويتناول المحامي بعض العمليات التي نُسبت إلى كارلوس في أوروبا خلال أوائل السبعينيات، ومنها تفجير استهدف بنك «هبوعليم» الإسرائيلي في لندن، ومحاولة اغتيال مسؤول في شركة «ماركس آند سبنسر»،

كان كارلوس يعده من ممولي الحركة الصهيونية. لكنه يشدد على أن هذه الوقائع لم تصدر بشأنها أحكام قضائية بحق موكله، وأن كارلوس لم يعترف بتنفيذها، ولذلك يميز بين ما ورد في الكتب والصحافة وبين العمليات التي ثبتت مسؤوليته عنها قضائيًا.

أما عملية اقتحام مقر اجتماع «أوبك» في فيينا يوم الحادي والعشرين من ديسمبر عام 1975، فيؤكد فويلمان أن كارلوس تحدث معه عنها مرارًا، وكان يعدها أبرز إنجازاته العملياتية، بعدما تمكن مع مجموعة مسلحة صغيرة من احتجاز نحو ستين شخصًا،

بينهم أحد عشر وزيرًا للنفط. ويقول: «كان كارلوس فخورًا جدًا بعملية أوبك، وقد رواها لي ربما مئة مرة، بكل تفاصيلها المتعلقة بالأسلحة والمتفجرات والمراقبة والتحضير.

وعندما قلت له إنها كانت عملية انتحارية، أجاب بأنه درس كل شيء بدقة، وكان يعرف كيف يضغط على السلطات النمساوية لتوفير حافلة وطائرة تتيحان للمجموعة مغادرة البلاد» ويكشف فويلمان أن العملية نفذت، بحسب ما نقله عن كارلوس،

بتكليف عملياتي من وديع حداد، بينما جاء القرار السياسي والدعم المالي من معمر القذافي، نافيًا الروايات التي نسبت تمويل العملية إلى الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين. ويقول: «صاحب التكليف العملياتي كان وديع حداد،

أما صاحب القرار السياسي والدعم المالي فكان معمر القذافي. كان كارلوس يرفض تمامًا الروايات التي تتحدث عن دور لصدام حسين، ويؤكد أن التمويل وجزءًا من الدعم اللوجستي جاءا من ليبيا» ويوضح أن أهداف العملية جمعت بين الحصول على فدية مالية كبيرة، تحدثت روايات عن دفعها بالفعل،

ومحاولة الضغط على الدول العربية الأعضاء في أوبك لتعزيز دعمها للقضية الفلسطينية. ويضيف: «كان الهدف الحصول على عشرات الملايين من الدولارات لدعم القضية الفلسطينية، لكن هناك هدفًا سياسيًا آخر، هو محاولة إعادة توحيد البلدان العربية حول هذه القضية،

وإجبارها على إظهار تضامن أكبر معها» من أوروبا الشرقية إلى دمشق... شبكة علاقات مع أجهزة الاستخبارات ينتقل الحوار إلى المرحلة التي أعقبت عملية أوبك، حين بدأ كارلوس بناء شبكة واسعة من العلاقات مع تنظيمات مسلحة وحركات يسارية في أوروبا والشرق الأوسط، شملت مجموعات ألمانية وإيطالية وإسبانية،

إلى جانب اتصالات مع أجهزة استخبارات في دول المعسكر الشرقي. ويرفض فويلمان وصف موكله بأنه كان مرتزقًا يعمل لمن يدفع أكثر، معتبرًا أن نشاطه ظل مرتبطًا بأفكاره الماركسية اللينينية وموقفه المؤيد للقضية الفلسطينية، وإن كان قد تلقى أموالًا استخدمها لتمويل العمليات وشراء الأسلحة.

ويقول: «المرتزق هو من ينفذ أي عملية مقابل المال من دون أن تكون لديه قضية أو أيديولوجيا. أما كارلوس فكان يتحرك ضمن تصور سياسي محدد، وكانت الأموال بالنسبة إليه وسيلة لتمويل التنظيم والأسلحة والعمليات، ولم يكن هدفه جمع الثروة» ويشير إلى أن كارلوس أقام علاقات مع أجهزة استخبارات في رومانيا وألمانيا الشرقية وبلغاريا،

وأن هذه الدول أتاحت له الإقامة والتنقل، رغم مراقبتها لنشاطه وتحفظها على استقلاليته وصعوبة إخضاعه لسيطرتها. ويرى فويلمان أن علاقته بالاتحاد السوفييتي بقيت ملتبسة، إذ رفض الانضمام رسميًا إلى جهاز «كي جي بي»،

بحسب روايته، لكنه استفاد من المناخ السياسي والأمني الذي أتاح له الحركة داخل دول الكتلة الشرقية. ويتوقف كذلك عند سلسلة التفجيرات التي شهدتها فرنسا بين عامي 1982 و1983، والتي أدين كارلوس لاحقًا بالمسؤولية عنها،

موضحًا أن تلك العمليات ارتبطت، وفق ما خلص إليه القضاء الفرنسي، بمحاولته الضغط للإفراج عن زوجته ماغدالينا كوب ومساعده برونو بريغي، بعد اعتقالهما في باريس.

ويقول: «كانت فرنسا تعيش خلال تلك الفترة نحو عامين من الاعتداءات الدامية، من تفجيرات القطارات إلى الهجمات على مواقع مختلفة. ووفق الرواية القضائية، كانت تلك العمليات تهدف إلى الضغط للإفراج عن زوجته ومساعده،

ولذلك قلت أحيانًا إن هذه الاعتداءات ارتبطت بالحب أكثر من ارتباطها بقضية سياسية مباشرة» وبعد تصاعد الملاحقات الأمنية، انتقل كارلوس إلى دمشق في منتصف الثمانينيات، حيث أقام سنوات تحت حماية السلطات السورية، قبل أن يغادرها مع تضييق الخيارات المتاحة أمامه.

ويقول فويلمان إنه سأل موكله مرارًا عن طبيعة نشاطه في سوريا وعلاقاته بالأجهزة الأمنية هناك، لكنه لم يحصل على إجابات تفصيلية، مؤكدًا أن كارلوس كان شديد الحذر في الحديث عن هذه المرحلة. ويضيف: «كان واضحًا أنه يتمتع بحماية النظام السوري ويعيش في حي آمن،

وأن لديه دخلًا ونشاطًا، لكنه لم يخبرني بطبيعة العمليات التي كان ينفذها أو تفاصيل علاقته بالأجهزة السورية. وعندما سألته إن كان قد تقاعد عن العمل، أجابني بأنه لم يكن متقاعدًا» اعتقال السودان...

اتهامات لل«سي آي إيه» وثلاثة أحكام بالمؤبد تأتي ملابسات اعتقال كارلوس في السودان عام 1994 ضمن أبرز محطات شهادة فويلمان، الذي يروي أن موكله لجأ إلى الخرطوم بعدما أصبح وجوده في سوريا ودول أوروبا الشرقية غير ممكن، وحصل هناك على مسكن وحراسة رسمية ومخصصات مالية. ويوضح أن الرواية الفرنسية الرسمية تحدثت عن نجاح الاستخبارات الفرنسية في تحديد مكان كارلوس ومراقبته قبل نقله إلى فرنسا،

لكن موكله قدم رواية مختلفة اتهم فيها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بتدبير العملية وممارسة ضغوط على الحكومة السودانية لتسليمه. ويقول: «بحسب رواية كارلوس، فإن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية هي التي حددت مكانه ودبرت العملية من بدايتها، ومارست ضغوطًا على السلطات السودانية،

بينما تولى الفرنسيون تنفيذ المرحلة الأخيرة ونقله إلى باريس» ويروي أن عملية الاعتقال جرت عقب خضوع كارلوس لجراحة في إحدى العيادات السودانية، عندما كان لا يزال تحت تأثير التخدير، وأنه فوجئ بعناصر مسلحة من القوات السودانية والاستخبارات الفرنسية تحيط بسريره. ويضيف: «قال لي إنه استيقظ بعد العملية الجراحية ليجد رجالًا مسلحين يصوبون بنادقهم نحوه،

وكان مسدسه على الطاولة بجانب السرير، لكنه لم يكن قادرًا على الحركة بسبب التخدير. ثم وضعوه داخل كيس لنقل الموتى وأدخلوه إلى طائرة، ولم يكن يعرف إلى أين سيأخذونه» ويشير إلى أن كارلوس اعتقد خلال الرحلة أنه قد يقتل ويلقى في البحر،

قبل أن يسمع أحد العناصر ينادي زميلًا له باسم فرنسي، فأدرك أنه في طريقه إلى فرنسا وأن مصيره سيكون السجن. ويعتبر فويلمان أن ما جرى يمثل اختطافًا خارج الإجراءات القانونية المعتادة، مشيرًا إلى أن فريق الدفاع حاول لسنوات الطعن في شرعية اعتقال موكله،

لكن المحاكم الفرنسية رفضت تلك الدفوع. كما يتناول الروايات التي تحدثت عن حصول السودان على مقابل مالي أو أسلحة أو معلومات استخباراتية أميركية تتعلق بمواقع التمرد في جنوب السودان، مؤكدًا أنه لا يمتلك دليلًا قاطعًا يثبت طبيعة المقابل الذي ربما حصلت عليه الخرطوم. ويقول: «هناك روايات عن أموال أو أسلحة أو معلومات استخباراتية قدمت للسودان مقابل التعاون في اعتقال كارلوس،

لكننا لا نعرف على وجه اليقين ما الذي حصلت عليه السلطات السودانية. ما نعرفه أن الحراس الذين كانوا مكلفين بحمايته شاركوا في اعتقاله وتسليمه» وفي ما يتعلق بالأحكام القضائية، يوضح فويلمان أن كارلوس أدين في فرنسا في ثلاث قضايا رئيسية تعود وقائعها إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وصدر بحقه ثلاثة أحكام بالسجن المؤبد،

من بينها قضية قتل عناصر من الاستخبارات الفرنسية، وتفجيرات القطارات والمحطات، والهجوم بقنبلة يدوية على متجر في باريس عام 1974. وينتقد المحامي طبيعة القضاء الفرنسي المختص بمكافحة الإرهاب،

معتبرًا أن تشكيل المحاكم من قضاة محترفين دون محلفين شعبيين، وطبيعة الإجراءات المتبعة فيها، جعلا الحصول على البراءة أكثر صعوبة، حتى في القضايا التي رأى الدفاع أن الأدلة المقدمة فيها تثير شكوكًا جدية.

ويقول: «لم يكن كارلوس يعترف بالوقائع، لكنه لم يكن يقول أيضًا إنه بريء، وإنما كان يطالب الادعاء بإثبات الاتهامات. وقد نجحنا في إثارة الشك بشأن بعض الأدلة،

خصوصًا في قضية الهجوم على متجر دراغستور، لكن القضاء رفض دفوعنا وأصدر أحكام الإدانة» وفي حديثه عن الشخصيات التي ساندت كارلوس، يشير فويلمان إلى الرئيس الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز، الذي يقول إنه كان أبرز رئيس دولة أعلن دعمه لموكله،

وكشف عن لقاء جمعه بتشافيز عام 1999 في السفارة الفنزويلية بباريس، أعرب خلاله الرئيس عن تضامنه مع كارلوس. ويقول: «كان هوغو تشافيز، على حد علمي،

رئيس الدولة الوحيد الذي أعلن دعمه الرسمي لكارلوس. وقد التقيته في باريس عام 1999، وأكد لي تضامنه معه، ولم يقتصر الأمر على التصريحات،

بل اتخذت السفارة الفنزويلية ترتيبات لمتابعة أوضاعه وزيارته بصورة منتظمة» ويختتم فويلمان حديثه باستعادة آخر لقاءاته مع موكله داخل السجن، موضحًا أن كارلوس، رغم تقدمه في السن ومعاناته من بعض المشكلات الصحية، ما زال يتمتع بحضور ذهني قوي ويتمسك بقناعاته السياسية القديمة.