رحلة وصول النساء إلى معسكرات النزوح النائية في محلية طويلة شمال دارفور، بعد رحلة فرار طويلة قاسية ومضنية قطعن خلالها مسافة لا تقل عن 70 كيلومتراً بحثاً عن الأمان والمأوى والغذاء، ليست كما اعتقدن بأن تكون الخيام و"الرواكيب" (بيوت القش)، هي نهاية مطاف الخوف والنجاة من فظائع ورعب القصف وأهوال الطريق وفظائع حرب السودان في مناطق الفرار،

غير أن الواقع في المحطة الأخيرة والملاذ المنشود داخل بعض معسكرات النزوح شمال دارفور وإقليم النيل الأزرق لم يكن أفضل حالاً أو أكثر أماناً، بسبب المضايقات والعنف الجنسي نتيجة ظروف المعيشة غير الآمنة. شكاوى ومساومات وتصاعدت الشكاوى والاتهامات بمساومات "الجنس مقابل الغذاء" من تحول بعض المعسكرات إلى مصيدة للابتزاز والمساومات مقابل الحصول على حصة مساعدات من الإغاثة تسد رمق أطفال أرهقهم سوء التغذية أو أسر منكوبة استبد بها الجوع. ولفت تقرير حديث لصندوق الأمم المتحدة للسكان،

إلى أن النساء والفتيات الفارات إلى معسكرات النزوح بالنيل الأزرق لا زلن يتعرضن بصورة متزايدة للمضايقات والعنف الجنسي بسبب ظروف المعيشة غير الآمنة وضعف أنظمة الحماية. شكاوى وشهادات صادمة أدلى بها عدد من بعض الضحايا القاصرات منهن والبالغات وحتى المتزوجات، ممن تعرضن للابتزاز الجنسي، لموقع "دارفور 24"،

يتهمن فيها بعض من يقومون بالتسجيل بمنافذ توزيع المساعدات بممارسة الابتزاز الجنسي مقابل الحصول على مساعدات إغاثية، باستغلال حاجة الأسر الماسة إلى الطعام والدواء ومواد الإيواء. شهادات صادمة تؤكد إحدى الناجيات ممن تحدثن للموقع وهي من اللائي سبق وأن تعرضن للاغتصاب خلال رحلة نزوحها من الفاشر، أنها رصدت عدداً من حالات الابتزاز التي حدثت لفتيات غالبيتهن من القاصرات،

غير أنهن يرفضن الإبلاغ عن الجناة خشية ما يترتب على ذلك من تبعات، على رأسها الوصمة الاجتماعية. وكشفت نازحة أخرى 37 سنة وأم لعدد من الأطفال نزحت معهم من الفاشر، عن تعرضها للابتزاز الجنسي من قبل أحد العاملين في طويلة،

مقابل تسجيل ابنتها في المدرسة والحصول على دستة كراسات (12 دفتراً)، غير أنه وبسبب رفضها ونفورها منذ ذلك لم تتلق أي مساعدات منذ قدومها إلى طويلة حتى اليوم. وقالت إحدى المتطوعات في شبكات الحماية المجتمعية، إن اثنتين من جاراتها إحداهما بعمر 17 سنة والأخرى 18 سنة،

تعرضتا للابتزاز والاستغلال الجنسي مقابل المساعدات، بعدما دفعت بهما أسرتاهما للتسجيل للحصول على مساعدات إغاثية بمخيم دبة نايرة الجديدة خلال الأشهر الثلاثة الماضية. وأفصحت ناجية ثالثة عن تعرضها أيضاً للابتزاز الجنسي مقابل التسجيل للحصول على مساعدات نقدية تقدمها إحدى المنظمات الدولية، بيد أنها على رغم ذلك لم تتسلم المساعدة التي وعدوها بها في نهاية المطاف.

شكاوى ومحاكم ويقر أحد المتطوعين السودانيين بحدوث عمليات ابتزاز داخل مخيمات النزوح بمحلية طويلة، بواسطة بعض ممن يقومون بأدوار تنسيقية أو إدارية تتعلق بتسجيل قوائم المستحقين وتسليم المساعدات. وقال قيادي أهلي إن المحاكم الشعبية في بعض مخيمات النزوح بمنطقة طويلة بولاية شمال دارفور تشهد شكاوى من النساء والقاصرات، جراء ما يتعرضن له من ابتزاز جنسي وضغوط مقابل الحصول على المساعدات الإنسانية.

الفقر والجوع ويرجع ناشطون في محلية طويلة ومناطق أخرى ظاهرة الابتزاز الجنسي للنساء والفتيات في مناطق النزوح إلى تفاقم حدة الأزمة الإنسانية وتردي الأوضاع المعيشية، معتبرين أن ذلك ربما يكون هو السبب الرئيس وراء الظاهرة، إذ إن غالبية الحالات ناجمة عن الاستغلال نتيجة الفقر والظروف القاسية. يؤكد الناشط الإنساني محمود آدم وجود تقارير متزايدة تشير إلى أن الاستغلال والابتزاز الجنسي مقابل الحصول على المساعدات الإنسانية أصبح في الآونة الأخيرة من الهواجس والمشكلات المزعجة في بعض مخيمات النزوح بدارفور،

خصوصاً في المناطق التي تشهد اكتظاظاً كبيراً مع الضعف في أدوات وآليات الحماية والرقابة. حزمة مخاطر يؤكد آدم ظهور شكاوى في منطقة طويلة شمال دارفور من بعض النساء والفتيات بينهن قاصرات تعرضن لضغوط أو استغلال جنسي مقابل التسجيل أو الحصول على الغذاء والمساعدات، وسُجلت حالات حمل مرتبطة بذلك. تزايدت شكاوى الابتزاز الجنسي في بعض المعسكرات (اندبندنت عربية - حسن حامد) ترتبط الاتهامات بحسب آدم،

ببعض من لهم دور في عمليات توزيع المساعدات في استغلال حاجة الأسر النازحة، لكن المشكلة الأساس أن معسكرات النزوح الحالية في دارفور تجمع عدة أخطار بداخلها، فمع الاكتظاظ وتفشي الجوع وفقدان مصادر الدخل، هناك غياب للحماية ومؤسسات العدالة،

مما يجعل النساء والفتيات أكثر عرضة للاستغلال. يتابع المتحدث "لا يمكن نفي وجود الظاهرة لكن الجزم بتفشيها بصورة واسعة في المخيمات كافة أمر صعب، لأنه في الغالب لا يجري الإبلاغ عن كل الحالات بسبب الوصمة الاجتماعية والخوف من فقدان المساعدات نفسها". عشرات الضحايا في السياق تؤكد القيادية بهيئة محاميي دافور عازة محمد أحمد علمها بأن هناك ابتزازاً جنسياً بأنواع ودرجات مختلفة،

وبالذات حدوث عمليات اغتصابات من قبل بعض العاملين في مجال تسليم المساعدات الإنسانية ومَن يعرفون بشيوخ المعسكرات. وفق أحمد، هناك عشرات الضحايا في منطقة طويلة وما حولها من أماكن تجمعات النازحين، ولكن حتى الآن لا نعرف معلومات أكثر من ذلك،

لأن هناك تكتماً شديداً من قبل المسؤولين والضحايا معاً، نتيجة الخوف من المسؤولين وعدم الحماية لذلك لم تصل إلينا معلومات مفصلة حول تلك القضايا. كيف المحاسبة؟ ترى القيادية في محاميي دارفور أن المعالجات لهذا الوضع لن تتم إلا من طريق محاسبة الجناة،

وهو أمر يكاد يكون مستحيلاً حتى الآن، لأن سلطات الأمر الواقع هناك ليس لها قوانين محددة أو أجهزة عدالة ومحاكم، وغالباً ما يُلجأ فقط إلى التسويات عبر الأعراف الظالمة للنساء أو السكوت عن ذلك وإسكات النساء الضحايا بالقهر والتخويف. تطالب أحمد بضرورة أن تضع سلطات الأمر الواقع هناك تدابير قوية وصارمة تضمن تسليم العون الإنساني دون التعرض للابتزاز،

وأن تسمح تلك السلطات بتوعية النساء والفتيات بحقهن الأصيل في العون الإنساني وتدريبهن على الدفاع عن أنفسهن عبر تعليم فنون القتال والدفاع عن النفس المختلفة، وأن تسعى جادة في تكوين لجان نوعية تضم عناصر نسائية قوية أكثر من عدد الرجال لتكون هي المسؤولة عن تسلم وتوزيع العون الإنساني وترتب ذلك مع الجهات المانحة. شكاوى وتكتم وبحسب قادة أهليون، في طويلة تسجل المحاكم الشعبية والأهلية في بعض مخيمات وتجمعات النازحين،

ما بين ثلاث إلى أربع شكاوى يومياً متعلقة بالابتزاز والحمل وسط النساء معظمهن فتيات قاصرات وسط تكتم كبير من النساء والجناة على هذه الممارسات، إذ تضطر الأسر للدفع ببناتها الطفلات ما بين (15 و17 سنة)، للاصطفاف بغرض التسجيل في قوائم صرف الحصص الغذائية، مما يعرضهن للمساومات مقابل تسهيل التسجيل والحصول الغذاء.

وتحولت منطقة طويلة بولاية شمال دارفور الخاضعة لسيطرة وإشراف حركة جيش تحرير السودان، بقيادة عبدالواحد نور إلى أكبر تجمع للنازحين في السودان، نتيجة استقبالها أكثر من 665 ألف نازح من الفارين من الفاشر ومناطق أخرى بدارفور. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وتشهد المنطقة شحاً كبيراً في المواد الغذائية ومياه الشرب النظيفة،

وتدهور كارثي في القطاع الصحي، وسط نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية وانتشار سوء التغذية بين الأطفال، وسط غياب شبه تام للمساعدات الإنسانية. وتواصلت "اندبندنت عربية" مع رئيس الإدارة المدنية (الحاكم) للمناطق التي تسيطر عليها حركة جيش تحرير السودان مجيب الدين الزبير،

في شأن شكاوى والاتهامات حول وقائع الابتزاز إلا أنها لم تتلق رداً أو تعقيباً منه حول ما يدور داخل بعض المعسكرات. المنسقية تنفي في المقابل، نفي الأمين العام للمنسقية العامة النازحين واللاجئين بدارفور يعقوب محمد عبدالله فري، أن تكون هناك أي ممارسات ابتزاز جنسي أو استخدام الغذاء لأغراض أخرى غير الإنسانية،

متهماً جهات (أعداء) لم يسمها بالوقوف وراء مثل هذه الاتهامات. وقال فري، إن المنسقية ظلت تعمل على مدار أكثر من 20 عاماً كان خلالها الشيوخ ومنسوبو المنظمات يقدمون خدماتهم للنازحين من دون أي تجاوزات أخلاقية أو إنسانية، فالجميع في المعسكرات أهل والنساء فيها أما أمهاتهم أو بناتهم أو عماتهم.

استغلال وخطورة لم يقتصر تعرض النساء والفتيات في مخيمات النزوح للابتزاز الجنسي مقابل الحصول على حصة مساعدات من الغذاء على الاتهامات بحدوثها في بعض معسكرات دارفور فحسب، بل أيضاً رصد تقرير حديث لصندوق الأمم المتحدة للسكان تنامياً ملحوظاً لنفس الظاهرة في مخيمات النزوح بإقليم النيل الأزرق جنوب شرقي السودان، بتعرض الفتيات والنساء بصورة متزايدة للمضايقات والعنف الجنسي بسبب ظروف المعيشة غير الآمنة وضعف أنظمة الحماية. شهادات وبلاغات متكررة في المحاكم الشعبية (اندبندنت عربية - حسن حامد) وفق تقرير الصندوق لأبريل (نيسان) الماضي،

تتعرض النساء والفتيات في مواقع النزوح عالية الخطورة للاستغلال وآليات التكيف الضارة نتيجة الاكتظاظ، وضعف الإضاءة، ومحدودية الوصول إلى الخدمات الصحية وخدمات الحماية. موجات جديدة ولفت التقرير،

إلى أن تصاعد القتال في الإقليم تسبب في موجات نزوح جديدة، في وقت تظل الأوضاع جنوب كردفان شديدة الهشاشة، مع تسجيل حالات تحرش وزواج أطفال وعنف أسري واحتجاز نساء وفتيات عند نقاط التفتيش. أشار التقرير إلى تلقي أكثر من 102.700 شخص خدمات الوقاية والاستجابة للعنف القائم على النوع الاجتماعي خلال أبريل الماضي،

في 14 ولاية و34 محلية، شكلت النساء والفتيات أكثر من نسبة 95 في المئة منهم، بينما قدم نسبة 94 في المئة من هذه الخدمات عبر المساحات الآمنة للنساء والفتيات. نزوح ومعسكرات وقدرت منظمة الهجرة الدولية وجود 1974958 نازحاً شمال دارفور،

يمثلون نسبة 20 في المئة من إجمال النازحين داخلياً، يقيم 46 في المئة منهم في مراكز إيواء، و29 في المئة مع عائلات مضيفة، والبقية في المدارس والمرافق العامة والملاجئ الموقتة أو المساكن المستأجرة.

وتعد ولاية شمال دارفور أكثر الولايات تضرراً من النزاع، إذ لا تزال هجمات "الدعم السريع" مستمرة على بعض مناطقها الشمالية، بما في ذلك بلدات وقرى لا توجد فيها قوات للجيش أو أي مظاهر عسكرية. وبلغ عدد النازحين من محليات الكرمك،

باو وقيسان في إقليم النيل الأزرق، نحو 59742 شخصاً خلال الفترة من الـ11 من يناير (كانون الثاني) إلى الـ21 من مايو (أيار) الماضيين، يتوزعون على سبع محليات داخل الولاية، تحملت محلية الدمازين وحدها العبء الأكبر باستقبال نحو 31035 نازحاً،

وفقاً لإحصاءات منظمة الهجرة الدولية.