عاجل

تحقيقات وقضايا

198 مقال

التركية لغة الأمر الواقع والأحلام في مناطق الشمال الغربي
منذ سنتين

التركية لغة الأمر الواقع والأحلام في مناطق الشمال الغربي

يفاجأ من يقطع الحدود من تركيا باتجاه سوريا، عبر معابر ريف حلب الشمالي، بالعلم التركي يستقبله عند كل حاجز عسكري أو دائرة خدمية وإدارية، بالإضافة إلى الكتابة باللغة التركية على لافتات المرافق الحيوية. بالطبع لن يخطئ الزائر بأنه في سوريا بسبب الفرق الواضح في المشهد العام والبنية التحتية بين الجانبين، لكن حظر اللافتات العربية على الجانب التركي والحضور الواسع للغة التركية على الجانب السوري سيلفت انتباهه. وتدير تركيا منطقة ريف حلب الشمالي منذ أن سيطرت عليها بحملات عسكرية نفذتها مع قوات «الجيش الوطني»،

دمشق تتعلم الفارسية والروسية في سنوات الهيمنة
منذ سنتين

دمشق تتعلم الفارسية والروسية في سنوات الهيمنة

«احتلال اللغة هو السبيل الأقصر لاحتلال الوعي، وبالتالي احتلال القرار المستقل، وتهتيك المجتمعات ومحو هويتها»، هذا ما قالته عقيلة الرئيس السوري أسماء الأسد، لطلاب الدراسات العربية في جامعة الدراسات الأجنبية في بكين خلال زيارتها مع الرئيس السوري إلى الصين نهاية صيف 2023. الاهتمام الذي أبدته الأسد بالتمسك باللغة الأم في ذلك اللقاء، جاء مع دخول فرض روسيا تعليم اللغة الروسية ضمن مناهج المدارس الحكومية السورية عامها التاسع. يأتي ذلك وسط تنافس حثيث مع إيران على التغلغل في المجتمع السوري، والهيمنة على ال

كرد سوريا يدرسون اللغة الأم دون اعتراف... وبأجندة سياسية
منذ سنتين

كرد سوريا يدرسون اللغة الأم دون اعتراف... وبأجندة سياسية

على منصة مرتفعة في ساحة إعدادية «شجرة الدر» للبنات في بلدة «الدرباسية» الحدودية مع تركيا، وقفت المديرة «ستيره أيو» لتردد الشعار اليومي بلغتها الكردية الأم: Roj baş (صباح الخير بالعربية)، ومن بعدها تردد الطالبات بصوت عال: Roj baş Mamoste (صباح الخير أستاذة)، إيذاناً ببدء الفصل الثاني من العام الدراسي الحالي. من بين 1770 مدرسة، تُدرس هذه الإعدادية المنهاج الكردي منذ مطلع 2016 بعدما اعتمدت «الإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق» سوريا الكردية بصفتها لغة رسمية إلى جانب العربية والسريانية، وطبقته تدريجياً

العراق بعد «طوفان الأقصى»... خطة إيران للانهيار السريع
منذ سنتين

العراق بعد «طوفان الأقصى»... خطة إيران للانهيار السريع

يكشف تحقيق شامل لـ«الشرق الأوسط» عن نشأة المجموعة التي تسمي نفسها «المقاومة الإسلامية في العراق»، وأظهرت عشرات المقابلات مع مسؤولين وشخصيات ضالعة في المشهد العراقي، «خطة إيران» لـ«تبادل الأدوار» بين الفصائل المسلحة الموالية، وأقطاب في تحالف «الإطار التنسيقي» الذي يقود الحكومة، التي انتهت إلى مواجهة مباشرة بلا قواعد اشتباك. ويستعرض التحقيق الخط الزمني للأحداث من مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حتى نهاية يناير (كانون الأول) الماضي. وبدأ تشكل هذه المجموعة التي تطلق على نفسها «فصائل المقاومة الإسلام

من فاز بصفقات إعمار المناطق المتضررة من الزلزال؟
منذ سنتين

من فاز بصفقات إعمار المناطق المتضررة من الزلزال؟

ينتقد المحامي التركي وابن مدينة أنطاكيا، أغاويد ألكان، مشاريع إعادة الإعمار الجارية لأسباب كثيرة؛ أولها أنه «يجري التعامل مع أنطاكيا كأنها مساحة خالية من الناس»، ويضيف: «تجري صياغة خطط البناء والتشييد بطريقة غير شفافة، ومن دون استشارة السكان أنفسهم، علماً بأنه من المفترض أن يكونوا السكان الرئيسيين للمدينة الجديدة». وكان الزلزال المدمر الذي ضرب تركيا في 6 فبراير (شباط) 2023، قد أدى إلى تضرر نحو 80 في المائة من المباني في مدينة أنطاكيا، الواقعة وسط محافظة هاتاي الجنوبية. وفقدت المدينة القديمة، الت

بلدة حدودية تعود إلى الخريطة باكتظاظ سوري تركي
منذ سنتين

بلدة حدودية تعود إلى الخريطة باكتظاظ سوري تركي

لم تكن بلدة الريحانية وهي إحدى مناطق إقليم هاتاي التركي، معروفة بشكل كبير بين أوساط الشعب التركي قبل بدء الحرب في سوريا عام 2011، فهي بلدة حدودية صغيرة جداً لم يتجاوز عدد سكانها بضعة آلاف حتى أمس قريب. ولكن بعد مرور أكثر من عقد من الزمن، تحولت البلدة الصغيرة إلى مدينة، وأصبح الوضع معكوساً تماماً، فهي، اليوم، باتت معروفة لدى كثيرين، ولا سيما أنها تحظى بتغطية إعلامية واسعة بسبب عدد سكانها الكبير من السوريين وعمليات الجيش التركي عبر الحدود. وقد نجت الريحانية إلى حد بعيد من زلزال 6 فبراير (شباط) الذي ضرب البلاد، العام الماضي، وأدى إلى تعطيل الحياة بشكل كامل، في مراكز المدن المحيطة، فالأضرار في الريحانية كانت أقل بكثير من أماكن أخرى، وربما يعود ذلك جزئياً إلى انخفاض الأبنية وانتشار المنازل المستقلّة إلى حد بعيد. لكن هذا أثار موجة جديدة من النزوح البشري من المركز نحو تلك النقطة الحدودية. ويقول حسين، وهو مُدرِّس يعيش بالمدينة ويعمل مدرساً في مدرسة خاصة، إن كثيراً ممن جاءوا بعد الزلزال هم في الأصل من الريحانية، لكنهم كانوا يعيشون في أنطاكيا ومدن أخرى دُمّرت كلياً أو جزئياً، وعادوا لبناء حياتهم في مسقط رأسهم. وبالمثل، جاء عدد كبير من موظفي الخدمة المدنية، الذين كانوا يتخذون من الريحانية مركزاً لعملهم في السابق ولكنهم كانوا يُفضّلون الإقامة في أنطاكيا لأسباب معيشية وأمنية. ومع ذلك فإن الزيادة السريعة في عدد السكان، سواء بسبب الحرب المجاورة أم الزلزال، أدت إلى أزمة سكن في الريحانية، وارتفاع هائل في الأسعار بلغ 3 أضعاف خلال عام واحد فقط. ويُعرب كثير من السكان المحليين عن قلقهم من عدم وجود مبان كافية لاستيعاب أعداد السكان الحاليين، وقدرة المرافق الحيوية في المدينة على الاستمرار. وفي الوقت الحالي، يقيم عدد كبير من موظفي الخدمة المدنية في مدينة الحاويات التي أقامتها الحكومة التركية على بُعد بضعة كيلومترات من المركز. ولعلَّ أكثر ما يقلق أحمد، الذي يقيم في إحدى هذه الحاويات، هو المطر، الذي يتسرب إلى الداخل من أعلى الحاوية وجوانبها. ويؤثر الوضع الحالي على السوريين بشكل كبير، خصوصاً ممن ليست لديهم وظيفة مستقرّة ويعتمدون على العمل المؤقت لكسب عيشهم. في ظل غياب السكن الملائم أو الإيجارات بأسعار معقولة، يقوم بعض السكان بتأجير المساحات المتاحة أسفل بعض المباني والمُعدّة لأن تكون دكاكين أو مواقف سيارات، فتجري تغطيتها من الواجهة بشوادر وتحويلها إلى منازل. وتعيش مريم في إحدى هذه المساحات مع زوجها وأحفادها، لكنها قامت بتمديد خيمة إلى خارج المنزل للجلوس خارجاً، والحصول على بعض الهواء النقي؛ لأن معظم هذه المساحات لا يحتوي على نوافذ في الداخل. وفي الوقت الذي تبدو فيه مناطق أخرى على خريطة الإعمار أو المساعدات أو إعادة السكان إلى منازلهم السابقة، تبدو الريحانية بلدة منسية ومتروكة لمصيرها، فهنا لا خطة عمل في الأفق لحل أزمة السكن التي وفّرت، في الوقت الحالي، وعلى رغم مشاكلها، شعوراً بالأمان النسبي لكثيرين نتيجة الظروف المتغيرة على جانبي الحدود.

أنطاكيا التاريخية «مدينة خيم وحاويات»... وخطط الإعمار تهدد تعددية السكان
منذ سنتين

أنطاكيا التاريخية «مدينة خيم وحاويات»... وخطط الإعمار تهدد تعددية السكان

بعد مرور عام على الزلزال المميت، يكاد يكون من المستحيل العثور على شخص لم يفقد أحد أفراد أسرته أو صديقا له أو أحد جيرانه في مركز مدينة هاتاي أو أنطاكيا، جنوبي تركيا. فقدت المدينة نصف سكانها تقريباً وقد هاجر العديد منهم إلى مدن مجاورة أو بعيدة كإسطنبول وأنقرة، بعد دفن أحبائهم وجمع بعض الأثاث من بيوتهم المدمرة. ويحاول الناجون الآن إعادة بناء حياتهم وسط أنقاض المدينة، وبين مباني الأشباح، والغبار المبعثر المتراكم من مواقع الهدم، على وقع ضجيج المعدات الثقيلة التي لا تزال تعمل على هدم المباني المدمرة. بعد مرور بضعة أشهر على الزلزال، تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي صورة أصبحت شهيرة وتُظهر صاحب متجر يعيد فتح متجره مع بعض الترميم، واضعاً حاوية بين الأنقاض في وسط المدينة المهجورة، ولكن من دون أي زبون يلتفت إليه. وتحولت هذه الصورة وغيرها مما يشابهها رمزاً للناجين المطالبين بالاعتراف بوجودهم في المدينة في مواجهة موجة هجرة هائلة. فقد أصبح هجران المدينة ومحيطها مصدراً للقلق الحقيقي بين من تبقى من أن عملية إعادة الإعمار سوف تتعطل أكثر إما لغياب قوة عاملة مستقرة متبقية وإما لانتفاء الضرورة القصوى. وتم تصوير أصحاب المحال التجارية وهم يحملون بعض الماء والمكانس بأيديهم، وهي أدوات كفاحهم الرئيسية من أجل الحفاظ على المدخل نظيفاً وأنيقاً ضد الغبار والأنقاض التي عمّت الأمكنة كلها. وعلى الجدران انتشرت كتابات رافقت صورة صاحب المتجر «المقاوم» وتقول «لم نغادر»، «لن تفقد الأمل؛ سوف نعود»، «انهارت بيوتنا، وليس أحلامنا». بعض هذه الكتابات على الجدران أطلقت على أكشاك الكباب وغيره من المأكولات الشعبية التي أعاد أصحابها افتتاحها بما هو متاح وبإصرار إبقاء ذكرى الزلزال حية وصمود شعب هاتاي لإعادة بناء حياتهم في المدينة. واليوم، مع الذكرى السنوية الأولى للزلزال، بات هناك العديد من المتاجر المفتوحة، وسوق الخضروات والفاكهة المحلية (البازار) تعج بالناس. ومع ذلك، لكل منهم رواية يقصها علينا عن مدى صعوبة الحياة في هذه البقعة. سيدة تركية تزور مقابر أفراد من عائلتها في الذكرى السنوية لوفاتهم بالزلزال (د. ب. إ.) لم يتغير شيء بعد عام من الزلزال يفاجأ الزائر بأن المكان ما زال على حاله. وكأن الزمن لم يمر منذ أن ضربت الكارثة. بدت المدينة مهدمة كما يمكن أن تكون. بين الأنقاض، كانت الخيام والحاويات والأواني المعدنية المؤقتة موجودة في كل مكان تقريباً، وهي تقوم مقام المنازل والمتاجر والمطاعم والمصارف والمكاتب. تغير مشهد المدينة بشكل هائل. مناطق بكاملها سويت بالأرض حتى أن تجربة مشتركة شاعت بين الناجين كانت الضياع في أماكن يعرفونها طوال حياتهم. فلم يعد في الشوارع نقاط استدلال. وفي غياب الأشجار، أو الأبنية التاريخية، أو المقاهي، أو نقاط اللقاء التي كانت تميز المدينة، لم يتمكن السكان من معرفة أين كانت بيوتهم. وقال «ييغيت»، وهو طالب جامعي من أبناء المدينة إن مقابلة صديقه استغرقت منه ساعة تقريباً من المحاولة، بحيث لم يتمكن أي منهما من وصف موقعه. وقال: «انتهى بنا الأمر إلى استخدام (فيس تايم) ورفعنا صوتنا لنسمع بعضنا البعض ونستدل». قرى الحاويات وعيش بالمياومة واليوم يسكن العديد من الناجين الذين بقوا في المدينة إما في «مدن الحاويات» أو في الأطراف والقرى المحيطة بهاتاي. وفقا للإعلان الرسمي الصادر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، تقيم أكثر من 50 ألف أسرة في 175 بلدة حاويات منتشرة في جميع أنحاء المدينة. وقد تمكن أولئك الذين فقدوا منازلهم من الاستفادة من برنامج للمساعدات يغطي نفقات الانتقال وتكاليف الإيجار. ومع ذلك، فإن المبالغ المخصصة كجزء من البرنامج لا تكفي لإيجار شقة، بعد ارتفاع الأسعار ارتفاعاً صاروخياً سواء بسبب خسارة الأبنية السكنية أو بسبب ارتفاع معدلات التضخم في البلاد. قرى ومدن من الحاويات على أطراف مدينة أنطاكيا (د. ب. إ.) وبالنسبة للسكان الذين ليس لديهم مكان آخر يذهبون إليه في القرى أو الأطراف وتخيروا الانتقال إلى مدن الحاويات، تخلوا عملياً عن المساعدة في الإيجار فيما لا يزال بعضهم وهم قلة يقيم في الخيام. تضم إحدى مدن الخيام التي نُصبت في شارع فرعي على بُعد بضعة كيلومترات من وسط المدينة نحو 50 عائلة سورية. يعيش محمد في خيمة واحدة مع زوجته وأطفاله الستة. وعندما سُئل عما إذا كان يتلقى أي مساعدة، أجاب قائلاً: «بعض الناس جلبوا الطعام لبعض الوقت، ولكن ذلك توقف الآن». ومنذ الزلزال لم يعد محمد قادراً على العمل إذ سقط جدار على كتفه وهو يحاول الهرب من مسكنه فاضطر أبناؤه الثلاثة للعمل في محل لبيع الأثاث. وتتلخص خطة رب الأسرة في تكييف الخيمة مع ما تقتضيه ظروف الشتاء واستمرار العيش فيها. ليس لديه كبير أمل في الترقية إلى حاوية. ويُشكل الانقطاع المتكرر للماء والكهرباء أكبر مشقة بالنسبة له ولعائلته، لأنهم لا يحصلون على الكهرباء إلا كل يومين. وفي الأجزاء الأخرى من أنطاكيا أيضا، لا يزال انقطاع مقومات العيش الأساسية يُمثل مشكلة كبيرة. توضح السيدة إليف، وهي مُعلمة تعيش الآن في إحدى بلدات الحاويات، أن الأمر أصبح أقل بؤساً، بالمقارنة مع الأشهر الأولى، ولكن عندما يحدث الانقطاع، يمكن أن يستغرق أحيانا 48 ساعة. وتقول: «بعد الزلزال، كانت الحاجة الفورية إلى إعادة الكهرباء بأسرع ما يمكن، فقام العمال بالسير بالكابلات إلى أي مكان بُغية الاستجابة بسرعة للاحتياجات. والآن، عندما يحدث انقطاع، يستغرق الأمر وقتا طويلا لمعرفة ما حدث لأي كابل». وتمثل الأمطار مصدر خوف بسبب البنية التحتية الهشة للمدينة ومواقع السكن المؤقتة. ولا يقتصر سبب انقطاع الكهرباء على هطول الأمطار الغزيرة في كثير من الأحيان، بل إن معظم الحاويات ليست مضادة للمياه أصلاً ما يشكل خطراً مضاعفاً. إذ يتسرب الماء من الأعلى ومن الأسفل على السواء في الأماكن حيث تقع البلدات في السهول. ويُلقي الناجون باللائمة في ذلك على نقص التخطيط والتنسيق الذي استمر منذ عمليات الإنقاذ. تقول سينيم، وهي امرأة تبلغ من العمر 45 عاماً تعيش في حاوية مساحتها 21 مترا مربعا مع أطفالها الثلاثة وزوجها: «إننا غير قادرين على التخطيط لأي شيء، ونحاول فقط قضاء كل يوم بيومه». وكانت مدرسة أطفالها انهارت خلال الزلزال أيضاً وهم الآن مسجلون في التعليم عن بُعد. لا مكان للعائلات وفي العديد من الأسر الميسورة مالياً، هاجرت النساء إلى مدن أخرى من أجل تعليم الأطفال، في حين بقي الرجال في هاتاي لمواصلة عملهم. يوسف واحد منهم. يعيش حالياً في حاوية مُقامة في قريته ويستأجر شقة في إسطنبول لزوجته وأطفاله. بعد قضائه فترة قصيرة في إسطنبول، وجد الرجل صعوبة في استئناف العمل فعاد أدراجه إلى أنطاكيا لفتح محل الأحذية. بعد الزلزال، كان معظم زبائنه الجدد من الجنود وضباط الشرطة والعمال الذين جاءوا إلى المدينة كجزء من عمليات الإنقاذ أو لأعمال البناء. وفيما اتبعت العديد من الأسر نمطاً مماثلا، تغيرت ديموغرافيا المدينة بشكل كبير وقلبت نسبة الرجال إلى النساء من 61.8 في المائة إلى 38.1 في المائة، بحسب مركز هاتاي للتخطيط. وفي الوقت نفسه، من نجت مبانيهم وخرجوا بأضرار «طفيفة» أو «متوسطة» عادوا تدريجياً وسط خوف دائم من الهزات الارتدادية أو زلزال آخر. أما أولئك الذين يعيشون في مبان متضررة إلى حد كبير نسبياً فقد غابوا في طي النسيان لعدة شهور، حيث انقسمت السلطات حول ما إذا كانت هذه المباني آمنة للعيش بعد التدعيم والتعزيز، أم أنه ينبغي هدمها وإعادة بنائها. ولم يكن حتى قبل 3 أشهر من الآن أن قالت منظمة الكوارث والطوارئ الحكومية إنها اتخذت قراراً بهذا الشأن بحسب كل مبنى. تضامن شعبي بددته السياسة في الأسابيع الأولى التي تلت الزلزال، تضامن العديد من الأفراد والمجموعات والمنظمات غير الحكومية مع الناجين، وخاصة مع سكان هاتاي. فلطالما اعتبرت المدينة مثالاً حياً للتعددية الثقافية، وهي التي تضم العرب العلويين، والسنة، والمسيحيين، والأرمن، واليهود. وحالما انتشرت الصور المفجعة على وسائل التواصل الاجتماعي وعلى قنوات التلفزة، حاول حتى المواطنون العاديون في أنحاء مختلفة من البلاد الوصول إلى المنطقة بوسائلهم الخاصة لإرسال التبرعات أو توفير قوة عاملة في عمليات الإنقاذ. وتأسست شبكات جديدة من التضامن داخل المدينة وخارجها للعمل على كيفية إعادة بناء الحياة. ولا تزال هذه القصص حية في ذكريات الناجين، إذ لدى كثيرين منهم ما يقولونه عن كيفية مساعدة جيرانهم أو أشخاص مجهولين لهم. ولكنها ذكريات بالفعل. فبعد مرور عام طغت على روح التضامن النزاعات والخلافات، التي كان بعضها موجوداً أصلاً قبل وقوع الكارثة. ولا شك في أن المناخ السياسي البالغ الاستقطاب في البلد يعمل كمحفز إضافي لتعميق الخلافات والفجوات. وقد أبدى حزب الشعب الجمهوري حذراً خاصاً من الإجراءات التي اتخذتها حكومة حزب العدالة والتنمية إزاء المجتمع العربي - العلوي في المدينة - ثاني أكبر مجموعة بعد السكان السنة - والذي يُصوت عموماً لصالح حزب المعارضة الرئيسي. وذكرت موجان، وهي صاحبة مطعم عمرها 45 عاماً، أن منطقتها لم تتلق أي مساعدات حكومية في الأيام الثلاثة الأولى من الزلزال، لأنها منطقة يسكنها بالأساس العرب العلويون. ومثل العديد من العرب العلويين الآخرين في المدينة، تعتقد موجان أن الحكومة تستخدم الزلزال لتفريق المجتمع من خلال جعل حياتهم أكثر صعوبة وفرض الهجرة عليهم بصورة غير مباشرة كخيار وحيد. ووفقا للسيدة موجان، ازداد الانقسام بين السكان السنة والعرب - العلويين، بعد وصول اللاجئين السوريين إلى المدينة، وهو ما تعتبره أيضاً جزءا من سياسة الحكومة التقسيمية. كما أدى قراران صادران عن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بشأن مصادرة الأراضي في الأشهر التالية على الزلزال إلى إثارة مخاوف المجتمع العربي - العلوي. فقد سمحت هذه القرارات لوكالة الإسكان الحكومية (توكي) بمصادرة أراض لبناء مبان جديدة في «ديكمجة» و«غولدرين»، وهما حيان من مدينة أنطاكيا يسكنهما بشكل رئيسي العرب - العلويون. والقراران مرفوعان حاليا إلى المحكمة الإدارية. بعد فترة وجيزة من القرار الرئاسي، شرع أهالي قرية «ديكمجة» في مقاومة مصادرة بساتين الزيتون ونظموا عدة احتجاجات للحفاظ على أرزاقهم، ما أدى إلى مواجهات عنيفة بين الشرطة المحلية والأهالي. الإعمار معضلة متشعبة ويقول المحامي المحلي أجاويد ألكان: «هناك فوضى في المدينة، والساسة مستفيدون؛ فمن الأسهل أن يحكموا بهذه الطريقة». وإلى جانب تداعيات المشكلات الوطنية العامة على المدينة المنكوبة، صارت النزاعات في مختلف الشؤون جزءاً من الحياة اليومية». ويقول ألكان: «لا تخلو مجموعة واتساب من نزاعات. فهذه المجموعات تشكلت بين سكان الشقق ويتعين عليهم الآن أن يقرروا معاً ما ينبغي القيام به حيال المباني المنهارة». والخيارات هي إما إعادة البناء في نفس المكان، وهو ما يتطلب موافقة 50 في المائة من أصحاب المساكن، أو استبدال شقة من وكالة «توكي» بحقهم في الملكية. وأيا كان الخيار الذي سيتخذونه، سوف تُقدم الحكومة منحة قيمتها 750 ألف ليرة تركية (أي نحو 24 ألف و700 دولار) وقرضاً من دون فائدة بنفس المبلغ، يبدأ سداده بعد سنتين. بيد أن هذه المبالغ ظلت منخفضة للغاية مقابل معدل التضخم المرتفع في البلاد، فيما أغلب الناجين خسروا أعمالهم بالإضافة إلى مساكنهم وهذه المبالغ وإن كانت ضئيلة لكنها تفوق قدرتهم. وهم الآن يُعربون عن قلقهم من أن البنايات الجديدة قد تكلفهم أكثر بكثير مما قد تغطيه المنحة والائتمان معاً، وقد ينتهي بهم الحال إلى الوقوع في براثن الديون الضخمة. راهناً، تُصنف المباني في المدينة إلى أربع مجموعات، وهي: «مُدمرة»، «أضرار جسيمة»، «أضرار متوسطة»، «أضرار طفيفة أو معدومة الضرر». وبدورها تحولت هذه التصنيفات أيضاً إلى مصدر رئيسي للخلاف، إذ رفع الكثير من السكان تقييم ممتلكاتهم إلى المحاكم على أمل تغييرها إما إلى أضرار «متوسطة» أو «طفيفة» للحيلولة دون هدمها. فمدينة هاتاي، وكذلك منطقتها المركزية أنطاكيا، مليئة بالمباني التي تحمل لافتة تقول «لا تهدم، ارفع إلى المحكمة»، حيث يخشى المالكون من أنهم إذا فقدوا حتى أطلال ما كانوا يمتلكونه، يمكن مصادرة أراضيهم لصالح بعض المشاريع الحكومية أو بناء مبان جديدة لا يمكنهم تحمل نفقات إعادة شرائها. وأعرب مسؤولون حكوميون عن قلقهم إزاء العدد الكبير من القضايا التي غمرت المحاكم المحلية وتؤخر عملية إعادة الإعمار من وجهة نظرهم. البازار خلاف إضافي أصبح «أوزون كارشي» (السوق الطويلة) أو البازار التاريخي للمدينة أكثر حياة وحيوية مما كان عليه قبل شهرين. ومع ذلك، يختلف أصحاب المتاجر فيما بينهم حول أهمية البازار. إذ تقضي الخطة الرسمية بهدمه وإعادة بنائه ببنية تحتية أفضل. ولكن لا يتفق الجميع مع تلك الخطة، ويوسف من أشد المعترضين. فهو يرى أن إعادة الإعمار سوف تستغرق وقتاً أطول بكثير مما هو مُعلن رسمياً، خصوصاً أن الحكومة لم تفِ بعد بأي من وعودها السابقة. وإذا ما تم هدم البازار، سوف يُنقل مؤقتاً إلى سوق الحاويات التي، بحسب يوسف، تفتقر إلى روح البازار التاريخي ولن تجذب أحداً. ولا شك أن سكان المدينة الموالين للحكومة أكثر تفاؤلاً بشأن هذه العملية، ويعتقدون أنه إذا وضع الجميع ثقتهم في الحكومة، فالأمور ستسير بسلاسة أكبر. ولكن حتى سردار، الذي يعمل موظفاً مدنياً في بلدية أنطاكيا (بقيادة حزب العدالة والتنمية)، يعترف بأن الأمور تتحرك ببطء شديد مقارنة بالمدن الأخرى المدمرة. ويقول: «كأن هاتاي (شُرابة) مُعلقة بالبر الرئيسي. كأنها عبء إضافي ومشكلاتها لا تندرج في الأجندة السياسية كأولوية». مثل هذه المشاعر شائعة بين سكان هاتاي، بصرف النظر عن هوياتهم الخاصة. سليم، على سبيل المثال، دهن جراره الزراعي بألوان قوس قزح ووصف في الخلف كيف تُركت المدينة وحدها بعد الزلزال. وعلق لوحة أرقام مؤقتة تقول «31 زلزال 4.17»، علماً بأن 31 هي رمز المرور في هاتاي، و4.17 ترمز للوقت الذي ضرب فيه الزلزال الأول المدينة بشدة. كان سليم يمتلك مطعماً قبل الزلزال، وقد اشترى الجرار القديم لاستخدامه كديكور في الواجهة غير مدرك أنه سيتحول إلى مصدر رزق. ففي الوقت الحالي، بات يستخدمه لجمع الأشياء من مواقع التدمير ولا يعرف ما العمل الذي يمكن أن يجده بعد ذلك. الغموض الذي أصاب كل جوانب الحياة في هاتاي بالشلل تقريبا، مع غياب التحرك السياسي الفعال لتلبية الاحتياجات الملحة للسكان، يختصر المناخ العام للمدينة بعد سنة من الزلزال. ولكن مع الانتخابات البلدية التي ستجرى في 31 مارس (آذار) المقبل تمحورت السياسة في المدينة حول الوعود الانتخابية التي تزيد الريبة والشك بين الناخبين في المدينة. فإذا لم يتحقق شيء من الوعود خلال عام، ماذا يرتجون في أشهر؟

لا أمان تحت الأسقف الحجرية... سوريون يعيشون في خيم خشية من الزلزال
منذ سنتين

لا أمان تحت الأسقف الحجرية... سوريون يعيشون في خيم خشية من الزلزال

يسير أحمد الخطيب وسط الشوارع المزدحمة في بلدة جنديرس، ويشاهد على جنباتها دماراً واضحاً، رغم مرور نحو عام على زلزال مدمر ضرب جنوب تركيا وأجزاء من سوريا ولبنان منذ عام. «حين أرى هذه الأبنية أتذكر الزلزال وكأنه حصل للتو»، يقول الشاب البالغ من العمر 32 عاماً لـ«الشرق الأوسط». أزالت فرق الدفاع المدني ومنظمات إنسانية معظم الركام الذي خلفه الزلزال من دمار طاول نحو 10 آلاف و600 مبنى في شمال غربي سوريا، لكن القليل الذي تبقى لا يزال يحفظ المشهد الذي رآه الناس فجر السادس من فبراير (شباط) 2023. «أتذكر الناس الذين فقدتهم ومشاهد الجثث المعلقة على المباني»، يقول أحمد متحدثاً عن أصدقائه وبعض أقاربه الذين قضوا بين أكثر من 4500 آخرين بسبب الزلزال وتحت الأنقاض. خوف مقيم لم يشعر أحمد بالاهتزازات العنيفة إلا بعد فوات الأوان. فقد كان نائماً مع عائلته في الساعة 4:17 فجراً، عندما امتد الزلزال البالغة شدته 7.8 على مقياس ريختر من مركزه في محافظة كهرمان مرعش التركية إلى بلدة جنديرس في ريف حلب الشمالي حيث يقيم. انهار مبنى مجاور على سقف بيته، حيث عَلِق مع زوجته وأطفاله الثلاثة مدة نصف ساعة قبل أن تصل فرق الدفاع المدني لإنقاذهم، فيما الأطفال يرتجفون من البرد الشديد. ويقول «كان موقفاً مرعباً للغاية». أقام أحمد في خيمة ضمن مخيم أقيم على عجل لإيواء المتضررين من الزلزال، وعندما التقيناه لم تكن مضت أسابيع قليلة فقط على انتهائه من بناء جدران لحمايته وعائلته من أمطار الشتاء، فيما أبقى على السقف المصنوع من النايلون، بوصفه إجراء للسلامة. ويقول: «حصلت هزة ارتدادية قبل عدة أيام فسارعت بالخروج مع أطفالي، الناس سخرت مني، ولكني قلت لهم حتى وإن كان جداراً بسيطاً لكن في حال انهار قد يقتل أحد الأطفال». مرت مئات الهزات الارتدادية على المنطقة منذ الزلزال، بلغ أشدها 6 درجات، بينما كانت غالبيتها اهتزازات بسيطة، ورغم أنها لم تحدث أضراراً تذكر فإن سكان المنطقة ما زالوا يتأهبون ويشعرون بالخوف والقلق عند شعورهم بأي منها. يعتمد أحمد على إحساسه في تتبع الهزات الارتدادية، رافضاً متابعة تطبيقات التحذير من الزلازل، والتي انتشر استخدامها بين السكان، لاعتقاده بأنها غير مجدية، بينما يبقى في حالة للتأهب المستمر، «الخوف ما زال قائماً، وحتى الآن أعرف الكثيرين ممن رفضوا البقاء في منازلهم واختاروا الخيمة لأمانها». لا أعمدة كافية أمام منزل بسيط، أقامت فاطمة عمر (68 عاماً) مع زوجها في خيمة خلال الأشهر الماضية، «نحن مقيمون هنا، ولكنني أعود إلى المنزل لقضاء حوائجي فأطبخ وأعود إلى هنا». قالت فاطمة لـ«الشرق الأوسط» إنها لا تشعر بالأمان في منزلها الذي تعرض لبعض الأضرار خلال الزلزال، على الرغم من عمليات الترميم التي قاموا بها، «لا نجرؤ على الإقامة فيه. فهو يحتاج لأعمدة دعم». وأدى ضيق الحال وعدم إتمام عمليات الترميم ونقص المساعدات التي حصل عليها المتضررون من الزلزال عموماً، إلى منع كثيرين من العودة لمنازلهم، وهم لا يعلمون إن كانوا سيشعرون بالأمان فيها أصلاً. النوم ضمن الخيمة التي لا تحمي من برد أو قيظ يمثل عذاباً متجدداً لمئات آلاف من السوريين، وبالنسبة لفاطمة وزوجها البالغ من العمر 75 عاماً يزداد الأمر سوءاً يوماً بعد يوم، لكن الخوف من الزلزال عذابه أشد بالنسبة إليهم. تخشى فاطمة من تكرار اللحظات العصيبة التي عاشتها العام المنصرم، عندما تشققت الجدران وسدت الخزانة الباب، وبعد تمكنها من الهرب اكتشفت أن جارتها توفيت بفعل جدار وقع عليها وتقول: «لسنا مرتاحين بالخيمة، ولكننا ننام بها بسبب الخوف، ولا نملك سوى أن نحمد الله على أننا لسنا في العراء». هزات لا تتوقف ويقول الجيولوجي علي الشاعر إن الهزات الارتدادية لن تتوقف؛ لأن سوريا تقع في منطقة غير مستقرة من الصفيحة العربية، «هي منطقة حركة دائمة وكانت الهزات موجودة قبل الزلزال وبعده». ولكن بعض الهزات بدرجات ضئيلة جداً بحيث لا يشعر بها. وبعد الدقائق الأولى لانقضاء الهزات القوية قام الشاعر بتفحص منزله بحثاً عن أي تصدعات، ويقول: «لم أر أي أثر جديد فعدت للنوم». إن لم تحمل المنازل آثاراً للتصدعات بعد الزلزال فإنها قادرة على تحمل الهزات الارتدادية، بحسب رأي الشاعر، ولكنه نصح بدوام مراقبة الأساسات، وبتحديد مكان آمن ضمن المنزل للجوء إليه في حال حدوث هزات قوية.

كيف تم تطوير تصميم التوسعة الثالثة للمسجد الحرام؟
منذ سنتين

كيف تم تطوير تصميم التوسعة الثالثة للمسجد الحرام؟

تناول الفصلان الأولان من قصة تصميم التوسعة السعودية الثالثة للمسجد الحرام، بدايات الموضوع بتشكيل فريق من المختصين من أساتذة الجامعات السعودية وغيرهم من الخبراء العالميين لدراسة المشروع المقترح للتوسعة، وذلك بناء على الأمر السامي الذي صدر في عام 1429هـ - 2008م، مع ذكر أبرز أسماء رؤساء اللجان والفرق الفنية المشاركة في الفريق الذي قام بتقويم وضع الحرم المكي من خلال الدراسات والمسوحات الميدانية، إضافة إلى تقويم التصميم المقترح، علاوة على تقديم رؤية تقنية للمسجد الحرام قام بها فريق من أساتذة وباحثي معهد ماساتشوستس للتقنية (إم آي تي MIT ). كذلك ذكرت أسماء فريق الباحثين الذين قدموا تلك الأبحاث، وكيف تمت الاستفادة من بعض الأفكار والمقاربات التصميمية والرؤى المستقبلية التي قدمها كبار المعماريين والمكاتب الاستشارية العالمية وبعض المكاتب والجامعات السعودية، في تطوير الفكرة التصميمية التي قدمتها جامعة الملك سعود وتم اختيارها من المقام السامي. تصميم جامعة أم القرى المقترح لرفع الطاقة الاستيعابية للمطاف يتطرق هذا الفصل إلى إعادة تشكيل اللجان والفرق التخصصية، ومنهجية العمل مع الاستشاري (دار الهندسة) والمقاول (مجموعة بن لادن)، والرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي (رئاسة الحرمين)، إضافة إلى مسارات العمل وآلية عمل الفرق، وتشكيل الفريق المؤقت الذي باشر تطوير التصميم المقترح، وكان غالبية أعضائه من كلية العمارة والتخطيط بجامعة الملك سعود، بحكم أنها الجهة صاحبة الفكرة التصميمية. وكان الفريق باشر تلك المهمة في مكاتب «دار الهندسة» بالقاهرة، وبالتضامن مع فرقها الفنية، وصولاً إلى اعتماد الملك عبد الله رحمه الله للمسار التطويري (التجزئة على مستوى الكتلة والحيز الفراغي الأصغر)، وصولاً إلى الفكرة التخطيطية والتصميمية لمشروع توسعة الملك عبد الله بصورتها التي انتهت إليها. ويلفت الفصل إلى عمل فريق الوزارة مع بدء التنفيذ وآلية العمل والتنسيق مع المقاول خلال تلك المرحلة، وتزامن العمل مع طرح فكرة مشروع رفع الطاقة الاستيعابية للمطاف وما تم بعدها، وتشكيل فريق فني ميداني من جامعة أم القرى لتولي بعض المهام، ثم كيفية انتهاء مهمة فريق الوزارة. كذلك سيتم ذكر المشروعات الخمسة الرئيسية التي دشنها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز ضمن المشروع الشامل للتوسعة السعودية الثالثة، مروراً ببعض القصص والمواقف المتعلقة بمشروع التوسعة وأعضاء الفريق، والوقوف عند أهمية هذه التجربة وفرادتها وكيف يمكن الاستفادة منها في المشروعات التي تنفذ اليوم. انطلاق المرحلة الثانية فور صدور التوجيه السامي بتطوير التصميم المقترح من جامعة الملك سعود، انطلقت أعمال المرحلة الثانية للمشروع في شهر ربيع الأول عام 1430هـ - مارس (آذار) 2009م، من خلال عدد من المهام والأعمال التي تضمنها التوجيه وأوكل تنفيذها إلى فريق الوزارة. وحدد الفريق الأساس الذي تولى أعمال المرحلة السابقة، وآلية العمل ومنهجيته لهذه المرحلة بما يضمن جودة دراسة المشروع ومستوى تخطيطه وتصميمه وتميزه من الناحية المعمارية والهندسية والتشغيلية والأمنية، فضلاً عن تحقيقه مبادئ الاستدامة ومفهومها، وإحداث نقلة نوعية في عمارة المسجد الحرام ترتقي إلى مستوى تطلعات القيادة السعودية الرامية إلى تيسير أداء العبادة لقاصدي المسجد الحرام، والنهوض بمستوى تقديم الخدمة لهم، وما تحمله هذه التطلعات من مضامين عميقة ورؤية واضحة، ترنو إلى مستوى عالٍ من التميز والجودة لمشروع التوسعة، ووفقاً لما نص عليه التوجيه السامي، وتلخصت آلية العمل في هذه المرحلة كما يلي: أولاً: اللجنة الثلاثية حلت بدلاً من اللجنة التوجيهية السابقة، لجنة ثلاثية مكونة من وزير التعليم العالي (د. خالد العنقري)، والرئيس العالم لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي (الشيخ صالح الحصين)، ورئيس «مجموعة بن لادن السعودية» (م. بكر بن لادن)، وهي تعمل كمرجعية للمشروع. وكان ممثلو فريق الوزارة يعرضون مخرجات العمل الجوهرية على هذه اللجنة بين فترة وأخرى، ويطلعونها على وضع المشروع ومساره وتحدياته. ثانياً: إعادة تشكيل الفرق التخصصية أُعيد تشكيل الفرق التخصصية للعمل ضمن إطار المشروع وفق الآتي: أولاً، الفريق الفني في وزارة التعليم العالي الذي ضم عدداً من الفرق الفنية المتخصصة والمتكاملة، من مختلف منسوبي الجامعات السعودية. وتعد هذه الفرق الذراع الفنية لإدارة المشروع المعنية بتحديد وتوجيه الدراسات اللازمة والتصاميم المطلوبة، وكذلك مراجعة واعتماد الدراسات والتصاميم المقدمة من الاستشاري (دار الهندسة)، وجاء تشكيل الفرق على النحو الآتي: الإدارة الفنية العامة: برئاسة أ.د. صالح بن حامد السيد. الفريق المعماري: برئاسة د. سمير بن محمود زهر الليالي. الفريق الإنشائي: برئاسة أ.د. يوسف بن عبد الله السلوم. فريق الحركة والحشود والخدمات المساندة: برئاسة أ.د. عبد الرحيم بن حمود الزهراني. فريق الكهروميكانيكا والمرافق الصحية: برئاسة د. إبراهيم بن عمر حبيب الله. فريق البيئة والاستدامة: برئاسة د. خالد بن محمد الجماز. ثانياً، هناك الفرق الفنية التخصصية لدى الاستشاري (دار الهندسة) والمقاول (مجموعة بن لادن السعودية)، وتعمل بالتضامن والتنسيق التام مع الفريق الفني في وزارة التعليم العالي على إعداد الدراسات والتصاميم اللازمة بتوجيه من الفريق الفني في الوزارة، الذي يقوم بمراجعتها وتقويمها ومن ثم اعتمادها. وأخيراً ممثل إدارة المشروعات في الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي. ثالثاً: منهجية تنسيق الفريق مع الاستشاري والمقاول ورئاسة الحرمين لعله من المناسب إعطاء نبذة عن «دار الهندسة» (استشاري المشروع)، التي ارتبطت بعلاقة استراتيجية مع «مجموعة بن لادن السعودية» وغدت استشاري مشروعات الحرمين الشريفين. تأسست «دار الهندسة» عام 1956 (1376هـ) على يد 4 من أساتذة كلية الهندسة في الجامعة الأميركية ببيروت؛ وهم كمال الشاعر ونزيه طالب وخليل معلوف وسمير ثابت، ونمت وتطورت عبر السنوات لتصبح إحدى كبرى الشركات المهنية والمكاتب الاستشارية الهندسية حول العالم. وفي الثمانينات من القرن الماضي، تشابكت «مجموعة بن لادن السعودية» وترابطت مع «دار الهندسة»، الأمر الذي مكن الأخيرة ومن خلال مكتبها بالقاهرة تحديداً، من أن تصبح «الصندوق الأسود» لمشروعات الحرمين الشريفين، بحيث بات لديها كل المعلومات والخرائط والمخططات والدراسات والتصاميم والمسارات، وغيرها من المعلومات المهمة والمرتبطة بمشروعات الحرمين الشريفين. هذا الكم من المعلومات إضافة إلى كوادرها المهنية المتميزة جعل دورها مهماً ومحورياً في تطوير التصميم. هيكلية تنظيمية لفرق العمل وقد انتهج الفريق الفني في وزارة التعليم العالي أسلوب عمل فريداً يعتمد على العمل الجماعي المتكامل داخل فريق الوزارة بتخصصاته المختلفة، وعلى التنسيق المباشر والتكامل مع الاستشاري والمقاول ورئاسة الحرمين خلال مراحل العمل المشترك. واتسم المنهج بالمرونة والكفاءة الفاعلة والعمل بروح واحدة وعقول متعددة، وبالحرص على اقتناص كل فكرة تطويرية واعدة في أي مجال تخصصي بغض النظر عن مصدرها، ومناقشتها وتعزيزها ودعمها وإثرائها من الجميع. واشتملت منهجية العمل الجماعي هذه على ورش العمل الدورية، حيث نُظمت مجموعة من ورش العمل التخصصية الدورية لتدارس وتنظيم العمل في مشروع تصميم توسعة المسجد الحرام وضبط جودته، ومناقشة المهام الفرعية المرتبطة به، ومتابعة أعمال تطوير التصميم وتوجيهه. وعُقدت ورش العمل هذه بحضور الفرق التخصصية المختلفة في وزارة التعليم العالي والاستشاريين في «دار الهندسة» و«مجموعة بن لادن السعودية» ورئاسة الحرمين، وبحضور خبراء عالميين في الاختصاصات المختلفة، استعين بهم أحياناً بحسب متطلبات مرحلة العمل. الشيخ صالح الحصين والدكتور صالح السيد والدكتور يوسف السلوم أمام مجسم التصميم قبل تطويره كذلك، اعتمدت المنهجية على تشكيل فرق عمل تصميم مشتركة لتسريع العمل ودعم تطوير تصميم مشروع التوسعة ولرفع مستوى الجودة ودقة الأداء. وشُكلت فرق عمل موحدة، بحسب ما تقتضيه المرحلة، مكونة من أعضاء بالفرق التخصصية بوزارة التعليم العالي ومن الاستشاري والمقاول ورئاسة الحرمين. وقد أنيط بها مهمة تطوير التصاميم المعمارية والهندسية لمشروع التوسعة المعتمد من المقام السامي الكريم، بحيث يقوم فريق الوزارة بمتابعة وتوجيه ودعم الأعمال المقدمة من الاستشاري (دار الهندسة) عبر التكامل مع فرقه المتخصصة والعمل معها، والمساهمة المشتركة الفاعلة بالأفكار والمقترحات التطويرية، كما أنيط بالفرق التخصصية في فريق الوزارة مهمة اتخاذ القرارات التصميمية والإشراف على مراجعة ضبط وتوحيد منظومات الأنظمة الأخرى في لغة معمارية وهندسية موحدة. رابعاً: مسارات العمل لما كانت المرحلة الثانية من المشروع تقتضي مراجعة وتقويم مخرجات تطوير تصميم مشروع التوسعة وتعزيزه بالأفكار الفنية التطويرية، اتخذ العمل في هذه المرحلة المسارات المتتابعة الآتية: مسار البحث والبرمجة: تضمن هذا المسار إعداد الدراسات اللازمة لمشروع التوسعة ووضع المعايير المرجعية التصميمية العامة والتفصيلية والبرنامج الفراغي للمشروع وتحديد المساحة البنائية التقديرية للتوسعة. وقد شرع فريق وزارة التعليم العالي ضمن هذا المسار في دراسة وتحليل جميع المقترحات التصميمية (الرؤى المعمارية) التي قدمت في المرحلة الأولى من قبل دور الخبرة المحلية والعالمية بهذا المجال، في ورشة عمل بالتعاون مع الاستشاري (دار الهندسة) و«مجموعة بن لادن السعودية»، وبمشاركة الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي وخبراء محليين تم إشراكهم مؤقتاً في هذا المهمة. وتم استخلاص بعض الأفكار والحلول التصميمية الواعدة من هذه المقترحات. كذلك حدد فريق الوزارة الدراسات اللازمة للمشروع وصاغ الإطار العام للملخص التصميمي التفصيلي في جميع الجوانب الفنية للمشروع، بالإضافة إلى تحديد نطاق البرنامج الفراغي، وتقدير مساحة البناء، بينما عمل الاستشاري (دار الهندسة) على إعداد المعايير التفصيلية والبرنامج المعماري التفصيلي، وذلك بالتنسيق مع فريق الوزارة الذي تولى مراجعتها واعتمادها. مسار تطوير تصميم مشروع التوسعة: عني هذا المسار بتطوير تصميم مشروع التوسعة من قبل الاستشاري (دار الهندسة) وبالتعاون والتنسيق المباشر والآني مع الفريق الفني في وزارة التعليم العالي. وسعى الفريق الفني بالوزارة ضمن هذا المسار إلى توجيه ومتابعة أعمال تصميم مشروع التوسعة والمشاركة الفاعلة والجوهرية في تطويره فكرياً وفنياً؛ منذ البداية وحتى عمل التصاميم المعمارية والهندسية التطويرية وتفاصيلها ومراجعة تطبيقها في أرض الواقع. ولتنفيذ المهام المتضمنة في هذا المسار بجودة وإتقان، تطلب ذلك تكامل الفريق الفني للوزارة واندماجه أحياناً مع الفرق المتخصصة للاستشاري (دار الهندسة) و«مجموعة بن لادن السعودية» ورئاسة الحرمين، والعمل معاً كفريق عمل موحد متكامل باتباع منهجية التصميم المتكامل لا المتتابع، كالتشاور المستمر والمتبادل بين جميع التخصصات، ما أدى إلى تسريع وتيرة العمل والارتقاء بجودته ونوعيته. وقد اتسم تشكيل فرق عمل المشروع بالديناميكية والمرونة بما يتوافق مع حاجات العمل وطبيعة مراحل المشروع، بحيث يشارك الأعضاء في مراحل المشروع حسب الحاجة. وتميزت طريقة العمل بروح الفريق الواحد والانسجام بين الأعضاء، وكانوا يتعاملون كزملاء في هذه المهمة السامية، فتتبلور الأفكار والحلول وتطرح من خلال النقاشات الجماعية، دون تمييز بين رئيس ومرؤوس؛ بل إنه كان يُناب بعض الأعضاء في حال غياب المدير الفني العام أو رؤساء الفرق، وكان الجميع يعملون بروح الفريق كما يقال: «الجميع يعمل على طاولة مستديرة». وأنيط بالفريق خلال انطلاق المرحلة الثانية مهمة ضبط جودة واتجاه تطوير تصميم التوسعة انطلاقاً من الفكرة التخطيطية والتصميمية لمشروع جامعة الملك سعود والمعتمدة من المقام السامي، وكان على الفريق الالتزام بمضامين التوجيه السامي خلال العمل في التطوير، وبالتضامن مع الفريق الفني للاستشاري (دار الهندسة) والرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، وتطلبت هذه المرحلة تكوين فريق عمل مشترك (مؤقت) برئاسة رئيس الفريق المعماري للمشروع، وعضوية عميد كلية العمارة والتخطيط بجامعة الملك سعود، الذي كان رئيساً لفريق التصميم الأساسي، وعدد من أعضاء هيئة التدريس ممن شاركوا ضمن فريق التصميم الأساسي بالكلية، بحكم أنها الجهة صاحبة الفكرة التصميمية، وذلك كاستشاريين غير متفرغين، كما انضم أيضاً إلى هذا الفريق أعضاء آخرون من كليات العمارة في الجامعات الأخرى، وأصبح بعضهم لاحقاً استشاريين متفرغين. وعقدت اجتماعات هذا الفريق المؤقت بمقر «دار الهندسة» في القاهرة، وذلك خلال الفترة من 17 جمادى الآخرة 1430هـ - 10 يونيو (حزيران) 2009م، إلى 16 رجب 1430هـ - 9 يوليو (تموز) 2009م. وأسفرت هذه المهمة التعاونية والتكاملية العاجلة التي استمرت لمدة شهر عن تطوير مسارات تطويرية متكافئة انطلقت جميعها من الفكرة التخطيطية والمعمارية للتصميم المقترح من جامعة الملك سعود والمعتمد من المقام السامي أساساً للتطوير، حيث ارتكزت هذه المسارات التطويرية على المبادئ الآتية: المسار التطويري الأول: القائم على مبدأ التجزئة على مستوى الكتلة والحيز الفراغي الأوسع. المسار التطويري الثاني: القائم على مبدأ التجزئة على مستوى الكتلة والحيز الفراغي الأصغر. والمساران متكافئان، أما الفرق الأساسي بينهما ففي التشكيل المعماري الداخلي للتوسعة. مخططات للتوسعة الثالثة وقد قُوّمت مخرجات هذين المسارين التطويريين المتكافئين والمطورين من قبل الفريق ذاته باستخدام معايير محددة، وبتفصيل أدق وضعت بهدف التحقق قبل عرضهما على المقام السامي من أن كلا المسارين يمكن أن يعمل بكفاءة في حال اختياره. أما معايير تقويم مخرجات المسارات التطويرية فهي: معايير مرتبطة بالأمن والسلامة وحركة الحشود: الأمن والسلامة ضمن المبنى والفراغات الخارجية - حركة الحشود ضمن المبنى والفراغات الخارجية - حركة الحشود من مبنى المسجد الحرام (التوسعتان الأولى والثانية) وإليه - التعرف المكاني (way finding) - ووضوح الإرشاد للمستخدمين. معايير مرتبطة بالكفاءة التشغيلية: العبادية، والمتعلقة خصوصاً بأماكن أداء الصلاة؛ ومنها اتجاه الكعبة وانتظام صفوف المصلين وتحفيز الخشوع. أداء الأنشطة الأخرى: إلقاء المحاضرات والدروس العلمية والوصول إلى المصاحف والوضوء والسقيا وغيرها. اقتصاديات التوزيع الفراغي: ترشيد مناطق الخدمات التشغيلية وترشيد ممرات الحركة الأفقية وترشيد مناطق الحركة الرأسية والاقتصاد في حجم شبكات الخدمات (مياه، تكييف، كهرباء، حريق... إلخ). مرونة إدارة المنشأة: تنظيم توزيع الرجال والنساء بعدة خيارات وتنظيم استخدام أجزاء محددة من المبنى وتنظيم إغلاق أو فتح بعض أجزاء المبنى على المستوى الأفقي، كما تنظيم إغلاق أو فتح بعض أجزاء المبنى على المستوى الرأسي، بالإضافة إلى تنظيم الوصول إلى مبنى التوسعة السعودية الأولى دون الحاجة لفتح مبنى التوسعة السعودية الثالثة للاستخدام، وتنظيم صيانة المنشأة وشبكات الخدمات دون الاختلاط بالمستخدمين في جميع الأوقات، بما في ذلك أوقات الذروة. معايير مرتبطة بعلاقة التشكيل الفراغي بالجوانب البيئية: الاستفادة القصوى من الإضاءة والتهوية الطبيعيتين وحماية محيط المبنى من العوامل البيئية وترشيد استخدام الطاقة غير المتجددة. معايير مرتبطة بالجودة الجمالية لعناصر مكونات المشروع: مبدأ الوحدة (Unity) - إثراء تجربة المستخدم للمكان من خلال التنوع المكاني (Variety) - التوازن بين المقياس الإنساني (Human Scale) وتحقيق المهابة الشرفية (Formalty) - الانسيابية (Spatial Interpenetration) - الشفافية (Form Transparency). معايير مرتبطة بمرونة التنفيذ: مرونة تحديد مراحل التنفيذ (Construction Phasing) - توحيد عناصر البناء (Building Components Standardization). لقطات لتصاميم المسار التطويري الثاني العرض والموافقة: في يوم السبت 18 رجب 1430هـ الموافق 11 يوليو 2009، عُرض المساران التطويريان المتكافئان على الملك عبد الله بن عبد العزيز في قصره بمدينة جدة من قبل أعضاء فريق الوزارة، وبحضور عدد من أصحاب السمو الملكي الأمراء والمعالي الوزراء، من بينهم وزير التعليم العالي ونائبه والرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، إضافة إلى رئيس «مجموعة بن لادن السعودية»، حيث اعتمد حينها المسار التطويري الثاني خياراً لتطوير تصميم مقترح جامعة الملك سعود للتوسعة، وصدرت الموافقة السامية بذلك. المرحلة الثالثة: استمر فريق الوزارة في ممارسة أعماله بالكفاءة ذاتها والروح الجماعية المتفائلة والمتفانية، ويشهد لها كل من عايش المشروع أو سنحت له فرصة الاطلاع على العمل من مسؤولين وغيرهم. وانطلاقاً من مبدأ العمل كفريق واحد بين وزارة التعليم العالي والاستشاري (دار الهندسة)، والمقاول (مجموعة بن لادن السعودية)، والرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، سعى الفريق المعماري وجميع الفرق التخصصية الأخرى بالوزارة في فترة تزيد على السنة، وبالتحديد في المدة من 22 رجب 1430هـ الموافق 13 يوليو 2009، إلى 23 رمضان 1431هـ الموافق 2 سبتمبر (أيلول) 2010، في عمل دائب ومتواصل إلى تطوير التصاميم الابتدائية والتصاميم التفصيلية للتوسعة، وذلك من خلال عقد ورش عمل متعددة ومكثفة ولقاءات نقاش ومراجعة متتالية في مقر الاستشاري (دار الهندسة) بالقاهرة أو بيروت حيناً، ومقر فريق الوزارة في كلية علوم البحار بجدة أحياناً أخرى. مع الأخذ في الحسبان تحقيق التكامل في جميع التصاميم المعمارية مع حلول ومقترحات وتصاميم النظم الهندسية (الإنشائية، والكهروميكانيكية، وتغذية المياه والصرف) وغيرها. وكان العمل في الفريق يسير وفق ما انتهجه منذ بداية تشكيله في المرحلة الأولى؛ على طاولة مستديرة تتلاقح فيها الأفكار والعقول وتسودها روح مهنية واحدة رغم اختلاف الآراء الذي كان يثري العمل ولا يعيقه. والجدير ذكره في هذه المرحلة أن العمل فيها كان بمنهجية تزامن التصميم والتنفيذ في الموقع (Design-Build Approach)، وهذا احتاج إلى مراعاة عالية للأولويات وضبط دقيق في جدول المهام والوقت وتناسق تام للمهام رغم تعددها وتراكبها وتداخلها. وبذلك كانت التصاميم والمخططات المعتمدة نهائياً تسلم للمقاول أولاً بأول للتنفيذ المباشر. جانب من التفاصيل المعمارية الداخلية يشار هنا إلى أن الحوار الثنائي بين أعمال الموقع وأعمال التصميم كان يغذي بعضها بعضاً، حيث كان تطوير التصميم يستجيب بصورة جادة مع معطيات الموقع، كمسارات زمزم ونحوها مما يستجد ظهوره، كما يستجيب في الوقت ذاته لمتطلبات التنفيذ والتصنيع والتوريد. نماذج من زخارف وتفاصيل معمارية للتوسعة ولم يكن العمل في هذه المرحلة مكتبياً أو على الورق أو الرسومات ثنائية الأبعاد، بل كانت التصاميم تمر بـ4 مستويات من العمل المهني التكاملي: التصاميم الورقية والحاسوبية، والمحاكاة الحاسوبية (Digital modeling)، والتجسيم الفيزيائي (physical modeling)، والبناء الفعلي للنماذج التصميمية (mockup) بمقياس 1:1 في ورشة بناء تقع في بحرة بين جدة ومكة المكرمة، خُصصت لاختبارات التصاميم من قبل المقاول المنفذ، ومراجعة ذلك في حركة تغذيات راجعة وتعديلات حتى الوصول إلى التصميم الأكمل، ومن ثم ينفذ على أرض الواقع بصورته النهائية المعتمدة. وفي هذه المرحلة تمت تغطية جميع جوانب التصاميم الأساسية من مساقط وقطاعات وواجهات داخلية وخارجية وأسقف وأرضيات ونظم صوتية وإضاءة وغيرها، واختيار المواد والعينات، وكثير من الجوانب التصميمية والمواصفات التفصيلية، سواء على المستوى المعماري أو التخصصات الهندسية الأخرى. وسواء كانت التصاميم لمبنى التوسعة الرئيسي، أو لمبنى الخدمات (المصاطب) بكل مكوناتها وعناصرها، أو مبنى الخدمات المركزية للتكييف والمعالجة، الواقع على بعد كيلومترات من التوسعة، أو بما يتعلق بأنفاق المشاة والأنفاق الأخرى تحت جبل الشامية (جبل قعيقعان)، أو الساحات وجسورها وما تحت الساحات من خدمات مواضئ ودورات مياه وغيرها، كل ذلك تمت تغطيته وإنهاء تصاميمه الأساسية وتفاصيلها، وتم اختبارها على أرض الواقع بمقياس 1:1، بل وتنفيذ أهمها فعلياً. وبعد هذا الإنجاز الضخم من الأعمال والتصاميم، بدا أن مهمة الفريق الفني التابع لوزارة التعليم العالي تقترب من نهايتها، تلك المهمة السامية التي انطلقت بتقويم التصميم المقترح للتوسعة المقدم من «مجموعة بن لادن السعودية»، وانتهت بتطوير التصميم المقترح من جامعة الملك سعود، ومرت خلالها بتكليف الفريق بدراسة عدد من المشروعات النوعية أو الحرجة الإضافية التي أحيلت إليه، وتخص بعض الجهات الحكومية، لكن تلك المشروعات لها قصة ثانية. كما تزامن عمل الفريق في تطوير تصميم التوسعة مع طرح فكرة دعوة كليات وأقسام العمارة في جامعات الملك سعود، والملك عبد العزيز، وأم القرى، والدمام (الإمام عبد الرحمن الفيصل حالياً)، وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، لتقديم مقترحات تصميمية لزيادة الطاقة الاستيعابية للمطاف، وأعد الفريق الأسس والشروط المرجعية لتصميم هذا المشروع. تصميم جامعة الملك عبدالعزيز المقترح لرفع الطاقة الاستيعابية للمطاف وأسند إلى جامعة أم القرى تطوير تصميمها المقترح في فترة لاحقة بعد انتهاء عمل الفريق، وذلك بالتضامن مع أحد المكاتب الاستشارية العالمية. وتم عرض المقترح على خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز رحمه الله، في قصر الصفا بمكة المكرمة مساء يوم السبت 27 رمضان 1432هـ الموافق 22 يونيو 2011. وكانت الجامعة شكلت لجنة فنية بإشراف مديرها الأستاذ الدكتور بكري بن معتوق عساس، وتولت اللجنة متابعة أعمال تشييد التوسعة السعودية الثالثة التي تنفذها «مجموعة بن لادن السعودية»، إلى جانب مراجعة دراسات وتصاميم مشروع رفع الطاقة الاستيعابية للمطاف، من خلال فريق فني برئاسة الأستاذ الدكتور فيصل بن فؤاد وفا. لكن تفاصيل تصميم ثم تنفيذ مشروع توسعة المطاف ومراحله تحديداً، وما حصل فعلاً على أرض الواقع، تستحق قصة منفصلة. تصميم جامعة الدمام (الإمام عبد الرحمن الفيصل حالياً) المقترح لرفع الطاقة الاستيعابية للمطاف المرحلة الأخيرة بانتهاء المرحلة الثالثة والاطمئنان على سلامة مخرجات تصاميم تطوير مشروع التوسعة الثالثة، بل وتنفيذ أجزاء منها، لم يتبقَّ حينذاك إلا مهمة مواصلة العمل في متابعة الرسومات التفصيلية لبعض الأجزاء ومتابعة تنفيذ ما تم اعتماده سابقاً في المرحلة الثالثة، مثل منظومة الاهتداء ومنظومة صحة المنشأة التي اعتمدت توجهاتها وبعض متطلباتها، بعد هذا كله رأت الوزارة وجاهة تجديد الدماء في الفريق، فتم إنهاء عمل الفريق الأساسي الذي بدأ منذ اليوم الأول حتى انقضاء المرحلة الثالثة بخطابات شكر خاصة بكل فرد منهم. وحينذاك رجع أعضاء الفريق الأساسي إلى مواقعهم بالجامعات، والبعض رأى الانضمام لـ«مجموعة بن لادن» للعمل هناك. الأمير نايف والأمير خالد الفيصل يستمعان لشرح من الدكتور سمير زهر الليالي وتزامناً مع هذا التغيير انتهت أيضاً مهمة اللجنة الثلاثية، وأسندت بعد ذلك بعض مهام فريق الوزارة إلى فريق جامعة أم القرى الذي توسعت مهامه الفنية والإدارية، ليصبح اسمه «اللجنة الفنية لمشروعات توسعة المسجد الحرام والعناصر المرتبطة به». ومن المهم الإشارة هنا إلى ملخص الفكرة التخطيطية والتصميمية لمشروع التوسعة بصورتها التطويرية التي انتهت إليه، كما يلي: يتكون مشروع التوسعة السعودية الثالثة للمسجد الحرام من جزأين رئيسيين. الجزء الأول: ويقع في منطقة الشامية بالجهة الشمالية من المسجد الحرام، ويشتمل على المبنى الرئيسي للتوسعة، والمصاطب المتدرجة والمرافق الخدمية الملحقة بها، إلى جانب الأفنية والساحات المفتوحة. الجزء الثاني: ويقع في منطقة التيسير على بعد 2 كم في الجهة الشمالية الغربية من المسجد الحرام، ويشتمل على محطة خدمات مركزية لخدمة المشروع تتضمن محطة تبريد مياه التكييف، والمولدات الاحتياطية، ومعالجة المياه الرمادية، والتخلص من النفايات، وورش الصيانة ونحوها. وقد اعتمدت الفكرة التخطيطية لتصميم مشروع التوسعة السعودية الثالثة على مبدأ «احترام مركزية الكعبة المشرفة وصفوف الصلاة، وتجزئة الحشود». لذا فقد تم تشكيل المشروع عن طريق توظيف محاور إشعاعية منطلقة من الكعبة المشرفة تقسم المشروع إلى أجزاء تتقاطع مع قطاعات حلقية دائرية مركزها الكعبة المشرفة، كالآتي: القطاعات الحلقية الدائرية: تشكل مكونات المشروع وتتضمن: المبنى الرئيسي: يتكون من 3 أجزاء رئيسية تقع بين 4 محاور إشعاعية. الأفنية الخارجية المفتوحة: تقع شمال وجنوب المبنى الرئيسي. المصاطب المتدرجة ومباني المرافق الخدمية: تقع شمال الأفنية الخارجية المفتوحة. الساحات الخارجية تقع حول المشروع من الجهات الشرقية (ساحة المسعى ومنطقة المروة) والغربية (ساحة باب العمرة وشارع أم القرى). المحاور الإشعاعية: تشكل هذه المحاور الإشعاعية جسوراً وممرات للحركة الأفقية والرأسية. وتقسم هذه المحاور للمشروع إلى أجزاء يمكن لكل منها احتواء عدد محدد من الحشود، مما يدعم من انسيابية وسلاسة حركة الحشود وتدفقهم وتعريفهم ويعمل على تحقيق أمنهم وسلامتهم. كما تحتوي على مجموعة الخدمات المساندة لخدمة تلك الحشود وتربط هذه المحاور بين أجزاء وعناصر المشروع. وقد اعتمدت الفكرة الأساسية لجامعة الملك سعود التي انطلق تطوير التصميم (المشروع) منها على مبدأ «الوحدة الوظيفية النموذجية» التي تمثل وحدة بنائية متكاملة في وظائفها وخدماتها، ويمكن تكرارها في اتجاه المحاور الإشعاعية، أو في اتجاه القطاعات الحلقية الدائرية لتكوين الكتل البنائية للمشروع التي تكوّن في مجموعها تشكيلاً عمرانياً وظيفياً مترابطاً يلبي المتطلبات الرئيسية للمشروع، ويتجانس مع مبنى المسجد الحرام ويراعي طبوغرافية الموقع. ويمكن من خلال هذه الوحدات البنائية تحقيق ما يلي: تجزئة الحشود إلى أجزاء محددة يمثل كل منها الحجم الأمثل الذي يمكن التعامل معه بصورة تحقق الأمن والسلامة وتساعد في انتظام صفوف المصلين وتمكنهم من أداء الشعائر التعبدية بسكينة وخشوع. توفير الخدمات والوظائف الحيوية للمستخدمين بصورة متكاملة من قاعات الصلاة والخدمات الملحقة بها. توفير المرونة اللازمة لتشغيل المبنى؛ مثل إمكانية استخدام أجزاء من المبنى في كل دور فقط أو استخدام أدوار محددة فقط بحسب الحاجة خلال المواسم المختلفة، مع إمكانية تخصيص مواقع مصليات النساء والرجال بشكل مرن. تيسر أعمال الصيانة لشبكات النظم الهندسية في مستويات ومسارات منفصلة تماماً للمستخدمين، وصيانة الفراغات الداخلية لكل وحدة بنائية دون التأثير على الأداء الوظيفي للوحدات عن حركة الأخرى. تصميم مكونات قياسية نموذجية لكل العناصر والتفاصيل المستخدمة بالمشروع المعمارية والنظم الهندسية. دعم وتيسير استراتيجيات مراحل التنفيذ أو التمدد للمستقبلي. إثراء التشكيل الفراغي وتحقيق الجودة الجمالية لعناصر المشروع مع إمكانية تميز كل وحدة بنائية بشخصية مستقلة تحقق سهولة التوجيه والإرشاد المكاني في كل منطقة من مناطق المشروع. البهو الرئيسي للتوسعة في المراحل النهائية وماذا بعد؟ توفي الملك عبد الله رحمه الله في 3 ربيع الثاني 1436هـ الموافق 23 يناير (كانون الثاني) 2015، وأكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز حفظه الله، فور توليه مقاليد الحكم، مواصلة العمل بواجبات ومسؤوليات خدمة الحرمين الشريفين التي تشرف بها ملوك البلاد السابقون، وتوفير الأمن والراحة والطمأنينة لضيوف الرحمن. وتأكيداً لحرصه على كل ما من شأنه أداء قاصدي المسجد الحرام لمناسكهم بكل يسر وراحة، تفقد الملك سلمان يوم السبت 12 شعبان 1436ه الموافق 30 مايو (أيار) 2015، مراحل مشروع التوسعة السعودية الثالثة للحرم المكي، ووجه بتسخير كل الإمكانات والمتطلبات التي يحتاج إليها المسجد الحرام ومشروع التوسعة. وقال: «سأنفذ وصية الملك عبد الله وقد أوصاني بالمشاريع في مكة». خادم الحرمين الشريفين يدشن عدد من المشاريع الرئيسية ضمن المشروع الشامل للتوسعة السعودية للحرم المكي(واس) وفي يوم 24 رمضان 1436هـ الموافق 11 يوليو 2015، دشَّن الملك سلمان 5 مشروعات رئيسية ضمن المشروع الشامل للتوسعة السعودية الثالثة، الذي تشرف على تنفيذه وزارة المالية، وهي: مشروع مبنى التوسعة الرئيسي، ومشروع الساحات، ومشروع أنفاق المشاة، ومشروع محطة الخدمات المركزية للحرم، ومشروع الطريق الدائرية الأول. قصة تصميم التوسعة ليست قصة أشخاص، أو جامعات، أو شركات أو استشاريين، أسهم كل منهم بدوره وجهده، ولكنها قصة عمل مهني مشرف، وقبل ذلك وبعده قصة قيادة نذرت نفسها لخدمة الحرمين ودولة سخرت مواردها لأمن وسلامة وراحة قاصديهما واستثمرت في الإنسان الذي أسهم في عمارتهما، وقدم الفكرة التصميمية لثالث التوسعات بعد نحو 75 عاماً من تصميم أول توسعة سعودية للحرمين الشريفين. وبعد، هذا جزء يسير من تاريخ التوسعة الطويل، مما يمكن استلحاقه لاحقاً. وكان في زوايا القصة وكواليسها جوانب مشرقة ومواقف مقدرة وجهود مشكورة، وقبل ذلك وبعده كثير من التوفيق والتيسير من المولى القدير، رغم التحديات والصعوبات التي تمثلت في ضيق الوقت المحدد لإنهاء الدراسة والجوانب المتعددة والمعقدة المتصلة بطبيعة وضع المسجد الحرام من حيث الإنشاءات والحركة وتباين ثقافات وخلفيات القاصدين وغير ذلك. أما عن الأعضاء، بل أكثرهم فتلك قصة أخرى. بعضهم رفض تسلم المكافآت رغم حاجته لها، وجلهم كانوا لا يريدون أن تذكر أسماؤهم في سجلات توثيق المشروع ولا غيرها، لأنهم يرون أن مجرد المشاركة في مشروع توسعة الحرم شرف لا يضاهيه شرف، وكل ذلك رغبة فيما عند الله وحده، وبذلك تولوا إلى الظل من دون أن يتباهوا بما قدموا أو يحمدوا بما عملوا. وتلك ليست مبالغة. فهنا قصتان فيهما خير مثال. أولاً فريق كلية العمارة والتخطيط بجامعة الملك سعود الذي طلب رئيسه تنفيذ استوديو افتراضي ثلاثي الأبعاد مقابل اختيار تصميم الجامعة أساساً لتصميم التوسعة، ليكون مكافأة لمنسوبي الكلية وتعم الفائدة للجميع، وبالفعل تم تنفيذ الاستوديو وتجهيزه في أحد معامل الكلية. الاستوديو الافتراضي الثلاثي الأبعاد بكلية العمارة والتخطيط بجامعة الملك سعود أما القصة الثانية، فقد كانت هناك حاجة ملحة لرئاسة الحرمين لاستشارة فنية حول إحدى المنشآت الإلكتروميكانيكية المرتبطة بالمسجد الحرام، وكانت كل الحلول التي قدمت من مقاول الصيانة تتجه إلى استبدال الأجهزة الموجودة بالكامل؛ بل ونقل المحطة إلى مكان آخر بما يستلزم ذلك من حفر لأنفاق وتكاليف إنشاء وتجهيز، فقرر الشيخ صالح الحصين رحمه الله، أن يستعين بأحد الاستشاريين المختصين في ذات التخصص المطلوب (هذا الاستشاري من جنسية عربية، وعمل لاحقاً ضمن الفريق الأساسي لوزارة التعليم العالي في مشروع التوسعة الثالثة)، وبعد أن عاين الدكتور المشكلة، واطلع على التقارير التي قدمت، اجتمع مع الفريق المسؤول عن تلك المنشأة ودرس بعناية مقترحات الاستبدال وما يقابلها من بديل، ورأى أن مقترح رفع مستوى حجم وطاقة المحطة الحالية في الموقع ذاته أمر ممكن ومجدٍ، وقدم التصور الكامل لإمكانية تحقيق ذلك فنياً، مما حسم الأمر، هذا الحل وفر ملايين الريالات على الميزانية العامة فرأى الشيخ الحصين تقديم مكافأة مالية له تعادل نسبة مئوية من إجمالي قيمة التوفير واستصدر الموافقة على ذلك، وحين قابل الشيخ الدكتور وشكره على جهده قدم له ظرفاً يحوي شيكاً بقيمة الأتعاب الاستشارية المقدرة، فلما علم الدكتور أن في الظرف شيكاً له رفض تسلمه من دون أن ينظر حتى إلى قيمة المبلغ (وكان كبيراً)، وباءت كل محاولات الشيخ لإقناعه بأخذه لأنه حقه الشرعي والنظامي أو ربما هو أقل، وأن عمله كان سبباً للتوفير على خزينة الدولة، وأدى لاختصار الجهد والوقت. كما صاحب تلك التجربة الفريدة والمعقدة الكثير من التسهيلات والدعم اللامحدود من حكومة خادم الحرمين الشريفين وتوفير جميع احتياجات الفريق وتأمين طلباته وتيسير الإجراءات واستقدام كبار الخبراء في العالم عند الحاجة، وتسهيل التواصل مع مراكز الفكر وبيوت الخبرة العالمية. كل ذلك من أجل توسعة بيت الله الحرام لاستيعاب الأعداد المزدادة من الحجاج والمعتمرين وتيسير أداء نسكهم بكل راحة وسلامة وأمان. إن المتمعن في هذه التجربة، يجد أنها مختلفة في منهجها عما سبق من توسعات الحرمين وفريدة في مشروعات الدولة الكبرى، عمل عليها مئات المتخصصين من أعضاء هيئات التدريس بالجامعات السعودية والخبراء العالميين في مختلف المجالات، وغيرهم من المهندسين والفنيين تجاوز عددهم المئات من مختلف الجنسيات، هذا عدا بيوت الخبرة والجامعات العالمية والرواد المعماريين، وغيرهم، بتنسيق بديع وتكامل فريد، وأنفق عليها مئات الملايين من الريالات. لذا يجب ألا تتوقف؛ بل يمكن أن تُدرس وتقوم ويستفاد منها ويؤسس عليها؛ ليس في مخرجاتها فحسب، بل وفي كونها تجربة مهنية جماعية نقلت كثيراً من العلوم والمعارف والتجارب والخبرات، وأسهمت في تطوير معارف وتجارب أعضاء الفريق وسن طريقة غير مسبوقة في تنفيذ دراسات المشروعات العملاقة من خلال منظومة عمل فرق تكاملية في جميع التخصصات والعلوم. ولعل الأهم بعد هذا التوثيق معرفة كيف يمكن تقويم تلك التجربة الفريدة والاستفادة منها ثم البناء عليها... *كاتب وباحث سعودي ما دور جامعة «MIT» في التوسعة السعودية الثالثة للمسجد الحرام؟ «الشرق الأوسط» تنشر قصة تصميم التوسعة السعودية الثالثة للحرم المكي «الشرق الأوسط» تنشر قصة اختيار تصميم التوسعة الثالثة للحرم المكي

السعودية... 100 عام من التجربة الشورية العريقة
منذ سنتين

السعودية... 100 عام من التجربة الشورية العريقة

الملك عبد العزيز في صورة نادرة عند إقرار أول مجلس للشورى في الدولة الناشئة منذ بدايات الدولة السعودية الحديثة، أرسى الملك عبد العزيز ثوابت وسنّ تقاليد راسخة منها اختيار الشورى منهاجاً وركيزة من ركائز حكمه الرشيد، ففي عهده تأسس مجلس الشورى وتعدّ تلك الخطوة أولى النقلات لمأسسة ممارسات الحكم، وهي النقلة أو التجربة التي أسست لمنظومة من المؤسسات الدستورية في الدولة الناشئة. بداية المجلس الأهلي بدأ ذلك الحراك الدستوري في شهر رجب 1343هـ - فبراير (شباط) 1925م بتشكيل «المجلس الأهلي» برئاسة الشيخ عبد القادر الشيبي، والذي أعيد تشكيله بعد نحو ستة أشهر بمسمى «مجلس الشورى الأهلي»، وانتُخب السيد محمد المرزوقي أبو حسين رئيساً، والشيخ عبد القادر الشيبي نائباً للرئيس والشيخ محمد سرور الصبان أميناً للسر. وفي عصر يوم الثلاثاء 13 محرم 1344هـ - 5 أغسطس (آب) 1925م افتتح عظمة السلطان عبد العزيز - كما كان يسمى وقتذاك – دورة انعقاد المجلس في مقرّه بدار الحكومة (مبنى الحميدية) بمكة المكرمة، وألقى ما يمكن عدّه أول «خطاب ملكي» في مجلس الشورى، واللافت أن ذلك الخطاب جاء في جزأين: الكلمة المختصرة التي ارتجلها الملك وتضمنت توجيهاته ورؤيته لعمل المجلس، أما الكلمة الموسعة أو البيان الرسمي فألقاها المستشار حافظ وهبة، وهذا التقليد استمر العمل به أحياناً، منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، وعدّ الأعضاء ذلك الخطاب الملكي «برنامج عمل» للمجلس، وقرّروا تشكيل لجان للنظر في كل الفروع التي وردت في الخطاب وبحثها ثم رفع النتائج لعظمة السلطان بعد إقرارها من المجلس، فيما يشبه الجواب على الخطاب الملكي. اللبنة الأولى في البناء الشوري وفي 2 ذو القعدة 1344هـ - 13 مايو (أيار) 1926م نُشر بلاغ رسمي لانتخاب المجالس الاستشارية بما فيها مجلس الشورى، وصدر مرسوم ملكي في 12 ذو القعدة 1344هـ - 23 مايو 1926م بإسناد رئاسة مجلس الشورى للشريف محمد شرف باشا بن عدنان آل غالب. إلا أن كل تلك المجالس لم تتشكل أصلاً بسبب قِصر المدة بين الدعوة لتشكيلها وصدور التعليمات الأساسية (أول وثيقة دستورية منشورة)، والتي نصت مواد القسم الرابع منها على تشكيل «المجلس الشوري». الملك فيصل بن عبد العزيز حينما كان نائباً للملك في الحجاز فشُكّل برئاسة نائب الملك في الحجاز في شهر صفر 1345هـ - سبتمبر (أيلول) 1926م، وكان نائبه مستشاره الشيخ عبد العزيز بن محمد العتيقي. وحقيقة، تعدّ تلك المجالس الثلاثة وبغض النظر عن مسمياتها وتباين المؤرخين في تسميتها وقصر مدتها، اللبنة الأولى في البناء الشوري الهيكلي ومرحلة التجريب والاختبار للنموذج الذي ستبنى عليه دولة المؤسسات السعودية، من حيث أنظمة تلك المجالس وطرق تشكيلها (انتخاباً أو تعييناً) وسابقتها البرلمانية في المنطقة وآليات عملها وإنجازاتها، لكنه من المتعذر في مقال كهذا الإحاطة بكل التفاصيل التي تستحق إفرادها ببحث مستقل يغوص في ثنايا تلك التجربة ويقيس أثرها وما تلاها من تجارب دستورية سعودية أوصلتها إلى ما هي فيه اليوم. المؤسس يفتتح المجلس بخطاب ملكي الشريف شرف عدنان وفي 9 محرم 1346هـ - 8 يوليو (تموز) 1927م وبناءً على توصيات لجنة التفتيش والإصلاح، وافق الملك على اعتماد نظام جديد للمجلس وتفريغ أعضائه وإعادة تشكيله برئاسة نائب الملك في الحجاز، وكان ينوب عنه في رئاسة الجلسات مستشاره الشريف محمد شرف عدنان. مرسوم ملكي لإسناد مجلس الشورى للشريف عدنان وفي 14 محرم – 13 يوليو 1927 افتتح الملك عبد العزيز دورته الأولى بخطاب ملكي، وهنا بعض مقتطفاته: «- الحكومة جادة في إدخال كثير من الإصلاحات والأعمال النافعة. - ستعرض على مجلسكم مشاريع وموضوعات عدة، منها: - مشاريع حفر الآبار الارتوازية لأن المياه أهم ما نحتاج إليه - مشاريع تعبيد الطريق بين مكة وجدة وتوسعة الشوارع في مكة. - إصلاح إدارة البريد والبرق التي استكملت معداتها لتعمل بموجب الاتفاقات الدولية بعد انضمام المملكة للاتحاد البريدي الدولي. - إصلاح شؤون المعارف وتوحيد نظام التعليم في البلاد. - إصلاح الحالة الصحية، واتخاذ الأسباب لراحة الحجاج». الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن ويقف خلفه الطيب الهزازي المؤسّس وتطوير مجلس الشورى وتعدّ هذه الدورة انطلاقة مجلس الشورى بشكله الذي استمر عليه لعقود، ثم جاءت الدورة الثانية فرأى الملك عبد العزيز ضرورة تطوير نظامه الذي صدر في 14 مادة مع ملحق من 7 مواد، كما صدر النظام الداخلي للمجلس في 24 مادة، وعُرف بنظام (1347هـ - 1928م)، واستمر العمل به لما يقارب 65 عاماً يمارس فيها المجلس اختصاصاته. المرسوم الملكي بتشكيل مجلس الشورى عام 1955م وإن كانت قلّت صلاحياته بعد إنشاء مجلس الوزراء عام 1373هـ - 1952م وصدور نظامه الذي منحه اختصاص السلطة التنظيمية، فكان لا بد من تطوير نظام مجلس الشورى بما يواكب مراحل التطور التي مرّت بها سلطات وأجهزة الدولة المختلفة، وكانت أولى المحاولات عندما بادر المجلس بإعداد مشروع تطوير نظامه ولائحته الداخلية عام 1373هـ - 1953م ورفعها إلى المقام السامي، وشكلت لجان لدراسة الموضوع، ثم دُرس في اللجنة المشكلة برئاسة الأمير مساعد بن عبد الرحمن عام 1382هـ - 1962م لإعداد مشروع النظام الأساسي للحكم، وبعد ذلك في اللجنة التي شُكّلت عام 1400هـ - 1980م برئاسة الأمير نايف بن عبد العزيز؛ فكان أحد مخرجاتها «نظام مجلس الشورى». تشكيل مجلس الشورى عام 1955م في 54 عاماً عُقد 5963 جلسة وعلى الرغم من تأخر تطوير النظام لنحو 40 عاماً، فإن تجربة المجلس في مرحلته تلك ظلت محفورة في الذاكرة السياسية والإدارية وآثارها محفوظة في الأراشيف الحكومية، وأحصى المؤرخ الشوري السعودي الدكتور عبد الرحمن بن علي الزهراني، أن عدد دورات المجلس خلال تاريخه الممتد بين عامي 1346 و1400هـ - 1927 و1980م، كانت (51 دورة) عقد خلالها (5963 جلسة) وأصدر (8583 قراراً) تضمنت مئات الأنظمة واللوائح والتعليمات والتفسيرات وغيرها. وتعاقب على عضويته (85 عضواً) ( تراوح عدد أعضاء الدورة الواحدة بين 6 و25 عضواً)، كان أطولهم مدة الشيخ أحمد بن إبراهيم الغزاوي الذي استمرت عضويته 51 عاماً تدرج فيها من سكرتير إلى عضو إلى نائب دائم لرئيس المجلس، أما أقلهم مدة فكان الشيخ محمد الطيب الهزازي الذي كانت عضويته لمدة شهر واحد فقط، وكان تمديد العضوية سمة لتلك المرحلة، ووجدت أن متوسط عدد سنوات العضوية يصل إلى 10 سنوات ونصف السنة للعضو الواحد. الملك فيصل... 49 عاماً رئيساً للمجلس وتولى رئاسة المجلس منذ عام 1346هـ - 1927م وحتى وفاته عام 1395هـ - 1975م الملك فيصل، واستمر المجلس بعد ذلك مرتبطاً بالملك ويقوم بإدارة أعماله نائب الرئيس، وحتى صدور الأمر الملكي بتعيين الشيخ محمد بن إبراهيم بن جبير رئيساً عام 1413هـ - 1992م، ومما يجدر ذكره أن ابن جبير كان عضواً في اللجان التي درست تطوير نظام المجلس منذ عام 1382هـ - 1962م. أما منصب نائب الرئيس، فقد تولاه كل من: الشيخ عبد الله بن محمد الفضل، والسيد صالح شطا، والشيخ عبد الله الشيبي، والشريف محمد شرف رضا، والشيخ أحمد الغزاوي والسيد صادق دحلان. أحمد الغزاوي كما تعاقب على أمانته العامة 7 أمناء عامون، هم: الشيخ أحمد الغزاوي، والسيد حمزة المرزوقي أبو حسين، والأستاذ فؤاد علي رضا، والسيد صادق دحلان، والسيد علوي العيدروس، والأستاذ محمد سعيد جوهرجي والأستاذ عبد الرزاق الطيب. ويلاحظ أيضاً أن هناك أسراً شورية تعددت أسماء منها في عضوية المجلس، مثل: الزواوي، وشطا، والشيبي، والفضل ونصيف. علماً أن آخر جلسة عقدها ذلك المجلس خلال دورته الـ51، كانت يوم 18 ذو القعدة 1400هـ - 27 سبتمبر 1980م. مجلس الشورى... من مكة إلى الرياض لكن اللافت، أنه بعد ذلك التاريخ لم تتوقف أعمال المجلس؛ بل استمر ككيان قائم له ميزانيته وموظفوه ومقرّه في حي الششة بمكة المكرمة، حيث أمانته العامة وجهازه الإداري، كما كان يتم التمديد إلى من بقي من أعضائه. صادق دحلان وبعد وفاة نائب رئيس المجلس الشيخ أحمد الغزاوي صدر الأمر السامي رقم (2931) في 13 رمضان 1401هـ - 14 يوليو 1981م، بأن يحل السيد صادق بن عبد الله دحلان محل الشيخ الغزاوي، في إدارة أعمال مجلس الشورى، حيث استمر حتى عام 1413هـ - 1992م وانتقال إدارات المجلس للرياض. من هنا يمكن القول إن مسيرة الشورى السعودية مستمرة منذ مائة عام، ولا أعلم سبباً في عدم استمرار المجلس في مرحلته الحالية امتداداً للمجلس السابق من حيث أرقام دوراته وسنواته، رغم أن المادة ثانياً من الأمر الملكي رقم (أ/91) الصادر بنظام مجلس الشورى نصت على: «يحل هذا النظام محل نظام مجلس الشورى الصادر عام 1347هـ...»؛ ما يؤكد أنه امتداد له وليس منفصلاً عنه! خادم الحرمين الشريفين لدى افتتاحه أعمال السنة الجديدة لمجلس الشورى (واس) تقليد ملكي عريق لافتتاح أعمال المجلس أما عن الخطب الملكية في مجلس الشورى، فاستمرت تقليداً عريقاً طوال عهد الملك عبد العزيز، ومما يسترعي الانتباه أن مجلس الشورى كان له مقر صيفي في الطائف، حيث افتتح الملك عبد العزيز الدورة الثالثة وألقى الخطاب الملكي في قاعة المجلس بالطائف يوم 2 ربيع الأول 1349هـ - 27 يوليو 1930م، كما ناب عن الملك في إلقاء الخطاب الملكي كل من: ولي العهد (الأمير) سعود، ونائب الملك في الحجاز ورئيس مجلس الشورى (الأمير) فيصل، والأمراء منصور بن عبد العزيز وعبد الله الفيصل بصفتهما رئيسين لمجلس الشورى بالنيابة. تلك الركائز التي أرساها الملك عبد العزيز في مرحلة دقيقة من عمر الدولة التي لم يكن اكتمل توحيدها بعد، وعلى الرغم من انشغاله في حروب التوحيد وتوطيد الأمن والاستقرار، فإنه كان حريصاً على تثبيت دعائم بناء الدولة واستكمال هياكلها التنظيمية ومؤسساتها الدستورية، والتي سار عليها أبناؤه ملوك المملكة العربية السعودية من بعده وطوّروا ممارساتها وتطبيقاتها. الملك فهد بن عبد العزيز يصدر مرسوماً ملكياً بإصدار نظام مجلس الشورى ويحل محل النظام السابق الصادر عام 1347 للهجرة فأصدر الملك فهد نظام مجلس الشورى عام 1412هـ – 1992م ونصت مادته 14: «يلقي الملك أو من ينيبه، في مجلس الشورى، كل سنة خطاباً ملكياً، يتضمن سياسة الدولة الداخلية والخارجية.»؛ لذا يمكن القول إن هذا الخطاب الملكي هو الوحيد المؤسس له دستورياً والمحدد مكانه ووقته. الملك فهد بن عبد العزيز وبجواره ولي عهده الأمير عبد الله بن عبد العزيز أثناء افتتاح أولى جلسات مجلس الشورى عام 1993م ركائز ثابتة في الخطابات الملكية وبتتبع الخطابات الملكية في مجلس الشورى خلال 30 عاماً، وجدت أن إطارها العام استعراض للسياسة الداخلية والخارجية مع رصد للمنجزات وإلقاء الضوء على المستجدات والتطورات، وعلى الرغم من اختلاف تفاصيل مضامينها عاماً بعد عام، فإن ركائزها الأساسية ظلت ثابتة، ويمكن تلخيصها في: - التأكيد على ثوابت الدولة ونهجها. - التأكيد على مكانة المملكة العربية السعودية وتشرفها بخدمة الحرمين. - التذكير بنعمة الأمن والاستقرار وضرورة الحفاظ عليها. - استعراض المنجزات والمستهدفات التنموية وأن المواطن هو محورها. - إيضاح الأدوار الإنسانية والإغاثية. - بيان المواقف السياسية السعودية. - استعراض للجوانب الاقتصادية من مبادرات ومخرجات للخطط، والإشارة للسياسات المالية والبترولية. - التطرق إلى الشأن الاجتماعي بمختلف جوانبه وأبعاده. ولا يخلو الخطاب عادة من ملامسة لموضوعات الساعة مع ختمه بعبارات الشكر. ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يلقي الخطاب الملكي السنوي لافتتاح أعمال مجلس الشورى (واس) أما عن من ألقى الخطاب الملكي خلال تلك الأعوام، فكل من: الملك فهد وناب عنه في بعض السنوات ولي عهده (الأمير) عبد الله، ثم الملك عبد الله وناب عنه ولي عهده (الأمير) سلمان، ثم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وأناب عنه هذا العام ولي عهده الأمير محمد بن سلمان. ثلاثة عقود منذ صدور نظام المجلس بعد تطويره، والمجلس يتشرف سنوياً بتلقي الخطاب الملكي في بداية كل سنة شورية؛ ما يؤكد تقدير القيادة للدور الوطني الذي يقوم به مجلس الشورى في اقتراح الأنظمة والقوانين وتطوير البنية التشريعية للجهاز الحكومي والإداري للدولة، خاصة خلال هذه المرحلة التنموية التاريخية التي تشهد فيها المملكة العربية السعودية حراكاً تشريعياً يواكب متطلبات «رؤية السعودية 2030»، ويلبي تطلعاتها المستقبلية ومستهدفاتها الوطنية، كما يعكس الدعم الذي يحظى به مجلس الشورى من القيادة السعودية ما يُمكّنه من القيام بدوره الرقابي والتشريعي، وأداء دوره البرلماني الوطني بالكفاءة المطلوبة. مراحل وتحولات وأدوار في مجلس الشورى وهنا، لا بد من توضيح أن المجلس مرّ بمراحل وتطورات وتحولات طوال مسيرته الممتدة وأدى أدواراً متعددة، فإضافة إلى دوره التشريعي، كُلف مهمات تفتيشية، وأسند إليه النظر في الأمور الإدارية، كما كان حاضراً في كثير من المحطات المفصلية في تاريخ الوطن، فمن أعضائه رُفع مشروع نظام إعلان توحيد البلاد وتسميتها المملكة العربية السعودية بدلاً من مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها عام 1351هـ - 1932م، كما اشترك مع مجلس الوكلاء ورئاسة القضاء في ترشيح الأمير سعود لولاية العهد عام 1352هـ - 1933م، وفي عام 1355هـ - 1936م أعد مشروع النظام الأساسي للمملكة من (140) مادة ورفعه للمراجع العليا، كما اشترك مع مجلس الوزراء في إصدار بيان مبايعة الملك فيصل عام 1384هـ - 1964م، وغير ذلك كثير. لذا؛ كان للمجلس دوره وتاريخه وإن قلت صلاحياته وتحولت كثير من اختصاصاته السابقة إلى أجهزة ومؤسسات أخرى، لكنه بقي كمؤسسة دستورية قائمة تنتظر تطوير نظامها ورهن إشارة الملك في أي وقت، كما كان دوماً حاضراً في ذهن القيادة، ومما يدل على ذلك أمر الملك فهد ببناء مقر للمجلس وفق أحدث التصاميم وتجهيزه بأفضل التقنيات ضمن مجمع قصر اليمامة في الرياض، وكان ذلك في أواسط الثمانينات الميلادية من القرن المنصرم وقبل صدور نظام المجلس وإعادة تشكيله بسنوات. ومن هنا يمكن أن نفهم ما سبق أن ذكره الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، في حديث نقله الكاتب السعودي خالد بن حمد السليمان، «أن تطوير دور وتعزيز صلاحيات مجلس الشورى هو إحدى الخطوات القادمة على طريق الإصلاح». ومن الموافقات، أن الخطاب الملكي هذا العام جاء ونحن في منتصف رحلة الإنجاز نحو 2030 وقد تحقق الكثير، وكان مدعماً بالأرقام والمؤشرات؛ مما يبشر بمزيد من النجاحات الاقتصادية، كما أن تسهيل أداء الحج والعمرة لما يقارب 12 مليون مسلم، واستضافة عدد من القمم الكبرى جمعت أكثر من (100) دولة في عام واحد، عدا تنظيم عشرات المؤتمرات والمنتديات والمعارض والفعاليات الكبرى المختلفة، يعكس الدور الريادي للمملكة والإمكانات التي تؤهلها لاستضافة أبرز المحافل العالمية. جانب من كلمة ولي العهد السعودي أمام «الشورى» (واس) الخطاب الملكي وخريطة الطريق ولا بد من الإشارة إلى أن المادة 14 في نظام مجلس الشورى والتي نصت على إلقاء الخطاب الملكي، جاءت قبل المادة التي حددت مدة المجلس، وتلتها المادة التي تضمنت اختصاصاته، ويمكن أن يُفهم من ذلك أن الخطاب الملكي ليس الغرض منه الإفصاح عن السياسة الداخلية والخارجية للدولة فحسب؛ بل وتزويد المجلس بخريطة طريق وبرنامج عمل لسنته التشريعية. وقد لا يكون معلوماً لدى كثيرين أن المجلس يعد جواباً على الخطاب الملكي، ووفقاً للمواد الواردة في قواعد عمله، يتم اختيار لجنة من بين أعضائه لإعداد مشروع الجواب على خطاب الملك، وبعد إقرار الجواب من المجلس يرفع إلى الملك. كل ذلك يؤكد أن الخطاب السنوي في مجلس الشورى ليس خطاباً حولياً روتينياً؛ لكنه تقليد ملكي دستوري عريق، له ركائزه وبروتوكولاته، ويمكن من خلاله فهم سياقات كثيرة لتاريخ المملكة العربية السعودية وقراءة لحاضرها واستشراف لمستقبلها. إن مائة عام من التجربة الشورية الفريدة بأبعادها وقواعدها وتطبيقاتها كافة وما يصاحبها من التقاليد الملكية الأصيلة ليست بالمدة اليسرة؛ لذا أرى أن الرجوع للخطابات الملكية يمكن أن يؤرخ للسياسة السعودية الداخلية والخارجية في 100 عام، كما أن تلك الخطب والكلمات لا تمثل خريطة طريق لمجلس الشورى وبقية مؤسسات الدولة فحسب؛ لكنها مفاتيح مهمة لقراءة المستقبل السعودي من قِبل المحللين والباحثين، ووثائق تاريخية للدارسين والمؤرخين.

نقلة نوعية للاقتصاد الرقمي السعودي في 2024
منذ سنتين

نقلة نوعية للاقتصاد الرقمي السعودي في 2024

نقلة نوعية للاقتصاد الرقمي السعودي في 2024 تشهد المملكة العربية السعودية وتيرة تطور استثنائية على مختلف الصعد تضعها على أعتاب تحول كبير خلال السنوات المقبلة. فمن خططها لاستضافة «إكسبو 2030» وكأس العالم لكرة القدم 2034، إلى تنفيذها حزمة من الحلول على نطاق واسع لكبح جماح الأزمة المناخية، يبدو جلياً أن المملكة عازمة على تقلُّد موقع الريادة على مستوى الرخاء الاقتصادي والاجتماعي. وفي خضم هذا التحول الذي استقطب أنظار العالم بأسره، يبرز الاقتصاد الرقمي بوصفه أحد مكوناته وممكناته الرئيسية، إذ خصصت المملكة العربية السعودية استثمارات ضخمة في مجالات الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء والأمن السيبراني وتحليلات البيانات الضخمة، انطلاقاً من إدراك حكومتها العميق أهمية هذه المجالات، والإيمان بأنها الركائز الرئيسية لاقتصاد التجربة المنشود، في حين تتطلع المملكة لرفع حصة الاقتصاد الرقمي من الناتج المحلي الإجمالي إلى 19.2 في المائة بحلول عام 2025، وهو أمر سيطلق طيفاً واسعاً من الفرص الثمينة لأبرز اللاعبين في قطاع التقنيات الرقمية وداعمي المجال التكنولوجي، على المستويين المحلي والدولي. مهمة هامة سيجسد عام 2024 محطة هامة للاقتصاد الرقمي وداعميه، إذ من المتوقع أن يتجاوز حجم الإنفاق على تقنية المعلومات والاتصالات حاجز 34.5 مليار دولار في هذا العام، في حين تستعد المملكة العربية السعودية لاستضافة المؤتمر التقني الضخم «ليب» مجدداً تحت شعار «نحو عوالم جديدة» مشجعةً شركات التكنولوجيا على الخروج بمزيد من المشروعات المبتكرة والأفكار البناءة. إن هذه الآفاق الواعدة تدعونا للتساؤل، ما الذي يمكننا توقعه تحديداً في المملكة العربية السعودية خلال عام 2024؟ حكومة تأخذ زمام المبادرة لا يوجد أدنى شك بأن الحكومة السعودية تقود دفة الثورة الرقمية الراهنة في البلاد. ونتيجة جهودها الحثيثة، تبوأت المملكة العام الماضي المركز الثاني بين دول مجموعة العشرين، وحلت في المرتبة الرابعة عالمياً في جاهزية الأنظمة الرقمية. ولتحقيق أهداف خطة التحول الوطني المحددة لعام 2025، كلي ثقة بأننا سنشهد عدداً من المبادرات التي تمهد الطريق لنشوء مزيد من مشروعات الاقتصاد الرقمي، من بينها إنشاء مزيد من المنصات الإلكترونية الحكومية على غرار منصة «أبشر» التابعة لوزارة الداخلية، إلى جانب تقديم الخدمات الرقمية للمواطنين والمقيمين عبر تطبيقات الهاتف المتحرك، وتطبيق «توكلنا» خير مثال لذلك. سنرى أيضاً إبرام كثير من الاتفاقات الاستراتيجية مع جهات ومؤسسات عالمية ومكاتب حكومية محلية. وفي الحقيقة، فإن العمل جارٍ على قدم وساق لتنفيذ خطة إنشاء مركز رقمي متكامل في مدينة الملك عبد الله الاقتصادية. القطاعات التقليدية: نحو تحول جذري تعكف 52 في المائة من المؤسسات السعودية على التحول بنماذج أعمالها التقليدية نحو شكل يواكب متطلبات المرحلة، ويتبنى منهجية العمل الرقمي. وفي ضوء هذه المساعي، من المتوقع أن تشهد قطاعات الرعاية الصحية، والخدمات المالية، والتجزئة - البيع بالجملة، والخدمات المتخصصة، والتعليم، وتيرة نمو متسارعة خلال السنوات الخمس المقبلة، وأعتقد أن رؤية الشركات العاملة في هذه المجالات تضع خططها لتسخير إمكانات التكنولوجيا على غرار الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء... وغيرها، بأفضل شكل ممكن. في الحقيقة، وسعنا مؤخراً شراكتنا مع شركة «حلول السحابة»، المزود الرائد لخدمات تقنية المعلومات للرعاية الصحية، لتعزيز حضورنا في المنطقة استجابة للطلب المتنامي على هذه الخدمات. ويتحول رواد قطاع الرعاية الصحية، مثل مجموعة مستشفيات د. سليمان الحبيب الطبية، نحو حلول الشبكات التي تتيح لهم رقمنة سجلاتهم، وأتمتة عملياتهم بسلاسة تامة، ومزاولة أعمالهم اليومية وفق أرقى مستويات الموثوقية والأمان. وبالنسبة للقطاعات الأخرى، تحرص المؤسسات على مراجعة استراتيجياتها المعدّة للتكنولوجيا مع استعدادها لرسم مسارات نموها المستقبلية وتعزيز قدرتها على تلبية ارتفاع الطلب المتوقع. وعلى أية حال، من الأهمية بمكان ملاحظة أن تبني التكنولوجيا لا يتعين أن يكون مجرّد واجب، بل آمل من الشركات أن ترى هذا التوجه الجديد من منظور استراتيجي بحت، ضماناً لامتلاكها الأساس الرقمي المناسب لتفعيل النمو التكنولوجي وتطبيق التحول الرقمي بأكثر الأشكال كفاءة، وفي المواضع التي يتحقق فيها أكبر أثر ممكن. صقل المهارات والإمكانات استجابة لضرورات المرحلة حقيقة أن الجيل السعودي الشاب والمتمرس في التكنولوجيا يشكل الغالبية العظمى من سكان المملكة ليست بالموضوع الجديد؛ فقد جرت كثير من النقاشات حول الحاجة لصقل مهارات الشباب السعودي، ومنحهم أفضل فرص التعلّم ليتمكنوا من لعب دور فاعل في الاقتصاد الرقمي المستهدف. ووفقاً لنتائج استطلاع رأي أعدته شركة «كيه بي إم جي»، ظهر أن جذب وتطوير المواهب اللازمة لتلبية احتياجات التحول الرقمي في المملكة هو محط اهتمام 41 في المائة من الشركات التي شاركت في الاستطلاع، وهو معدل ينسجم عموماً مع المتوسط العالمي المَعنيّ بهذه القضية. لذلك نجد الحكومة السعودية، اليوم، عكفت بالفعل على وضع خطط مُحكمة لجسر هذه الفجوة من خلال تدريب وتطوير 20 ألف متخصص ومتمرس في الذكاء الاصطناعي والبيانات، وأتوقع أن يحذو القطاع الخاص حذوها مع تكثيف جهوده الموجهة لهذا الغرض. ومن أبرز الأمثلة لذلك التعاون الذي أبرمته «آبل» وأكاديمية طويق مع «إكستريم نتوركس» لإطلاق أكاديمية مطوري «آبل» الأولى من نوعها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لتمكين وإلهام الشابات السعوديات الواعدات في مجالات التكنولوجيا وتطوير التطبيقات. تحتل المملكة العربية السعودية المرتبة الرابعة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على مستوى نظم الشركات الناشئة، ويمثل ذلك أحد الآثار الإيجابية للجهود التعليمية التي بذلها القطاعان العام والخاص في المملكة. ومن هذا المنطلق، أعتقد أننا سنشهد خلال العام المقبل عدداً من مشروعات ريادة الأعمال الجديدة القائمة على التكنولوجيا. فرص لا تحصى ما لا شك فيه أن الفرص السانحة في المملكة العربية السعودية لا تعد ولا تحصى، إلا أن التوجهات التي سترسم ملامح عام 2024، وما بعده ستتخطى التقنيات والحلول الجديدة، وستعتمد بشكل أكبر على الناس والشركات واللاعبين الرئيسيين الذين سيأخذون زمام المبادرة، وسيقودون دفة التحول؛ لذلك تؤمن «إكستريم نتوركس»، بوصفها من داعمي الاقتصاد الرقمي، بأن أثرنا الأكبر العام المقبل سيتحقق من خلال استنباط السبل المثلى للتعاون مع العملاء والشركاء والأقران، دعماً لـ«رؤية السعودية 2030»، وسعياً لاستقطاب الخبرات القادرة على ترسيخ ازدهار المملكة العربية السعودية.

أهم 6 توجهات لتقنيات «ويب 3.0» و«بلوك تشين» والعملات الرقمية
منذ سنتين

أهم 6 توجهات لتقنيات «ويب 3.0» و«بلوك تشين» والعملات الرقمية

تشهد تقنيات الـ«بلوك تشين» تغييرات هائلة تلقي بأثر كبير على قطاع الخدمات المالية؛ فالتمويل اللامركزي وعملات البنوك المركزية الرقمية تغيّر سبل إجراء المعاملات المالية وطريقة صياغة الخدمات وتقديمها. فهذه التقنيات لا تُحدث تحولاً جذرياً في قطاع الخدمات المالية التقليدي فحسب، بل تتيح آفاقاً جديدة لابتكارات خلاقة وتمهد الطريق نحو تعزيز الكفاءة وترسيخ الشمول المالي. نمو التمويل اللامركزي يمثل التمويل اللامركزي نقلة نوعية في عالم الخدمات المالية، ويقدم مستويات غير مسبوقة من اللامركزية، والكفاءة، وسهولة الوصول. وتقود هذه السمات الثورية التطور والنمو السريع للتمويل اللامركزي، وتغيّر بشكل عميق من سبل تفاعلنا مع خدمات الدعم المالي. وفي مشروعات التمويل اللامركزي، يتصاعد زخم تجربة خيارات الحوكمة اللامركزية، حيث تمنح مثل هذه الإجراءات المستهلكين مزيداً من التحكم في عمليات تطوير وتوجيه منصات التمويل اللامركزي. وتجسد مثل هذه الخطوات جهوداً حثيثة نحو إضفاء طابع عادل على الخدمات المالية يضمن الإصغاء لآراء المستخدمين ومراعاتها ضمن المنظومة المالية بالكامل. يزداد الاهتمام المؤسسي بالتمويل اللامركزي والعملات الرقمية بشكل ملحوظ؛ إذ تجذب العملات الرقمية شهية كبار اللاعبين لما تقدمه من عوائد كبيرة وقدرتها على حماية رؤوس الأموال من التضخم. ومن جانب آخر؛ بدأت تتضح الأطر التنظيمية لقطاع التمويل اللامركزي بشكل أكثر دقة، وهو ما يعدّ أمراً أساسياً في ضوء ما يشهده هذا القطاع من توسع مستمر وتوجه متنامٍ نحو تبني خدماته. ويمثل وصول تقنيات «الويب 3.0» أمراً ملحوظاً في خضم السيناريوهات المتغيرة لقطاع التمويل اللامركزي؛ إذ تعزز هذه التقنيات من سبل تفاعل الناس من خدمات التمويل اللامركزي. لذلك نجد الشركات المتمرسة في هذا المضمار، تعمل على إطلاق إمكانات تقنيات «الويب 3.0» في سياق خدمات التمويل اللامركزي، لتحقيق التكامل بين كثير من المحافظ، لتتيح للمستخدمين الوصول لأصول التمويل اللامركزي، والتطبيقات اللامركزية، وأسواق الرموز غير القابلة للاستبدال، بسرعة وسهولة كبيرتين. وينطوي مثل هذا المشروع على أهمية كبيرة لجعل التمويل اللامركزي أكثر سهولة في الاستخدام ومتاحاً بيسر كبير. ويعكس هذا المشهد المتغير الذي يضع خدمات التمويل اللامركزي في متناول كل من يحتاجه دون أي عوائق. كما أن محاولاتنا لتأسيس منظومة مزدهرة من الرموز غير القابلة للاستبدال والتشجيع بشكل شامل على استكشاف عالم «الويب 3.0» بشكل قائم على المكافآت، هي خطوات رئيسية نحو وضع خدمات التمويل اللامركزي في متناول الجميع، مع تعزيز قدرتها على تلبية شتى الاحتياجات. تبني الـ«بلوك تشين» على المستوى المؤسسي يكتسب استخدام الـ«بلوك تشين» على مستوى المؤسسات زخماً متصاعداً ضمن كثير من القطاعات؛ إذ باتت الشركات تعتمد على هذه التقنيات لتحسين عملياتها، وتعزيز موثوقيتها، وتبسيط إجراءاتها المعقدة. وهنا بعض السمات المهمة لهذا التوجه: 1- تمنح تقنيات الـ«بلوك تشين» الشركات القدرة على تتبع حركة البضائع، وتقديم الخدمات، وتدفق المعلومات، عبر تزويدها بأسلوب لامركزي واضح لتوثيق المعاملات. ويقود ذلك لتعزيز كفاءة وشفافية العمليات، ويحد من معدلات حدوث الخطأ والاحتيال.2- إن الثبات الذي تتمتع به تقنيات الـ«بلوك تشين» هو من مزاياها الرئيسية. فعند إضافة البيانات لشبكة الـ«بلوك تشين»، لا يمكن تغييرها دون الحصول على موافقات الشبكة بالإجماع. ولأنها تكفل نزاهة البيانات المخزنة، تعدّ هذه الميزة أمراً حيوياً للمؤسسات لتعزيز موثوقيتها بين الأطراف المعنية بأعمالها. 3- تعدّ العقود الذكية ذاتية التنفيذ؛ لأن محتوى العقود يوضع بشكل مباشر ضمن التعليمات البرمجية. وعند تلبية معيار محدد، تدخل أحكام العقود حيز التنفيذ بشكل تلقائي. وتبسط هذه العملية المؤتمتة من إجراءات الشركات المعقدة، وتحد من الحاجة للوسطاء، وتقلص من تكاليف المعاملات. 4- إن طبيعة شبكات الـ«بلوك تشين» المشفرة تقدم حماية مثلى للبيانات الحساسة، لذلك يشهد استخدامها نمواً متصاعداً لحماية البيانات في قطاعات مثل الرعاية الصحية، حيث تعدّ خصوصية المريض أمراً لا يقبل القسمة على اثنين. ويمكن لهذه الخصائص مساعدة الشركات على الوفاء بالتعهدات التنظيمية عبر تقديم سجلات مدققة تتسم بالشفافية، ومعاملات موثقة بالوقت. لذلك يعدّ هذا الانفتاح أمراً أساسياً لإعداد تقارير التنظيم والامتثال. عملات البنوك المركزية الرقمية يعدّ تبني عملات البنوك المركزية الرقمية توجهاً مالياً بارزاً؛ إذ يعكف كثير من الدول على بحث تبني عملاتها الرقمية الخاصة أو تعمل بكفاءة على تطويرها بالفعل. وتعدّ عملات البنوك المركزية الرقمية من أحدث التوجهات الراهنة لرقمنة الاقتصاد؛ إذ يغير هذا التوجه كلياً من سبل إدارة الأموال ويرتقي بالمشهد التجاري حول العالم. وتعدّ عملات البنوك المركزية الرقمية بمثابة عملات رقمية أو افتراضية تصدرها البنوك المركزية للدول وتخضع لضوابطها ولوائحها التنظيمية. وتمثل نسخاً رقمية من الأموال الفعلية للدول وتحظى بدعم الحكومة بدلاً من العملات الرقمية اللامركزية. وتعدّ قابلية البرمجة التي تتمتع بها عملات البنوك المركزية الرقمية من أبرز خصائصها وسماتها. فعندما تُستوفى معايير محددة، يمكن تفعيل أتمتة المدفوعات وتنفيذ العقود، بما قد يحول جذرياً من سبل مزاولة مختلف القطاعات أعمالها، على غرار ضمان تحصيل مدفوعات الشؤون الاجتماعية، والضرائب، والتزامات الاتفاقيات المالية. ويمكن لعملات البنوك المركزية الرقمية تحسين الشمول المالي، وذلك عند غياب الخدمات المصرفية التقليدية بشكل رئيسي؛ لأنه يمكن الوصول إليها عبر الهواتف المتحركة والقنوات الرقمية الأخرى، بما يتيح وضعها في متناول شرائح سكانية أوسع. وتمنح هذه العملات الرقمية البنوك المركزية أداة جديدة لإدارة السياسات النقدية؛ إذ يمكنها مساعدة هذه البنوك في تعزيز سيطرتها على التدفق المالي ومعدلات الفائدة، في حين تمنحها معلومات مفيدة حول النشاط الاقتصادي. إن توفير أطر تنظيمية لعملات البنوك المركزية الرقمية، لا سيما للمعاملات بين الدول، هو أمر أساسي. ويشمل ذلك التعامل مع المسائل القانونية والتنظيمية والامتثال للوائح المالية الدولية. تحسين تعليم الـ«بلوك تشين» ألقى الطلب المتنامي على الأشخاص المتمرسين في أعمال الـ«بلوك تشين» الضوء على ضرورة تحسين تعليم الـ«بلوك تشين»، فهذا التوجه التعليمي الواسع يعدّ أمراً أساسياً لإعداد الكوادر البشرية القادرة على المساهمة في ذلك وتعزيز زخم الابتكارات التعليمية لمواكبة التغير المتسارع في هذا القطاع. وهنا بعض الملاحظات من هذا التوجه: 1- تعمل المؤسسات التعليمية حول العالم على تطوير دورات تعليمية وبرامج أكاديمية تركز على الـ«بلوك تشين». وتغطي الصفوف الدراسية في هذا المجال كثيراً من الموضوعات؛ بدءاً بأسس الـ«بلوك تشين»، إلى الأفكار الأكثر تقدماً، مثل العقود الذكية، والتطبيقات اللامركزية، وأمان الـ«بلوك تشين». 2- تلعب منصات التعليم الإلكترونية دوراً أساسياً في توفير وصول عادل وشامل لتعليم الـ«بلوك تشين»؛ إذ تقدم مجموعة من الدورات التعليمية لجميع الأشخاص على اختلاف مستوياتهم، من المبتدئين إلى الخبراء المتمرسين. وتتيح هذه المنصات المرنة للطلاب الدراسة وفق وقتهم الخاص وراحتهم. 3- تكتسب أيضاً ورشات العمل المكثفة والمخيمات التعليمية زخماً متصاعداً، حيث تقدم المعرفة والمهارات العملية حول سبل تطوير الـ«بلوك تشين» وتطبيقاته. وتوجه هذه البرامج قصيرة المدّة تركيزها نحو صقل مهارات الملتحقين بها بسرعة وتأهيلهم للمسارات المهنية في مجالات الـ«بلوك تشين». وبينما يشهد تعليم الـ«بلوك تشين» اهتماماً متزايداً، فإن الصعوبات، مثل نقص المناهج المحددة والتطور التكنولوجي المتسارع، لا تزال بحاجة لإيجاد حلول لها. وتمنح هذه التحديات على أي حال فرص التعلم المستمر وتفتح آفاقاً واسعة لمواصلة تطوير تقنيات التدريس المبتكرة. الـ«بلوك تشين» المدعوم بالذكاء الاصطناعي يشهد إدخال الذكاء الاصطناعي على تقنيات الـ«بلوك تشين» تطوراً مستمراً ليرسم ملامح جديدة كلياً لمستويات الكفاءة والمرونة في شبكات الـ«بلوك تشين». ويقدم هذا التقارب بين الذكاء الاصطناعي والـ«بلوك تشين» كثيراً من المزايا والابتكارات، مثل: خوارزميات الـ«بلوك تشين» التي يمكن استخدامها لتعزيز أمان شبكات الـ«بلوك تشين»؛ إذ يمكنها المساعدة في اكتشاف مشكلات الأمان المحتملة بشكل أكثر كفاءة من المنهجيات التقليدية، على غرار معاملات الاحتيال أو خروقات الشبكات، عبر دراسة الأنماط والتعرف على المشكلات. وعلاوة على ذلك، يمكنها تحسين معالجة المعاملات عبر شبكات الـ«بلوك تشين» عبر توقع أوقات الذروة وتنظيم حمولات المعاملات. ويقود ذلك لتقليص زمن معالجة المعاملات ويقلل من الضغط على شبكات الإنترنت. وفي مجال إدارة سلسلة الإمداد، يمكن للذكاء الاصطناعي تقييم البيانات عبر شبكة الـ«بلوك تشين» لتحسين العمليات اللوجستية ونشاطات إدارة المخزون. يقدم إدخال الذكاء الاصطناعي في مجال «البلوك» إمكانات هائلة لفحص الكميات الهائلة من البيانات المحفوظة على شبكات الـ«بلوك تشين». وبناءً على تحليلات مباشرة للبيانات؛ يقود ذلك نحو الخروج برؤى مهمة للأعمال بما يحسن من دقة اتخاذ القرارات. فالذكاء الاصطناعي قادر على مساعدة شبكات الـ«بلوك تشين» في تحقيق التوسع المطلوب عبر تطوير موارد الأنظمة وزيادة الإنتاجية دون المساس بمستويات الأمان أو اللامركزية المنشودة. التشغيل البيني لشبكات الـ«بلوك تشين» يعدّ التشغيل البيني لشبكات الـ«بلوك تشين» تطوراً كبيراً تتصاعد أهميته بشكل مطرد في ضوء التطور التكنولوجي المتواصل. ويتجلى هذا المفهوم في القدرة على تأمين التواصل ومشاركة المعلومات بين شبكات الـ«بلوك تشين» المختلفة، التي تتيح إجراء المعاملات بشكل أكثر سهولة ضمن عدد من المنصات. ويمنح التشغيل البيني القدرة على التواصل بين عدد من شبكات الـ«بلوك تشين»، بما يعزز التعاون بين مختلف الجهات. ويعدّ هذا الأمر مفيداً على وجه الخصوص عندما تستخدم الأطراف المعنية منصات أخرى لـ«البلوك تشين»، في حالات مثل إدارة سلسلة الإمداد. ويمكن للمطورين استخدام التشغيل البيني لتصميم تطبيقات معقدة تستفيد من مزايا كثير من شبكات الـ«بلوك تشين». وقد يقود ذلك إلى تأسيس تطبيقات لامركزية أكثر كفاءة ومرونة وقدرة على تلبية الاحتياجات. إن التشغيل البيني يتيح إجراء المعاملات عبر الشبكات، حيث يمكن تحويل الأصول أو البيانات بكل أمان من شبكة «بلوك تشين» لأخرى. فهذه الخاصية عنصر حيوي لتعزيز انتشار وقبول تقنيات الـ«بلوك تشين» على نطاق واسع، مع زيادة فائدتها. وفي الخلاصة، ومع الخوض في هذه التوجهات الثورية، يبدو واضحاً أن أهمية تقنيات الـ«بلوك تشين» تتخطى مجرد أنها أداة مالية؛ إذ تمثل أساساً متيناً للابتكار ضمن مختلف القطاعات. وفي هذا الإطار، تأتي ضرورة الالتزام بريادة هذه التطورات المهمة، والمساهمة في المستقبل المنشود، حيث ستطلق تقنيات الـ«بلوك تشين» كامل طاقاتها ليكون العالم أكثر تواصلاً وكفاءة وشفافية. فهذه الرحلة الطموح مليئة بالتحديات على قدر غناها بالفرص، ونحن متحمسون للغاية للمضي قدماً فيها وصولاً للمستقبل المنشود.