يدخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من تطوير البنية التحتية، لا تقتصر على إنشاء المزيد من الأصول، بل تركز على جعل شبكات الطاقة والمصانع والمباني ومراكز البيانات أكثر ذكاءً وكفاءة وقدرة على مواجهة الاضطرابات. وتُظهر بيانات حديثة أن المؤسسات في المنطقة تتقدم على المتوسط العالمي في وضع أهداف خفض الانبعاثات،

وتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي الصناعي، والاستثمار في الشبكات الذكية. لكن هذا التقدم لا يلغي فجوات التنفيذ، حيث إن الأهداف المعلنة تحتاج إلى خطط ممولة،

وأطر قياس موحدة، وأنظمة بيانات مترابطة، وشبكات كهرباء قادرة على استيعاب الأحمال الجديدة، إضافة إلى كفاءات بشرية تستطيع تشغيل أصول تعتمد بصورة متزايدة على البرمجيات.أفاد 70% من المؤسسات بأنها وضعت أهدافاً مباشرة وغير مباشرة لخفض الانبعاثات،

مقارنة بـ58% عالمياً، فيما يتوقع 62% أن يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل عمليات البنية التحتية خلال السنوات الثلاث المقبلة. ويشير القائمون على هذه المبادرات إلى أن النجاح لا يكمن في وجود الأهداف فحسب، بل في ترتيب الأولويات،

إذ أصبح خفض الانبعاثات الأولوية الأولى للمؤسسات في المنطقة، بينما يأتي في المرتبة السابعة عالمياً. وأكد مسؤول تنفيذي أن نتائج التقرير تعكس تحولاً تقوده رؤية واضحة وتتقدم بوتيرة مدروسة، مشيراً إلى أن 66% من التنفيذيين يطالبون بتسريع تحول قطاع الطاقة.فجوة بين الهدف وآليات التنفيذرغم أن 70% من المؤسسات وضعت أهدافاً لخفض الانبعاثات،

فإن نسبة من لديها مسارات واضحة لتحقيقها تبلغ نحو 61%، بينما تستخدم أقل من نصف المؤسسات أطر قياس موحدة تستند إلى أسس علمية. وأفادت نسبة مماثلة بأنها تتمتع بوصول سلس إلى التمويل المخصص لتحول البنية التحتية. ويؤكد الخبراء أن الإعلان عن هدف سهل،

لكن العمل الحقيقي يبدأ عند بناء المنظومة الهندسية والمالية القادرة على تحويله إلى واقع. تتطلب هذه الفجوة أنظمة رقمية تستطيع قياس استهلاك الطاقة والانبعاثات بصورة مستمرة، وربط البيانات التشغيلية بالقرارات المالية والهندسية، بدلاً من الاكتفاء بأهداف بعيدة المدى يصعب التحقق من التقدم نحوها.

كما أن تحويل الالتزامات الكربونية إلى نتائج قابلة للقياس يحتاج بنية رقمية تتابع استهلاك كل أصل، وتحدد فرص خفض الهدر، وتؤتمت جوانب من الكفاءة، وتوفر معلومات يمكن استخدامها في التحقق والمحاسبة.من التجارب إلى التوسعتظهر النتائج أن استخدام التقنيات الرقمية في المنطقة بدأ يتجاوز مرحلة التجارب المحدودة.

فأكثر من نصف قادة البنية التحتية يستخدمون بالفعل الذكاء الاصطناعي الصناعي لإدارة العمليات أو يطبقون تقنيات المباني المستقلة بدعم من ميزانيات رأسمالية. كما اعتبرت 56% من المؤسسات أنها مستعدة لتطبيق أنظمة مستقلة في المباني، فيما تخطط 57% لضخ استثمارات كبيرة في هذا المجال خلال العام المقبل. ويلاحظ تحول حاسم من مرحلة إثبات المفهوم والمشروعات التجريبية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي على نطاق واسع.

لكن التوسع يضع الأنظمة القديمة تحت ضغط أكبر، حيث تظهر مشكلات فصل البيانات، وصعوبة ربط المعدات القديمة بالمنصات الحديثة، وتعدد الأنظمة التي لا تتبادل المعلومات بسهولة.

وأفاد 69% من المشاركين بأن مؤسساتهم تحتاج إلى حلول أكثر تطوراً لتسريع تكامل البيانات، فيما تخطط النسبة نفسها تقريباً لزيادة الإنفاق على تقنيات التكامل. ويؤكد الخبراء أن التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب الرؤية أو محدودية رأس المال، بل في التعقيد التشغيلي الناتج عن الأنظمة القديمة المنعزلة.تقليل مخاطر الاعتماد المركزييزيد ترابط أصول البنية التحتية من قدرتها على تبادل البيانات والعمل بصورة منسقة،

لكنه يثير مخاطر جديدة إذا اعتمدت عدة قطاعات على المنصة نفسها، أو مصادر البيانات ذاتها، أو مجموعة محدودة من نماذج الذكاء الاصطناعي. ويشير الخبراء إلى أن الحد من هذه المخاطر يتطلب أنظمة مفتوحة،

وتصميماً معيارياً قابلاً للفصل، وتوزيعاً جغرافياً يعزز المرونة. ويعني ذلك ألا تصبح البنية التحتية مترابطة إلى درجة يؤدي فيها تعطل منصة واحدة إلى تعطيل شبكة من المباني والمصانع وأنظمة الطاقة في وقت واحد. لذلك تحتاج الأصول إلى القدرة على الانفصال والعمل بصورة مستقلة عند الضرورة،

مع الحفاظ على التشغيل البيني خلال الظروف الطبيعية. وتُعد المنصات الرقمية المفتوحة نموذجاً لهذه المقاربة، إذ تقوم على منظومة رقمية مفتوحة تتيح تكامل المباني الذكية والمصانع والشبكات، مع الحفاظ على قدرة كل نظام على العمل بصورة مستقلة عند الحاجة.نمو الكهرباء يختبر الالتزامات المناخيةيتزامن تحول البنية التحتية مع نمو كبير في الطلب على الكهرباء،

حيث تضاعف الطلب في الشرق الأوسط ثلاث مرات منذ مطلع القرن، ومن المتوقع أن يرتفع بنسبة 50% إضافية خلال العقد المقبل. يأتي هذا النمو مدفوعاً بالتوسع الصناعي والعمراني، والطلب على التبريد وتحلية المياه،

وانتشار المركبات الكهربائية، وبناء مراكز البيانات اللازمة للاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي. ويؤكد الخبراء أن الاقتصادات لا يمكن مطالبتها بإبطاء نموها من أجل تحقيق أهداف الاستدامة، ولذلك يتمثل التحدي في جعل البنية التحتية أكثر ذكاءً،

بما يسمح بتحقيق أداء أعلى باستخدام موارد أقل. وتظهر مراكز البيانات هذه المعادلة بوضوح، حيث يمكن لدمج الذكاء الاصطناعي الصناعي في تصميم المنشآت منذ مراحلها الأولى أن يخفض استهلاك الطاقة المخصصة للتبريد بنسبة تصل إلى 30%. كما تشير النتائج إلى أن 61% من قادة المنطقة يرون أن الذكاء الاصطناعي الصناعي يسهم بالفعل في تعزيز مرونة البنية التحتية الحيوية.الشبكات القديمة تواجه تدفقات جديدةيُعد تحديث شبكات الكهرباء أحد المحاور الأساسية لتحول الطاقة،

إذ قال 64% من المشاركين إن الشبكات الذكية وبرمجيات إدارة الشبكات تمثل عوامل تمكين رئيسية للطاقة النظيفة. وصُممت شبكات الكهرباء التقليدية لتعمل في اتجاه واحد، من محطات توليد مركزية إلى مستهلكين نهائيين. أما اليوم،

فعليها استيعاب تدفقات متغيرة ومتعددة الاتجاهات من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى جانب الأحمال الجديدة الناتجة عن المركبات الكهربائية والمصانع المؤتمتة ومراكز البيانات. وأفاد 62% من التنفيذيين بأن قيود الشبكات تعرقل بالفعل التوسع في كهربة القطاع الصناعي. ويشدد الخبراء على أن الاعتماد على التوسع المادي وحده لن يكون كافياً،

نظراً إلى التكلفة والمدة الزمنية اللازمتين لإنشاء محطات وخطوط نقل جديدة. وتستطيع منصات البرمجيات الصناعية التنبؤ بالأحمال قبل بلوغها مستويات حرجة، وإدارة مرونة الطلب، وتحسين موازنة العرض والطلب في الوقت الفعلي،

مما يمكن أن يرفع القدرة الاستيعابية للشبكات القائمة بنسبة تصل إلى 20%، من دون الاعتماد الكامل على توسعات مادية تستغرق سنوات. كما تسهم مشروعات الربط الكهربائي بين دول الخليج والربط العابر للحدود مع مصر في تعزيز مرونة الإمدادات وتبادل الطاقة خلال فترات الضغط أو الاضطراب.الإنسان يبقى داخل دائرة القراررغم توسع الذكاء الاصطناعي والأتمتة، لا يُتوقع أن تعمل البنية التحتية الحيوية بصورة مستقلة تماماً في المستقبل القريب.

فشبكات الكهرباء والمياه والنقل لا يمكن التعامل معها كما لو كانت تطبيقات برمجية، لأن الأخطاء في هذه الأنظمة قد تؤثر في السلامة العامة واستمرارية الخدمات والإنتاج الصناعي. ويتمثل النموذج الأقرب في استخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل مليارات نقاط البيانات، واكتشاف الأنماط،

والتنبؤ بالأعطال، وتقديم توصيات فورية، بينما تبقى القرارات المصيرية خاضعة لإشراف المشغلين والخبراء. ويوصي الخبراء بالنظر إلى الذكاء الاصطناعي بصفته معززاً لقدرات الإنسان،

لا بديلاً عنه، مما يسمح باستخدام التقنية في الصيانة التنبؤية وتحسين العمليات وإدارة الأحمال، مع احتفاظ العنصر البشري بالسيطرة النهائية عند اتخاذ قرارات تمس سلامة الأصول أو استمرارية الخدمات.الترابط الرقمي يوسع سطح الهجماتيؤدي ربط المصانع والمباني والشبكات بالبرمجيات إلى تحسين الرؤية التشغيلية وسرعة الاستجابة، لكنه يزيد أيضاً عدد النقاط التي يمكن أن تستهدفها الهجمات السيبرانية.

ويؤكد الخبراء أن توسيع نطاق الترابط الرقمي يؤدي بطبيعته إلى اتساع مساحة التعرض للهجمات، لكن إبقاء البنية التحتية محدودة الاتصال والرقمنة قد يخلق مخاطر تشغيلية أكبر، لأنه يقلل القدرة على رصد الأعطال والاستجابة للاضطرابات. ولذلك يجب دمج الأمن السيبراني في التصميم الهندسي منذ البداية،

بدلاً من إضافته بعد تشغيل الأنظمة. ويشمل ذلك استخدام دفاعات متعددة الطبقات، وتصميم مكونات يمكن فصلها عند الحاجة، وضمان قدرة بعض الأنظمة على مواصلة العمل بصورة مستقلة إذا تعطل جزء آخر.السعودية تعيد بناء قاعدة صناعية رقميةتتحرك السعودية ضمن هذا التحول باستثمارات واسعة في الطاقة والصناعة والذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية،

مدفوعة بمستهدفات رؤية 2030. ولا تكتفي المملكة بتحديث بنيتها التحتية، بل تعيد صياغة النموذج الذي سيقوم عليه اقتصاد المستقبل الرقمي. وتشمل المبادرات مشروعات ضخمة للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي،

مثل مشروع بقيمة 100 مليار دولار، إضافة إلى شراكات لبناء مصانع ذكية لإنتاج سيارات كهربائية، مع تدريب مئات المهندسين السعوديين على تشغيل هذه المنشآت وإدارتها. وتبقى أبرز فجوات التنفيذ مرتبطة بتحديث شبكات الكهرباء لاستيعاب الطاقة المتجددة والأحمال الصناعية،

وتأهيل الكفاءات الوطنية القادرة على إدارة أصول معقدة تعتمد على البرمجيات والبيانات. ويؤكد الخبراء أن توفير التكنولوجيا يمثل جزءاً واحداً من المسؤولية، بينما يتمثل الجزء الآخر في نقل المعرفة وبناء القدرات المحلية. وتحتاج المرحلة المقبلة إلى مهارات في الذكاء الاصطناعي الصناعي،

وبرمجيات الشبكات، والأمن السيبراني، والأتمتة، وتكامل الأنظمة،

وهي مهارات لا ترتبط بتشغيل المشروعات الحالية فقط، بل بقدرة المملكة على إدارة بنيتها التحتية الرقمية وتطويرها على المدى الطويل. أحمد هوساوي الرئيس التنفيذي لشركة «سيمنس السعودية» (سيمنس) تحتاج شبكات الكهرباء إلى برمجيات أكثر ذكاءً لاستيعاب الطاقة المتجددة (غيتي) تبقى فجوات القياس والتمويل وتكامل البيانات من أبرز العوائق أمام تحويل الأهداف إلى نتائج ملموسة (شاترستوك) تواجه السعودية تحديين رئيسيين هما تحديث الشبكات وبناء الكفاءات الوطنية القادرة على إدارة الأصول الرقمية المعقدة (شاترستوك) يجب أن يعمل الذكاء الاصطناعي في البنية التحتية الحيوية تحت إشراف بشري مع دمج الأمن السيبراني منذ التصميم (شاترستوك)