يواجه السودان تحديات بيئية خطرة في ظل تغير ملامح المناخ واستمرار الحرب التي دمرت البنية التحتية والطبيعة، بما في ذلك الغطاء النباتي وانحلال التربة، فضلاً عن التأثيرات على الموارد الطبيعية وهطول أمطار غزيرة في مناطق عرفت تاريخياً بندرة الأمطار. هذا،

إلى جانب درجات الحرارة وتسجيل مستويات قياسية، وفيضانات وسيول جرفت القرى والمزارع وحالت دون زراعة محاصيل نقدية مهمة تهدد الأمن الغذائي، مع تكرار مواسم الجفاف والتصحر في مناطق أخرى، وإفراز أخطار على صحة الإنسان بانتشار الأمراض والأوبئة.

لم تقتصر ظاهرة التطرف المناخي على الإنسان وحده، بل أسهمت في إهدار الثروة السمكية ونفوق الحيوانات وهجرة الطيور النادرة، مما يستدعي اهتمام الدولة بالبيئة كواحدة من القضايا الاستراتيجية. هذه التحديات البيئية تتزامن مع ظروف استثنائية معقدة،

إذ تتقاطع تأثيرات التطرف المناخي مع بداية موسم الأمطار في ضوء التبعات الإنسانية والاقتصادية للصراع الدائر بين الجيش وقوات "الدعم السريع"، مما جعل السودان يصنف رابع دولة من بين 186 دولة تأثيراً سلبياً بالتغيرات المناخية عالمياً، وهو مؤشر على عدم قدرته على الصمود والتكيف أمام هذه التحولات المناخية. خسائر فادحة في السياق،

يقول المزارع مصطفى الريح الذي يسكن الولاية الشمالية إن "التغيرات في حالة الطقس أسهمت في عدم استقرار زراعة بعض المحاصيل النقدية، بما في ذلك أشجار النخيل التي اشتهرت بزراعته ولايتي نهر النيل والشمالية في ظل مهددات نتجت من هطول أمطار غزيرة مع اقتراب وقت الحصاد، وهو ما سبب تلفاً لهذا المحصول الأهم في هذه المناطق". وأضاف الريح "خلال السنوات الأخيرة زادت نسبة معدلات الأمطار،

وأصبحت لها تأثيرات مباشرة في محصول التمر، مما شكل خسائر فادحة في الثمار قبل أوقات قصيرة من النضج حتى التي تستطيع المقاومة تكون عرضة للتسوس". وتابع المزارع السوداني قوله "المناطق الشمالية عرفت بندرة نزول الأمطار التي تعتبر ذات فائدة لأشجار النخيل، لجهة أنها فقط تغسل الأشجار من الحشرات الضارة،

لكن ما حدث على نحو مفاجئ من تقلبات مناخية أصبح يؤثر بصورة كبيرة في هذه الأشجار، مما أدى إلى أن يصبح مزارعو الولايات الشمالية أمام خيارات قاسية في تعزيز الحماية، التي بدورها تقود إلى أعباء إضافية في ظل العقبات التي تواجه الزراعة أصلاً في السودان بسبب الحرب". ويري المزارع أنه "إذا استمرت الأمطار بهذه المعدلات المرتفعة سيضطر المزارعون المتخصصون في زراعة أشجار النخيل إلى هجر إرث أجدادهم،

والبحث عن سبل أخرى للعيش في ظل فقدان قيمتها الاقتصادية". تطرف وهشاشة من جانبه، أوضح الراصد الجوي محمد الشريف أنه "بالفعل يواجه السودان تطرفاً مناخياً بات أقرب لليقين من الاحتمال من واقع الفيضانات والسيول المتكررة مع ارتفاع درجات الحرارة التي وصلت مرحلة قياسية، إلى جانب الجفاف وتأخر نزول الأمطار في بعض المناطق مع زيادة معدلاتها في أخرى عرفت بشح هطولها،

فضلاً عن العواصف الترابية التي أسهمت في تعرية التربة والتصحر". يضطر المزارعون إلى هجرة زراعة أشجار النخيل (أ ف ب) وأشار الشريف إلى أن "الدراسات العلمية الحديثة عن التحولات المناخية رصدت تغيرات متسارعة في مناخ السودان خلال العقود الأخيرة، لا سيما أن ما تشهده البلاد اليوم تجاوز حدود التذبذب المناخي، ودخل فعلياً مرحلة التطرف المناخي المتزايد،

إذ إن التقييم الدولي صنف السودان ضمن أكثر دول العالم هشاشة في مواجهة تداعيات تغير المناخ مقارنة بما كان سائداً خلال النصف الثاني من القرن الماضي". ولفت الراصد الجوي إلى أن "هناك أخطاراً تنتج عن الحالة المناخية في السودان تتداخل مع تحديات اقتصادية وأمنية قائمة، مما يجعل آثار الظواهر المناخية أكثر حدة، إذ إن ملايين السكان يعتمدون على الزراعة المطرية والرعي التقليدي،

وهو ما يجعل أي تغير في معدلات هطول الأمطار أو درجات الحرارة ذات انعكاسات مباشرة على الأمن الغذائي ومستويات الدخل والاستقرار الاجتماعي". زيادة الوعي على صعيد متصل، قالت الباحثة الزراعية والمهتمة بقضايا البيئة مروة بشير إن "هناك معايير ذات حساسية عالية جرى من خلالها تصنيف السودان في المركز الرابع عالمياً من حيث التأثر السلبي بالتغيرات المناخية وعدم صموده أمام التكيف مع التقلبات المناخية كان أبرزها تدهور الأراضي الزراعية وتقليص المساحات المزروعة بفعل الحرب التي لا تزال دائرة في البلاد، وتسببها في إزالة الغابات والغطاء الشجري نتيجة اعتماد المواطنين في الطهي على الاحتطاب في ظل غياب الرقابة الرسمية،

إلى جانب تلوث التربة والرعي الجائر، مما أسهم ذلك في زيادة خطر الجفاف والزحف الصحراوي، إذ إن التغير المناخي يؤثر بصورة كبيرة في رطوبة التربة، مما يؤدي إلى اتساع المساحات الجافة".

اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وأردفت بشير "تقليص المساحات المزروعة حتماً له تأثير في الأمن الغذائي بسبب فشل زراعة بعض المحاصيل وانخفاض الإنتاج، وبالتالي ارتفاع أسعار الغذاء وتفشي الجوع، وإحداث المجاعة، فضلاً عن زيادة الاعتماد على الاستيراد مما يرفع فاتورة الواردات والضغط على سعر الصرف،

إلى جانب عدم توفر المياه مقترناً مع ارتفاع درجات الحرارة تصل في بعض المناطق إلى 50 درجة مئوية، إذ تعتبر من العوامل التي تعوق الإنتاج الزراعي، مما يفاقم الاقتصاد الوطني، لا سيما أن كل المؤشرات تؤكد أن السنوات المقبلة ستشهد توقعات في انخفاض إنتاجية الذرة والدخن والصمغ العربي،

بخاصة في إقليم كردفان". ومضت في القول "البلاد تعاني الفيضانات، مما أسهم ذلك في توفير بيئة مناسبة لانتشار الأمراض نتيجة توالد النواقل بصورة كثيفة مثل الملاريا وحمى الضنك، والأوبئة التي تفشت على أوسع نطاق،

فضلاً عن السيول التي جرفت المزارع ومناطق مأهولة بالسكان، وأجبرتهم على النزوح القسري نحو المدن، ما يزيد الضغط على الخدمات التي تعاني في الأصل التدهور الحاد، إلى جانب التأثير في الاستقرار الاجتماعي والأمني".

ونوهت مروة بشير بأن "التداعيات المناخية لا تقتصر عند حدود الزراعة وصحة الإنسان فحسب، بل تؤثر في المياه السطحية والجوفية نتيجة تناقص الأمطار وارتفاع الحرارة وزيادة معدلات التبخر، وكذلك تمتد إلى النظم البيئية والمحميات والحظائر اليومية نتيجة تزايد أخطار التعرية الناتجة عن العواصف الترابية، فضلاً عن تأثر الثروة السمكية بسبب ارتفاع حرارة المياه على مستوى سطح البحر وملوحته،

إلى جانب نفوق بعض الحيوانات وهجرة الطيور النادرة". وأكدت الباحثة الزراعية والمهتمة بقضايا البيئة في ختام حديثها على ضرورة وقف الحرب وتعزيز مرونة البلاد المناخية مع تطوير نظام الإنذار المبكر للأزمات المرتبطة بالمناخ وزيادة الوعي المجتمعي للتكيف مع التغيرات المناخية، من أجل ضمان الاستقرار في مواجهة البيئة.