عادت أسواق السندات العالمية إلى دائرة الاضطراب الحاد خلال شهر مايو، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب الإيرانية، مما وضع المستثمرين أمام مزيج معقد من المخاطر يتمثل في ارتفاع أسعار الطاقة، واستمرار الضغوط التضخمية،
واحتمالات تشديد السياسة النقدية. وقد دفعت هذه التطورات عوائد السندات إلى مستويات غير مسبوقة منذ سنوات، مع إعادة الأسواق تسعير توقعاتها لمسار أسعار الفائدة العالمية وسط مخاوف من تباطؤ اقتصادي متزامن مع تضخم مرتفع.في الولايات المتحدة، ارتفع عائد سندات الخزانة لأجل 30 عامًا إلى نحو 5.2% في 20 مايو،
وهو أعلى مستوى منذ عام 2007، بفعل تعثر محادثات السلام وارتفاع أسعار النفط فوق 110 دولارات، إلى جانب بيانات تضخم أميركية قوية. أما في بريطانيا،
فواجهت سوق السندات ضغوطًا إضافية، حيث صعد عائد السندات لأجل 30 عامًا إلى 5.87%، وهو أعلى مستوى منذ عام 1998، قبل أن يتراجع لاحقًا مع تحسن شهية المخاطرة.
وسجلت السندات الألمانية لأجل 10 سنوات أعلى مستوى لها منذ عام 2011، وسط موجة بيع واسعة.ومع ذلك، بدأت الضغوط تتراجع مع انخفاض أسعار النفط وتزايد التفاؤل بشأن تقدم المفاوضات بين واشنطن وطهران، بالإضافة إلى بيانات اقتصادية أضعف،
خصوصًا في أوروبا، مما قلل من احتمالات تشديد السياسة النقدية بشكل أكبر. وأظهرت بيانات حديثة أن النشاط الاقتصادي في منطقة اليورو انكمش بأسرع وتيرة له منذ عامين ونصف في مايو، متأثرًا بارتفاع تكاليف الطاقة.وبرزت الولايات المتحدة كاستثناء نسبي،
حيث تفوقت على أسواق السندات الأخرى خلال مايو؛ إذ ارتفعت عوائد السندات الأميركية لأجل 10 سنوات بنحو 6 نقاط أساس، بينما تراجعت العوائد الألمانية بنحو 6 نقاط أساس. ورغم تراجع التوقعات الأوروبية برفع أسعار الفائدة، حافظ الاقتصاد الأميركي على قوته مدعومًا بطفرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي،
مما دفع المستثمرين إلى تقليص رهاناتهم على خفض الفائدة هذا العام. وأظهرت بيانات ارتفاع مؤشر التضخم المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي إلى 3.8% على أساس سنوي في أبريل، وهو أعلى مستوى في ثلاث سنوات.ويرى محللون أن تحولات تسعير أسعار الفائدة كانت المحرك الرئيسي لتحركات السندات البريطانية، إلى جانب التقلبات السياسية.
كما أن ارتفاع العوائد الحقيقية في الولايات المتحدة وأوروبا يعكس مخاوف تمتد إلى تدهور الأوضاع المالية العامة، وسط جدل حول استقلالية السياسة النقدية في الولايات المتحدة.