منذ أن رشح الرئيس الأميركي دونالد ترمب كيفين وارش لقيادة الاحتياطي الفيدرالي أواخر يناير، تتجه أنظار المستثمرين والأسواق العالمية إلى الرجل الذي سيتولى رسم ملامح السياسة النقدية الأميركية في مرحلة تتسم بارتفاع التضخم وتزايد الضبابية الاقتصادية. بينما يترقب المتعاملون أول قراراته على رأس البنك المركزي، يظل السؤال الأبرز مطروحاً: هل سيعطي الأولوية لمكافحة التضخم عبر الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة أو رفعها،

أم سيستجيب لضغوط ترمب المتكررة باتجاه خفض الفائدة لدعم النمو؟وقد يحصل المستثمرون على أولى الإشارات بشأن توجهاته يوم الأربعاء، عندما يترأس وارش أول اجتماع للسياسة النقدية منذ توليه المنصب، ويعقد مؤتمراً صحافياً عقب الاجتماع. وستراقب أسواق السندات التي غالباً ما تتفاعل بقوة مع تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي،

من كثب أي مؤشرات قد تكشف عن المسار الذي يفضّله في إدارة السياسة النقدية.التضخم يضع الفيدرالي أمام معادلة معقدةيرى اقتصاديون أن وارش سيحرص على تبني موقف متوازن ومحايد في المرحلة الحالية، نظراً إلى أنه يتولى قيادة البنك المركزي في توقيت بالغ الحساسية. فارتفاع التضخم جعل من الصعب للغاية على الاحتياطي الفيدرالي التفكير في خفض أسعار الفائدة في المدى القريب، لأن مثل هذه الخطوة قد تعزز النشاط الاقتصادي وتفاقم الضغوط السعرية.

كما أن التحسن الملحوظ في سوق العمل منذ بداية العام أضعف أحد أهم المبررات التي كانت تدعم خفض الفائدة.وفي الوقت نفسه، ينقسم أعضاء لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، البالغ عددهم أحد عشر عضواً إلى جانب وارش، بين من يرى ضرورة رفع أسعار الفائدة لمواجهة الضغوط التضخمية،

ومن يعتقد أن إبقاءها عند مستوياتها الحالية لا يزال الخيار الأنسب. وتظهر البيانات الحكومية الأميركية ارتفاع معدل التضخم إلى 4.2 في المائة، وهو أعلى مستوى له في ثلاث سنوات، مدفوعاً بشكل رئيسي بارتفاع أسعار الوقود.وحتى ترمب خفّف نسبياً من حدة ضغوطه المتواصلة على الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة،

وبدأ يركز بدلاً من ذلك على التأكيد أن رفع الفائدة ليس ضرورياً في الظروف الحالية. وقال ترمب في مقابلة سابقة إنه يريد من وارش أن يفعل ما يراه مناسباً، لكنه أضاف أنه لا يوجد أي مبرر لرفع أسعار الفائدة.تعديلات متوقعة قد تُبدد آمال خفض الفائدةمن المتوقع على نطاق واسع أن يُبقي الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة الرئيسي عند نحو 3.6 في المائة خلال اجتماعه الأربعاء، وهو المستوى الذي استقر عنده منذ ديسمبر الماضي.

ورغم أن الأسواق لا تتوقع خفضاً للفائدة في الوقت الحالي، فإنها تترقب تعديلات محتملة في صياغة بيان السياسة النقدية، وهي تغييرات قد تخيّب آمال أولئك الذين يراهنون على تراجع تكاليف الاقتراض قريباً. فمن المرجح أن يتخلّى الاحتياطي الفيدرالي عن اللغة التي كانت توحي بأن الخطوة التالية قد تكون خفض أسعار الفائدة،

وأن يعتمد بدلاً منها صياغة أكثر حيادية.كما سيصدر الاحتياطي الفيدرالي توقعاته الاقتصادية الفصلية التي تتضمّن تقديرات لمسار أسعار الفائدة خلال الأعوام الثلاثة المقبلة. وفي مارس، أشارت هذه التوقعات إلى إمكانية تنفيذ خفض واحد للفائدة خلال العام الجاري. إلا أن اقتصاديين يتوقعون أن تُظهر التقديرات الجديدة عدم إجراء أي خفض خلال عام 2026،

مع احتمال تنفيذ خفض واحد أو خفضين فقط في العام التالي.وكان وارش قد انتقد في السابق هذه التوقعات، لافتاً إلى أنها توفر قدراً مفرطاً من التوجيه المستقبلي للأسواق المالية، وتدفع مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي إلى التمسك بتوقعاتهم لفترات طويلة حتى بعد تغير المعطيات الاقتصادية. ولهذا السبب،

سيراقب المحللون من كثب ما إذا كان وارش سيشارك شخصياً في إعداد هذه التوقعات الفصلية، وإذا امتنع عن تقديم تقديراته الخاصة، فقد يُنظر إلى ذلك باعتباره مؤشراً على رغبته في إعادة النظر بهذه الآلية أو حتى التخلي عنها مستقبلاً.وفي سياق متصل، تراجعت أسعار النفط بشكل حاد بعد إعلان توصل الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق أولي لإنهاء الحرب بينهما،

وهو تطور قد يُسهم مستقبلاً في تخفيف الضغوط التضخمية، إلا أن الغموض لا يزال يكتنف فرص التوصل إلى اتفاق دائم وشامل.وارش يعتزم إضفاء أسلوب مختلف على قيادة الفيدراليبعيداً عن قرارات السياسة النقدية، يتوقع مسؤولون وخبراء سبق أن عملوا مع وارش أن يتبنى أسلوباً مختلفاً عن ذلك الذي اتبعه جيروم باول. فهو يفضّل تقليص عدد الخطابات والتصريحات العلنية التي يدلي بها صناع السياسة النقدية،

وتشجيع المزيد من النقاشات الداخلية بعيداً عن الأضواء. كما يُرجح أن يتجنّب التعليق المستمر على التقلبات اليومية للاقتصاد والأسواق.وبينما اشتهر باول بأسلوبه المباشر والواضح في التواصل مع الأسواق، لمح وارش إلى أنه يستلهم نهجه من الرئيس الأسبق للاحتياطي الفيدرالي آلان غرينسبان، الذي تولى المنصب بين عامَي 1987 و2005 واشتهر بأسلوبه الحذر والمقتضب.

ويُتوقع أن يولي وارش اهتماماً أكبر للقضايا الاستراتيجية بعيدة المدى، مثل تأثير الذكاء الاصطناعي على الاقتصاد والإنتاجية، ومن المرجح أن يتجنّب الخوض في الملفات الأكثر حساسية مثل تأثير الرسوم الجمركية على التضخم، وهو ما قد يساعد الاحتياطي الفيدرالي على تقليص حدة الانتقادات السياسية الصادرة عن البيت الأبيض.وخلال سعيه للحصول على ترشيح ترمب،

دعا وارش إلى ما وصفه بتغيير النهج داخل الاحتياطي الفيدرالي، وانتقد البنك المركزي لفشله في احتواء موجة التضخم التي شهدتها الولايات المتحدة خلال عامَي 2021 و2022. إلا أن خبراء يعتقدون أن وارش سيفضّل بناء توافق داخلي حول أي إصلاحات محتملة بدلاً من فرض تغييرات جذرية بشكل أحادي. وخلال جلسة تثبيته أمام مجلس الشيوخ في أبريل،

أكد وارش أن أولويته الأساسية ستكون إعادة التضخم إلى مساره المستهدف، قائلاً إن التضخم خيار وعلى الاحتياطي الفيدرالي أن يتحمل مسؤوليته كاملة.وإذا ترجم وارش هذا الموقف إلى قرارات عملية عبر الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة أو حتى رفعها، فقد يجد ترمب نفسه في مواجهة خيبة أمل جديدة مع رئيس احتياطي فيدرالي اختاره بنفسه، وسط توقعات بأن يعبر الرئيس عن استيائه إذا لم يحصل على ما كان يأمله.

دونالد ترمب يصافح كيفين وارش خلال مراسم أدائه اليمين في البيت الأبيض بواشنطن (أ ف ب)