يواجه آلاف السودانيين في ليبيا أوضاعاً مأسوية في ظل تصاعد الغضب الشعبي تجاه ملف الهجرة غير الشرعية، وكذا التحريض ضد الأجانب، ووجود آلاف اللاجئين والمهاجرين غير النظاميين. وعبّر المئات منهم عن قلقهم على مصيرهم على خلفية تصاعد خطاب الكراهية ضدهم،

إضافة إلى ارتفاع نسق الترحيل القسري وبخاصة بعد شروع السلطات الليبية في ترحيل عدد كبير من السودانيين خلال اليومين الماضيين. ومنذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023، لجأ الآلاف إلى ليبيا بحثاً عن الأمن والتخلص من حياة الحصار والحرب التي يعيشونها، فضلاً عن تحقيق حلم الهجرة بالوصول إلى القارة الأوروبية أو أميركا.

وتستضيف ليبيا نحو 650 ألف سوداني، في وقت تؤكد المفوضية الأوروبية أن هذه التدفقات شكلت ضغطاً على البنية التحتية. ويقيم غالبية السودانيين في المدن الحدودية مثل الكفرة والقطرون وسبها، إلى جانب مدن العبور الشرقية،

ومنها أجدابيا وطبرق، والمدن الكبرى وفي مقدمتها العاصمة طرابلس. روحوا بلادكم وتظاهر مئات الليبيين أمس الخميس، في طرابلس أمام مقر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين احتجاجاً على وجود أجانب في وضع غير نظامي بالأحياء والمناطق،

مطالبين بطردهم من البلاد. جاءت التظاهرة بعد دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي، ولبى المئات الدعوة إلى التجمع أمام مقر المفوضية مرددين عبارات "روحوا بلادكم"، و"لا لتوطين الأجانب في ليبيا"،

و"ليبيا لليبيين". في قسم مخصص للنساء فقط بورشة تصليح سيارات في مدينة مصراتة شمال غرب ليبيا، 31 يوليو 2024 (أ ف ب) وطالب المحتجون السلطات الليبية باتخاذ إجراءات أكثر صرامة تجاه المهاجرين واللاجئين المقيمين بصورة غير قانونية، وتنفيذ حملات أمنية موسعة لترحيل المخالفين للقوانين المنظمة للإقامة والعمل،

إضافة إلى تشديد الرقابة على الحدود الجنوبية التي تشهد تدفقات مستمرة للمهاجرين القادمين من دول أفريقية وعربية مجاورة. أخطار وتنمر تقول مريم البشير، التي تقطن في منطقة طبرق، إن "ليبيا تشهد تصاعداً في الاحتجاجات والمواقف الرافضة لوجود الأجانب والمهاجرين،

مما انعكس بصورة مباشرة على أوضاع اللاجئين السودانيين، وفاقم الضغوط النفسية والاجتماعية للمئات منهم". وأضافت "نتعرض لخطر التوقيف المتكرر من قبل الأجهزة الأمنية بسبب عدم امتلاك وثائق إقامة رسمية، فضلاً عن عدم اعتراف السلطات الليبية ببطاقات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين،

ومن ثم فإن أوضاعنا باتت أكثر تعقيداً". وأوضحت أنه "في ظل تصاعد خطاب الكراهية قام محتجون بتدمير محل عمل زوجها، وكذا يمر أطفال السودانيين بحملات تنمر في الشارع بسبب لون بشرتهم. هذا النوع من الخطاب لا يمكن اعتباره تعبيراً عن ضيق أو خوف فحسب،

بل يسهم في تجريد الجيران والأشقاء من إنسانيتهم ومعاملتهم بطريقة غير لائقة، وكأنهم ليسوا ضحايا لظروف الحرب التي أدت إلى هروبهم من وطنهم". ترحيل إجباري على نحو متصل أعلن مسؤول في جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية بليبيا ترحيل نحو 300 مهاجر سوداني إلى بلادهم، مؤكداً أن عمليات الترحيل ستتواصل،

من دون توضيح آليات التنفيذ أو وسائل النقل المستخدمة. وأظهرت مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي توقيف مئات المهاجرين في مدينة طبرق غالبيتهم من الجنسية السودانية. ما يخشاه كثير من السودانيين في ليبيا حدث بالفعل مع عامر الدخري (23 سنة)، إذ أوقف خلال حملة أمنية قبل ثلاثة أيام مع العشرات في منطقة أجدابيا،

وتم نقلهم إلى مركز الشرطة. تقول والدته زينب عباس إنهم "ذهبوا إلى مركز الشرطة لمحاولة مقابلته، لكن لم يتمكنوا من التواصل معه"، وأعربت عن قلقها من خطر ترحيله القسري،

خصوصاً بعد ارتفاع حالات الإعادة القسرية وترحيل السودانيين بمن فيهم عائلات إلى بلادهم. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وتتابع الوالدة "نأمل في أن تراعى ظروف اللاجئين السودانيين نظراً إلى استمرار الحرب في البلاد، وأن تسهل السلطات إجراءات توفيق الأوضاع، لأن خطر الترحيل القسري يهدد آلاف الأشخاص".

حملات واعتقالات من جانبه، أوضح أبو القاسم موسى، الذي يقطن في منطقة طبرق، أن "غالبية السودانيين باتوا يشعرون بالخطر والخوف من الإبلاغ عن أماكن سكنهم واقتحام دوريات الأمن والمجموعات المسلحة التي لديها نفوذ واسع لمنازلهم،

لا سيما بعد تنامي خطاب الكراهية على مواقع التواصل الاجتماعي". ونوه بأن "دوريات الأمن عادت بشكل عنيف إلى مدينتا طبرق والبطنان، وقامت باعتقال مئات السودانيين في مراكز الاحتجاز توطئة لترحيلهم، ونخشي من تعرضهم للتعذيب داخل المعتقلات"،

منبهاً إلى أن "الحملات التحريضية ضد السودانيين تعد انتهاكاً صارخاً للأخلاق والقيم الاجتماعية لأنها تشرعن الكراهية والإقصاء وتخلق مناخاً مستداماً من الخوف وانعدام الأمان". مهاجرون سودانيون يحملون أمتعتهم في مطار معيتيقة قبل عودتهم طوعاً إلى بلادهم، 15 ديسمبر 2021 (أ ف ب) وسط هذه الأجواء، أصدرت السفارة السودانية في طرابلس والقنصلية في بنغازي تحذيراً لرعاياها بضرورة توخي الحيطة والحذر.

وأعلنت السفارة تعليق أعمالها أمس الخميس تحسباً لتطورات الأوضاع، على أن تُستأنف يوم الأحد المقبل. في حين نشط عشرات السودانيين في العودة إلى البلاد عبر مصر بطرق التهريب والممرات الخطرة، إلى جانب موجة هجرة عكسية نحو تشاد هرباً من تدهور الأوضاع في ليبيا وتنامي خطاب الكراهية.

أوضاع الصحافيين على صعيد متصل، أعربت نقابة الصحافيين السودانيين عن قلقها إزاء الأوضاع التي يواجهها الصحافيون العالقون في ليبيا، مؤكدة تلقيها مناشدات وشهادات تفيد بتعرض عدد منهم وأسرهم لمضايقات وتهديدات وممارسات تمييزية تهدد أمنهم وسلامتهم. وقالت النقابة في بيان،

إن "بعض الصحافيين اضطروا إلى مغادرة مناطق إقامتهم بصورة عاجلة خوفاً على أسرهم، في ظل تصاعد التحديات الأمنية والإنسانية التي يواجهها السودانيون المقيمون في ليبيا. ودعا البيان المنظمات الدولية والإقليمية المعنية بحرية الصحافة وحقوق الإنسان إلى التدخل العاجل لتقييم أوضاع الصحافيين، وتوفير الحماية والدعم القانوني والإنساني لهم،

والنظر في خيارات الإجلاء أو إعادة التوطين للحالات الأكثر عرضة للخطر. وناشدت النقابة السلطات الليبية اتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان سلامة الصحافيين السودانيين وأسرهم، وحمايتهم من أية انتهاكات أو ممارسات تمييزية، مؤكدة أن استمرار هذه الأوضاع من دون تدخل عاجل قد يعرض حياة عدد منهم لأخطار جسيمة.

ويبلغ عدد الصحافيين السودانيين المقيمين في ليبيا 39 صحافياً وصحافية، ويقطنون في مدن تشهد توترات متصاعدة ضد الأجانب مثل طرابلس ومصراتة وصرمان، وهي مناطق شهدت خلال فترات سابقة حملات استهدفت المهاجرين واللاجئين. في غضون ذلك،

عبر مرصد منظمة "مشاد" في السودان عن قلقه البالغ إزاء الانتهاكات الموثقة التي يتعرض لها اللاجئون السودانيون داخل الأراضي الليبية. وأشار المرصد في بيان، إلى "وجود نمط منهجي واسع النطاق من الانتهاكات الجسيمة التي تمس بشكل مباشر الحق في الحياة والحرية والأمان الشخصي والسلامة الجسدية والكرامة الإنسانية. وأكد البيان إن عدد اللاجئين السودانيين في ليبيا يقدر بنحو 650 ألفاً،

فر معظمهم من النزاع المسلح والانتهاكات الجسيمة في السودان بحثاً عن الحماية والأمان. لافتاً إلى أنهم يواجهون أوضاعاً إنسانية بالغة الخطر، تتسم بالاعتقال التعسفي والتعذيب وسوء المعاملة والاحتجاز في ظروف قاسية ولا إنسانية ومهينة، إضافة إلى الحرمان المنهجي من الغذاء والرعاية الصحية الأساسية،

واحتجاز النساء والأطفال في أماكن تفتقر إلى الحد الأدنى من معايير الحماية الإنسانية.