يعاني الوضع التنموي والاقتصادي في السودان أزمة بالغة التعقيد، تغذيها الحرب المستمرة وما يترتب عليها من تداعيات إنسانية ومناخية وخيمة. ولا تنبع التحديات التنموية في البلاد من غياب التخطيط الاقتصادي وحسب، بل من الصعوبة البالغة في تحويل التطلعات إلى مشاريع حقيقية ومستدامة،
وتحويل البرامج إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع. وفي حين تُعد التنمية الشاملة شرطاً أساساً لتحقيق سلام مستدام، علماً أن غياب اللامركزية الإدارية الحقيقية والمشاركة الشعبية يُعدان سببين رئيسين لفشل الخطط التنموية، فإن هناك حاجة ملحة أيضاً إلى وجود آلية مستقلة تضمن التوزيع العادل للموارد،
بما يحقق تنمية متوازنة، خصوصاً أن تطبيق النظام الفيدرالي في الأقاليم لم ينجح في تحقيق التنمية المنشودة. أقرت الأمم المتحدة عبر تقارير عدة بأن عملية التنمية المستدامة والشاملة في السودان تتطلب تعزيز التقدم الاقتصادي والاجتماعي والبشري، مع الحفاظ على الموارد الطبيعية وضمان استمرار التنمية الاجتماعية والبيئية والسياسية والاقتصادية على أسس قائمة على المساواة.
وفي هذا السياق، حث المندوب الدائم للسودان لدى الأمم المتحدة في جنيف حسن حامد حسن المجتمع الدولي على توجيه أولوياته نحو دعم التنمية في القطاعات الإنتاجية والخدمية، داعياً إلى الانتقال من التركيز على الاستجابة الإنسانية إلى تقديم مساعدات تنموية مباشرة لهذه القطاعات، وعده أمراً جوهرياً لترسيخ الاستقرار للعائدين لديارهم.
وأكد أن عودة أكثر من 5 ملايين سوداني لديارهم تستدعي إعادة ترتيب أولويات المساعدات الدولية حتى تتجاوز مجرد الاستجابة الإنسانية لتصل إلى دعم جهود الدولة الرامية إلى التعافي الباكر وإعادة تأهيل الخدمات الأساسية والبنية التحتية، وسط مخاوف من تعرضهم للنزوح مرة أخرى بسبب انعدام الخدمات في مناطق العودة، وفقاً لتقرير نشرته المنظمة الدولية للهجرة في الـ21 من سبتمبر (أيلول) الماضي. سعت الإدارات المتعاقبة إلى تنويع الاقتصاد وتوسيع الإنتاج الزراعي والصناعي (اندبندنت عربية - حسن حامد) اختلالات عميقة قال الباحث عامر بقاري إن السودان على امتداد تاريخه السياسي،
شهد سلسلة متكررة من التحولات بين الأنظمة العسكرية والمدنية، إضافة إلى مراحل انتقالية مختلفة. وعلى رغم تعدد آليات الوصول إلى السلطة، ظلت مؤشرات عدم الاستقرار السياسي والتحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة بصورة شبه دائمة.
وسعت الإدارات المتعاقبة إلى تنويع الاقتصاد وتوسيع الإنتاج الزراعي والصناعي وتحسين البنية التحتية، إلا أن هذه الجهود واجهت باستمرار عقبات مالية وسياسية ومؤسسية قوّضت قدرتها على تحقيق أهدافها. وأفاد بأن السودان ظل يعتمد على المساعدات الخارجية والمنح والقروض منذ فترة الاستعمار، وهو نمط بدأ مع مطلع القرن الـ20.
فمع الحكم الثنائي الإنجليزي - المصري، ظل الاقتصاد السوداني في جوهره اقتصاداً ريعياً لا اقتصاداً متطوراً، وبحلول نهاية الحكم الاستعماري عام 1956، كان أكثر من 80 في المئة من السودانيين يعيشون في فقر،
فاستمر الاعتماد على التمويل الخارجي. وأضاف بقاري أن هناك خططاً تنموية عدة من بينها الخطة العشرية خلال الستينيات التي مثلت أول محاولة وطنية لوضع إستراتيجية تنموية، ولكن فاقت أهدافها الإمكانات المالية المتاحة آنذاك. وهناك أيضاً الخطة الستية (1977-1982) التي واجهت نقصاً في تمويل التنمية وارتفاع الأسعار العالمية وزيادة كلفة رأس المال الأجنبي.
وعام 1983 أُعلن برنامج الاستثمار العام، ولكن أعاقت الاضطرابات السياسية عامي 1984 و1985 تنفيذه، مما دفع كثيراً من البنوك الأجنبية العاملة في السودان إلى المغادرة، قبل أن يعلق البرنامج نهائياً.
وتابع أن انقلاب عمر البشير عام 1989 أدى إلى تحول آخر في السياسة الاقتصادية، وبعد سقوطه وخلال الفترة الانتقالية، ظلت الأزمة مستمرة، لتجذرها في طبيعة الأنظمة المتعاقبة والبنية العميقة التي تعمل على إعادة إنتاج الأزمات باستمرار،
مشيراً إلى أن التغييرات في الواجهة السياسية لم يصاحبها أي تحول في القواعد التي تحكم ممارسة السلطة وتوزيع الموارد، أو آليات اتخاذ القرار، ونتيجة لذلك، تبدأ كل إدارة جديدة فترتها وهي تواجه تحديات واختلالات تشبه إلى حد كبير تلك التي واجهتها الإدارة التي سبقتها.
اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) حلقة مفرغة وصف البنك الدولي النزاع الذي اندلع في أبريل (نيسان) عام 2023 بأنه تسبب في دمار واسع للقدرات الإنتاجية والبنية التحتية، مما أدى إلى انكماش حاد في الناتج الحقيقي بعد ذلك. ويشير تحليل حديث أجراه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن السودان لا يزال عالقاً في حلقة مفرغة من ضعف المؤسسات والأداء الاقتصادي. وعمقت الحرب هذه المشكلات مما خلق ديناميكية دائرية تعزز ذاتها،
إذ تبدأ الحلقة بضعف التنمية، مما يؤدي إلى التهميش والبطالة ويغذي بدوره تصاعد التوترات والصراعات، وينتج منه تدمير للقدرات الإنتاجية والبنية التحتية، ويدفع نحو مزيد من الفقر والتخلف التنموي.
وأشارت أستاذة الاقتصاد صفية الزاكي إلى أن الحرب كشفت عن زيف الأرقام التي كانت تستخدم سابقاً لإخفاء الواقع خلف مؤشرات النمو الاقتصادي الظاهري، فانهار القطاع المصرفي في غضون أيام قليلة، مما أظهر أنه لم يعمل يوماً كنظام حقيقي للوساطة المالية. كذلك تفككت سلاسل توريد الغذاء بسرعة،
كاشفة عن اعتماد شبه كلي على استيراد السلع الأساسية، وهي سلع كان ينبغي إنتاجها محلياً في أرض تُعد من بين الأكثر خصوبة في أفريقيا. وأضافت أن في الوقت ذاته، غادرت الكفاءات المهنية الباقية البلاد في موجة هجرة واسعة،
مما يسلط الضوء على ضعف رأس المال البشري الذي عملت الدولة على مدى عقود على استنزافه من خلال سياساتها الخاصة. وقالت الزاكي إن مؤشرات عدة، من بينها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، تظهر تراجع معدلات هطول الأمطار عن متوسطاتها التاريخية وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية وانحسار الغطاء النباتي،
مما أدى إلى اتساع نطاق الجفاف الذي بات يؤثر الآن في ما يقارب 50 في المئة من الأراضي الزراعية في البلاد. وذكرت أن أثر هذا النقص لا يقتصر على المحاصيل وحسب، بل يمتد ليشمل الثروة الحيوانية التي تُعد مصدر الرزق الرئيس لملايين السودانيين. وتتزامن هذه التحديات المناخية مع معاناة القطاع الزراعي من تبعات الحرب الدائرة،
إذ أدى النزاع إلى تراجع التمويل وتعطل سلاسل الإمداد والتسويق وارتفاع كلف الوقود والبذور بصورة حادة، مما زاد من الضغوط على المزارعين وأضعف قدرتهم على التكيف مع شح الأمطار. عوامل الإخفاق تظهر تجربة السودان أن فشل خطط التنمية نبع من مزيج من ضعف القدرة التنفيذية والانحراف عن البرامج المعتمدة والتضخم والتمويل بالعجز وعدم الاستقرار السياسي، وحصيلة عوامل عدة.
والعامل الأول يتمثل في ضعف الدولة ومؤسساتها، فغياب الاستمرارية في خطط التنمية وضعف الرقابة والمساءلة وتغير السياسات مع تبدل الحكومات، كلها أدت إلى تآكل القدرة المؤسسية للدولة. ومع ضعف المؤسسات،
تشتد المنافسة على الموارد والسلطة. ويكمن جوهر المشكلة في أن الدولة لا تزال تعمل كآلية غير مستقلة تماماً عن مراكز النفوذ المختلفة، فالمؤسسات لم تعمل ككيانات محايدة، بل كأذرع لشبكات نفوذ سياسية واقتصادية واجتماعية،
مما حد من قدرتها على وضع قواعد مستقرة تتجاوز التغيير السياسي. والعامل الثاني هو ضعف القاعدة الإنتاجية الناجم عن سياسات اقتصادية غير مستقرة تنفر الاستثمار. ونتيجة لذلك، تتضاءل قدرة الاقتصاد على خلق فرص العمل وتنويع مصادر الدخل،
مما يجعل الدولة أكثر اعتماداً على الموارد الريعية والتمويل العام، ويجعلها بالتالي أكثر عرضة للصدمات. معالجة هذا الإخفاق تبدأ من خلال حماية القدرات المحلية وضمان الشفافية المالية (أ ف ب) والعامل الثالث هو فشل الموارد الزراعية والمعدنية والصناعية في التحول إلى إنتاج ووظائف ودخل، مما يفاقم الضغوط الاجتماعية والاقتصادية،
ويمكن أن يتصاعد التنافس على الأراضي والموارد والأسواق ليتحول إلى صراع سياسي أو عسكري. أما العامل الرابع، فيتمثل في مسار الدين الخارجي للسودان، وهو مسار شهد منعطفات حرجة عدة منذ نشأة النظام السابق.
ولا تقتصر أزمة الديون على العجز عن التخلص من عبء الالتزامات الخارجية وحسب، بل تمتد لتشمل فشل السودان في الارتقاء إلى مصاف الدول الدائنة، تلك التي تتجاوز أصولها الخارجية التزاماتها. ومن المفارقات أن جزءاً كبيراً من هذه الديون لم يستثمر قط في مشاريع تنموية ذات جدوى،
بل وقعت البلاد في مأزق حين تستخدم القروض الجديدة لسداد فوائد القروض القديمة، بينما تزداد الفجوة التنموية اتساعاً مع تعاقب الأجيال. توقعات محتملة يرى عضو منظمة "السلام من أجل الإعمار والتنمية" صالح طه أنه ما دامت الحرب مستمرة، فلا يمكن التعامل مع جمود التنمية في السودان على أنه مجرد عجز مالي يمكن معالجته بضخ الأموال،
إذ يجب أن تكون الأولوية لحماية العائدين، والمؤسسات الضرورية للبقاء، مع ضمان ألا تتحول المساعدات الإنسانية إلى بديل دائم عن الدولة. ويشير طه إلى أنه في حال استمرار الحرب،
فيزداد احتمال التخلي عن مشاريع التنمية الوطنية، وسيختلف توفر الخدمات بناء على الجهة المسيطرة والموارد المتاحة، بينما سيستمر "اقتصاد الحرب" في التوسع. ويضيف أنه في حال حدوث تهدئة جزئية من دون التوصل إلى تسوية سياسية كاملة،
فإنه في المناطق الأقل تأثراً بالعنف، يمكن الاستثمار في برامج التعافي مثل إعادة تأهيل المرافق ودعم صغار المزارعين وإعادة فتح الأسواق واستعادة الوصول إلى الطاقة والمياه، وإدارة مثل هذه المشاريع بالشراكة مع المجتمعات والسلطات المحلية، بعيداً من الولاءات السياسية أو الفصائلية.
أما في حال توقف الحرب والتوصل إلى اتفاق سياسي شامل، فيشير عضو منظمة "السلام من أجل الإعمار والتنمية" إلى أنه قد تبدأ عملية الإعمار، لكن صرف الأموال يجب أن يكون مشروطاً بإصلاحات ملموسة، تشمل الرقابة المستقلة والشفافية في عمليات الشراء وتدقيق العقود والتوزيع العادل للموارد ومعالجة "اقتصاد الحرب" وإطلاق مسار للعدالة الانتقالية والمصالحة.
وكما أشار طه، فإنه في ظل جميع هذه الاحتمالات، لا بد من التحول نحو تنويع الإنتاج بدلاً من الاعتماد على تصدير المواد الخام، مع إعطاء الأولوية لقطاعات الزراعة والثروة الحيوانية وتصنيع الأغذية.
وأضاف أن معالجة هذا الإخفاق تبدأ من خلال حماية القدرات المحلية وضمان الشفافية المالية، وربط كل مشروع باحتياج محدد وآلية مساءلة مستقلة، فإعادة الإعمار من دون تغيير قواعد الحوكمة وآليات توزيع الموارد لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمات ذاتها.