يكتسب معرض المنتجات الوطنية في ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية معنى يتجاوز توفير المنتجات السودانية بأسعار ميسرة، فهو إعلان عن تمسك السودانيين بحقهم في إحياء ملامح الحياة التي غيبتها الحرب، ومحاولة الانتقال إلى مرحلة الإنتاج والتمكين الاقتصادي. وعلى مدى أسبوع استضافت أرض المعارض في منطقة بري بالخرطوم الدورة الرابعة من معرض المنتجات الوطنية تحت شعار "العودة الطوعية لإعمار الخرطوم" بمشاركة 60 شركة في مجالات الصناعات الهندسية والغذائية والزراعية والحرف اليدوية.

منتجات نوعية تنوعت منتجات أجنحة المعرض بين السيارات والآلات الزراعية والأثاث والمعدات الطبية ومنتجات الألمنيوم والصناعات الحديدية. وفي قسم المنسوجات علقت أقمشة قطنية محلية الصنع على حوامل خشبية، بألوان ونقوش تحمل طابعاً سودانياً، وعلى مقربة منها عرضت منتجات جلدية وأدوات معدنية مصقولة بعناية عكست مهارة حرفية محلية على رغم محدودية الإمكانات،

في حين لفت قسم الصناعات الغذائية الانتباه نظراً إلى وجود مراكز البيع المخفض وتوفير السلع بأسعار أقل من الأسواق الأخرى. تعافٍ وإنتاج في السياق، قال والي الخرطوم أحمد عثمان حمزة إن "تنظيم المعرض في العاصمة يعكس قدرة الولاية على التعافي والانتقال من مرحلة تقديم المساعدات المباشرة إلى مرحلة الإنتاج والتمكين الاقتصادي". وأضاف حمزة أن "القطاع الصناعي تعرض لنهب وتخريب ممنهج خلال الحرب،

لكنه بدأ يتعافى ويعود للإنتاج، مشيداً بالجهود المبذولة من وزارة التنمية الاجتماعية في دعم الشرائح الضعيفة وتحويلها إلى طاقات منتجة ترفد السوق المحلية بالمنتجات الوطنية. من جانبه أوضح وزير التنمية الاجتماعية المكلف الخرطوم صديق فريني أن "المعرض يمثل نافذة تسويقية مهمة لعرض مخرجات مشاريع الوزارة وإداراتها المختلفة، منوهاً إلى أن "كل إدارة حرصت على تقديم فكرة شاملة للمواطنين حول مجالات تخصصها والخدمات التي تقدمها".

وأضاف فريني أن "المعرض يهدف إلى دعم المنتجين المحليين وتخفيف أعباء المعيشة عن كاهل المواطنين، من خلال توفير المنتجات بأسعار مناسبة". رسالة إيجابية في المنحي ذاته، أشار مدير إدارة المعارض والمؤتمرات بالشركة السودانية للمناطق والأسواق الحرة حسن عباس إلى أن "الدورة الحالية تأتي ضمن جهود استعادة نشاط المعارض في الخرطوم".

ولفت عباس إلى أن "معرض المنتجات الوطنية يضم تشكيلة متنوعة من المنتجات السودانية، تشمل الصناعات والمنتجات الزراعية والحرفية، إلى جانب عدد من الأنشطة الإنتاجية المحلية". ونوه عباس بأن "المعرض يتيح للمواطنين فرصة التسوق وشراء المنتجات الوطنية بأسعار المنتج،

بما يسهم في تخفيف أعباء المعيشة، كاشفاً عن مشاركة نحو 60 شركة تمثل مجالات إنتاجية وصناعية عدة". وتابع المتحدث "إقامة المعرض في هذا التوقيت يعطي رسالة إيجابية قوية، وبخاصة للأسر العائدة من النزوح واللجوء،

والتي لم تغادر الخرطوم، إذ يوفر المعرض السلع والمواد الاستهلاكية والمنتجات كافة". تضافر الجهود على الصعيد نفسه، عدَّ عضو اتحاد الغرف الصناعية السودانية عامر مكي عودة مؤسسات الحكومة المركزية إلى العمل من داخل العاصمة خطوة في اتجاه تذليل العقبات التي تواجه القطاع الصناعي والإنتاجي وتهيئة البيئة الملائمة لاستعادة النشاط الاقتصادي بكامل طاقته".

وشدد عضو اتحاد الغرف الصناعية السودانية على ضرورة تضافر الجهود وتكامل الأدوار بين الأجهزة التنفيذية والقطاع الخاص من أجل تنفيذ برامج إعادة الإعمار وتعافي القطاعات الصناعية والإنتاجية". وبيَّن مكي أن "الاستقرار يمثل الأساس لعودة المصانع إلى دائرة الإنتاج وتحريك عجلة الاقتصاد، وكذلك توفير فرص العمل وتحسين مستوى الخدمات"، وأردف "توفير المنتجات الوطنية كشف عن طلب حقيقي على السلع الغذائية،

على رغم الضائقة الاقتصادية التي يعيشها السودانيون بعد فقدان الآلاف لمصادر دخلهم، ومن هنا جاءت فكرة المعرض لتوفير المنتجات بأسعار رمزية تراعي الظروف المعيشية". منصة استراتيجية على نحو متصل، أوضح الباحث الاقتصادي عبدالماجد يعقوب أن "المعرض يمثل منصة استراتيجية لعرض القدرات الصناعية السودانية وتعزيز الثقة في المنتج المحلي،

بعدما وجهت الحرب ضربة قاصمة للقطاع الصناعي". واعتبر يعقوب أن "استئناف نشاط 16 مصنعاً في الخرطوم تشمل العصائر والمياه المعدنية والكتاب المدرسي والكرتون، وكذلك وجود مبادرات أخرى في أم درمان، خطوة في طريق التعافي تدريجاً"،

ونبه إلى أن "عملية إعادة البناء والإعمار في ظل استمرار الحرب تتطلب تضافر الجهود، فضلاً عن أن استعادة المناطق الصناعية يحتاج إلى تمويل ضخم وفترة ربما تمتد إلى 10 أعوام في التعافي الكامل". وتابع الباحث الاقتصادي "قطاع الصناعة لكي ينهض من جديد يحتاج إلى تدخلات تتمثل في تسهيل المعاملات المالية من خلال القروض والدعم، مما يشجع المستثمرين على العودة لبدء نشاطهم بكل همة وعزيمة وإرادة".

تراث وفنون شهدت فعاليات معرض "المنتجات الوطنية" عروض الفنون الأدائية والتراثية ومعرضاً للأعمال اليدوية، والأكسسوارات والعطور والأزياء السودانية، إضافة إلى أعمال غنائية لعدد من الفرق الشعبية وأنماط متنوعة من الشعر الشعبي وفن "الدوبيت"، والفنون التشكيلية وعروض مسرحية وجلسات أغنيات الدلوكة والقهوة،

وفعاليات خاصة بالأطفال والمنتجات والمأكولات السودانية المتنوعة. وقدم عدد من فرق الفنون الشعبية أعمالاً غنائية ورقصات "الكمبلا" و"الصقيرية" و"المردوم"، إضافة إلى رقصة "الكلش"، فضلاً عن رقصة "النحلة"،

باستخدام مجموعة من الآلات التراثية الشعبية ذات الإيقاعات المختلفة، ومن أبرزها الطبول بمختلف صورها وأنواعها، إضافة إلى آلات النفخ مثل المزمار للتعبير عن الإرث السوداني والعادات والتقاليد ونشر الثقافات المختلفة. أضرار وخسائر وجهت الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام ونصف العام في السودان ضربة قاصمة للقطاع الصناعي،

إذ أغلقت آلاف المصانع وتوقفت سلاسل الإمداد، وتضررت مراكز الإنتاج الكبرى في الخرطوم والجزيرة ودارفور وكردفان. وكانت الصناعات التحويلية والغذائية والنسيجية والدوائية من أكثر القطاعات تضرراً، نتيجة انقطاع الكهرباء والوقود وتعطل شبكات النقل والتمويل،

فضلاً عن تعرض المنشآت الصناعية للنهب أو التدمير المباشر، كذلك توقفت المصانع العاملة في تكرير النفط وصناعة الأسمنت والحديد، مما أدى إلى شلل شبه كامل في دورة الإنتاج الوطني، ومع هذا الانهيار انخفضت مساهمة الصناعة في الناتج المحلي إلى مستويات غير مسبوقة،

لتفقد البلاد جزءاً كبيراً من قدرتها الإنتاجية التي كانت تشكل أحد مصادر الدخل والتشغيل. وكشفت وزارة الصناعة والتجارة السودانية عن أن الأضرار طاولت نحو 3500 منشأة صناعية في العاصمة الخرطوم، و125 منشأة كبرى في ولاية الجزيرة.