تبدأ مرحلة التعافي الاقتصادي بعد الحروب عندما يستعيد النظام المالي قدرته على توجيه الموارد نحو الإنتاج والاستثمار، وتعود الثقة للمؤسسات المصرفية والأسواق. وتعتمد العملية الاقتصادية المرتقبة في السودان على قطاع مصرفي قادر على تعبئة المدخرات وتوفير التمويل وتحويل الاستقرار النقدي إلى نشاط اقتصادي منتج. وتؤكد خبرات الدول الخارجة من النزاعات أن سلامة الجهاز المصرفي تمثل أحد أهم محددات سرعة التعافي واستدامته،

إذ لا يقتصر دور البنوك على حفظ الودائع أو تقديم الائتمان، بل يمتد إلى إعادة تدوير رأس المال وتمويل التجار، ودعم استئناف الإنتاج ونقل آثار السياسة النقدية إلى الاقتصاد الحقيقي.تعكس الإجراءات الأخيرة التي اتخذها بنك السودان المركزي تحولاً ملحوظاً في إدارة السياسة النقدية، من الاكتفاء بمراقبة الأسواق إلى التدخل المباشر لاستعادة الاستقرار.

فقد اتجه البنك إلى تعزيز إمدادات النقد الأجنبي عبر الجهاز المصرفي وإحكام الرقابة على سوق الذهب ومراجعة منظومة المدفوعات الإلكترونية وإدارة السيولة بصورة أكثر فاعلية. وأسهمت هذه التدابير في الحد من المضاربات وامتصاص جانب من الضغوط على سوق الصرف واستعادة قدر من الثقة بالنظام المصرفي خلال واحدة من أكثر الفترات اضطراباً في تاريخ الاقتصاد السوداني.لكن التجارب الدولية تظهر أن نجاح البنوك المركزية في احتواء الأزمات لا يكفي بمفرده لضمان التعافي الاقتصادي. فالتدخلات النقدية تبقى بطبيعتها أدوات موقتة هدفها استعادة الاستقرار، بينما يتوقف التعافي المستدام على قدرة البنوك التجارية على استئناف دورها في الوساطة المالية وتوجيه الائتمان نحو الأنشطة الإنتاجية وتمويل الاستثمار وتحريك عجلة الاقتصاد.

ومن هذا المنطلق، فإن فاعلية السياسات النقدية نفسها تكشف عن مدى استعداد البنوك السودانية مالياً وتشغيلياً للقيام بدورها في تمويل التعافي.مرتكزات أساسيةتشير الخطة الاستراتيجية لبنك السودان المركزي للفترة بين عامي 2026 و2030 إلى أن إعادة بناء القطاع المصرفي تمثل أحد المرتكزات الأساسية لمرحلة التعافي الاقتصادي بعد الحرب، من خلال برنامج إصلاحي واسع يستهدف تعزيز الاستقرار النقدي والمالي وإعادة هيكلة المؤسسات المصرفية والمالية وتطوير الحوكمة والرقابة وتسريع التحول الرقمي وتوسيع الشمول المالي، فضلاً عن استعادة الثقة بالنظام المصرفي وإعادة بناء العلاقات مع المؤسسات المالية الإقليمية والدولية.

وتظهر الوثيقة أن البنك المركزي يتبنى رؤية متكاملة لإعادة تأهيل البيئة المالية باعتبارها شرطاً ضرورياً لدعم النشاط الاقتصادي واستقطاب الاستثمار وتحفيز الإنتاج. كما تعكس الخطة فهماً لخصوصية مرحلة ما بعد الحرب، إذ تبنت منهج التخطيط بالسيناريوهات وربطت مسارات التنفيذ بدرجات الاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي، مما يشير إلى أن وتيرة الإصلاح ستظل مرتبطة بالمتغيرات المحلية والدعم الخارجي وتوافر الموارد اللازمة لعملية إعادة الإعمار.توحي الوثيقة بأن القطاع المصرفي يمتلك مستوى من الجاهزية الاستراتيجية،

في مقابل استمرار تحديات مؤثرة على مستوى الجاهزية التشغيلية. فبينما توفر الخطة إطاراً مؤسسياً واضحاً للإصلاح، فإن نجاحها سيظل مرهوناً بقدرة المؤسسات على تنفيذ البرامج المعلنة، بما يعيد دمج السودان تدريجياً في النظام المالي العالمي.

وبناء على ذلك، يمكن القول إن الخطة تقدم مؤشرات إيجابية على استعداد مؤسسي لإعادة بناء القطاع المصرفي، لكنها لا تعني بالضرورة اكتمال جاهزية البنوك لقيادة عملية التعافي الاقتصادي. وستتحدد هذه الجاهزية بمدى نجاح تنفيذ الإصلاحات وتحسن بيئة الأعمال واستقرار الاقتصاد الكلي وتوافر التمويل والشراكات الداعمة.

وعليه، تبدو البنوك السودانية أقرب إلى مرحلة بناء القدرة المؤسسية منها إلى مرحلة القيام الكامل بدور محرك النمو الاقتصادي.فجوة متسعةيرى الباحث الاقتصادي هشام فتح الرحمن أن ما يطرح اليوم من تفاؤل حول مستقبل القطاع المصرفي يستند في جانب كبير منه إلى الخطط والسياسات المعلنة أكثر مما يستند إلى مؤشرات الأداء الفعلي للبنوك. وأوضح أن وجود رؤية استراتيجية لإعادة بناء القطاع يمثل خطوة مهمة، لكنه لا ينبغي أن يُفسر باعتباره دليلاً على أن البنوك أصبحت جاهزة لقيادة التعافي الاقتصادي،

لأن التجارب في مثل هذه الأزمات تظهر أن الفجوة بين التخطيط والتنفيذ غالباً ما تكون أكبر من الفجوة بين الأزمة والتعافي. وأضاف أن النقاش لا ينبغي أن ينصرف إلى جودة الوثائق الاستراتيجية بقدر ما ينبغي أن يركز على قدرة المؤسسات على تحويل تلك الرؤى إلى نتائج ملموسة. فإعادة الأموال إلى الجهاز المصرفي وتشديد الرقابة على الكتلة النقدية وتنظيم الأسواق، جميعها إجراءات ضرورية لاستعادة الاستقرار،

لكنها لا تكفي لإحياء الاقتصاد إذا بقيت البنوك تمارس دوراً دفاعياً يقتصر على إدارة السيولة وتقليل الأخطار، بدلاً من القيام بوظيفتها الأساسية في تعبئة المدخرات وتوجيهها نحو الاستثمار والإنتاج.وأفاد الباحث الاقتصادي بأن الاختبار الحقيقي لمرحلة ما بعد الحرب لن يكون في حجم الودائع التي تستقطبها البنوك، وإنما في حجم الائتمان المنتج الذي تضخه في الاقتصاد. فالسيولة التي لا تتحول إلى تمويل للمزارع والمصانع والشركات الصغيرة وسلاسل التصدير تظل،

من منظور التنمية، أموالاً ساكنة لا تضيف قيمة حقيقية إلى النشاط الاقتصادي. ومن هنا، فإن نجاح السياسات النقدية لا يُقاس باستعادة النقد إلى القنوات الرسمية وحسب،

وإنما بقدرة القطاع المصرفي على إعادة تشغيل دورة رأس المال داخل الاقتصاد. وأشار فتح الرحمن إلى أن الخطة الاستراتيجية لبنك السودان المركزي، على رغم أنها تعكس إدراكاً واضحاً لطبيعة التحديات التي يواجهها القطاع، فإنها في الوقت ذاته تكشف بصورة غير مباشرة عن أن كثيراً من هذه المقومات لا يزال قيد البناء،

وأن نجاحها يظل رهناً بقدرة البنوك على إعادة تكوين رؤوس أموالها وتطوير إدارات الأخطار واستعادة علاقاتها المصرفية الخارجية، وهي ملفات تتطلب وقتاً واستثمارات وإصلاحات مؤسسية تتجاوز حدود السياسة النقدية.مراجعات شاملةقال الخبير المصرفي صلاح إبراهيم إن إعادة بناء القطاع المصرفي لا تبدأ بالتوسع في الإقراض، وإنما بتقييم دقيق لسلامة البنوك نفسها، لأن المؤسسات الخارجة من الحرب تواجه تآكلاً في رؤوس الأموال وارتفاعاً في القروض المتعثرة وتراجعاً في السيولة،

فضلاً عن أضرار لحقت بالبنية التشغيلية وقواعد البيانات وشبكات الفروع وأنظمة الدفع. وأفاد بأن الخطوة الأولى تتمثل في إجراء مراجعة شاملة للمراكز المالية وجودة الأصول، وإعادة تصنيف المحافظ الائتمانية، وتقدير الخسائر الفعلية،

تمهيداً لإعادة رسملة البنوك التي تراجعت ملاءتها، أو إعادة هيكلة المؤسسات غير القادرة على الاستمرار. وأوضح أن معالجة القروض المتعثرة تمثل أحد أكثر الملفات حساسية خلال مرحلة ما بعد الحرب، إذ لا يكون التعثر في كثير من الحالات نتيجة ضعف الجدارة الائتمانية،

وإنما بسبب توقف النشاط الاقتصادي أو تضرر الأصول المنتجة. ولهذا تلجأ البنوك، وفقاً للممارسات الدولية، إلى إعادة جدولة الديون وتمديد آجال السداد وإعادة هيكلة الالتزامات ومنح فترات سماح للقطاعات القابلة للتعافي،

مع تكوين مخصصات كافية للخسائر، وفصل الديون القابلة للاسترداد عن تلك التي تتطلب معالجات قانونية أو مالية خاصة.وأضاف أن استعادة ثقة المودعين تمثل شرطاً لا يقل أهمية عن معالجة الموازنات، لأن البنوك لا تستطيع استئناف دورها في الوساطة المالية من دون قاعدة ودائع مستقرة. وشرح أن الانتقال إلى مرحلة تمويل التعافي يتطلب بيئة داعمة تتكامل فيها أدوار البنك المركزي والحكومة والشركاء الدوليين.

فالبنك المركزي مطالب بتوفير السيولة الطارئة والحفاظ على الاستقرار النقدي، بينما يقع على عاتق الحكومة تحسين البيئة القانونية وتوفير الضمانات الائتمانية للقطاعات ذات الأولوية، بما يخفف الأخطار التي تواجه البنوك عند استئناف الإقراض. وفي المقابل،

يسهم التمويل التنموي وخطوط الائتمان الميسرة ومؤسسات ضمان الاستثمار في توسيع قدرة البنوك على تمويل مشاريع الإنتاج. وفي هذا السياق، يُذكر أن مدير عام الرقابة المصرفية ببنك السودان المركزي عبدالعزيز عبدالرحمن قد طالب بإنشاء محفظة تمويل مصرفي تسهم فيها جميع المصارف لدعم نجاح الموسم الزراعي الصيفي.احتمالات مفتوحةأجمع مراقبون على أن المرحلة المقبلة تتطلب تحولاً في فلسفة العمل المصرفي نفسها، فالمطلوب ليس بنوكاً تنتظر تحسن البيئة الاقتصادية حتى تستأنف الإقراض،

بل مؤسسات مالية تمتلك الأدوات والخبرة لتقييم الأخطار وتمويل القطاعات الإنتاجية على رغم تعقيدات المرحلة. فالتعافي الاقتصادي لن تصنعه الخطط مهما بلغت جودتها، وإنما تصنعه مؤسسات قادرة على تنفيذها وتحويل السيولة إلى استثمار والاستقرار النقدي إلى نمو اقتصادي مستدام.وذكر المحلل الاقتصادي طه يوسف أن مكانة البنوك السودانية خلال مرحلة ما بعد الحرب ستتحدد بقدرتها على الانتقال من إدارة الأزمة إلى تمويل التعافي. فإذا نجحت الإصلاحات الجارية في استعادة الاستقرار الأمني والاقتصادي،

وأعيد تأهيل البنية التحتية المالية واستعادت المصارف جزءاً من رؤوس أموالها وعلاقاتها مع البنوك المراسلة، فإن القطاع المصرفي قد يتحول إلى أحد أهم محركات الاقتصاد، عبر توجيه المدخرات نحو الاستثمار وتوسيع الائتمان للقطاعات الإنتاجية ودعم التجارة وتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، بما يخلق دورة اقتصادية قادرة على استيعاب رؤوس الأموال المحلية والخارجية وتسريع وتيرة النمو.

وأضاف أما إذا بقيت الإصلاحات محصورة في الجانب التنظيمي واستمرت هشاشة البيئة الاقتصادية وضعفت قدرة البنوك على تحمل الأخطار أو استعادة ثقة المودعين والمستثمرين، فإن دورها سيظل محدوداً في إدارة السيولة والمحافظة على الاستقرار النقدي، من دون أن تصبح شريكاً فعلياً في إعادة بناء الاقتصاد. وفي مثل هذا السيناريو،

قد تتجه الأنشطة الاقتصادية مرة أخرى إلى القنوات غير الرسمية، ويتراجع أثر السياسات النقدية، وتتسع الفجوة بين الاستقرار المالي المعلن والنشاط الاقتصادي الحقيقي.بين هذين المسارين، تبدو الاحتمالات مفتوحة على مزيج من التقدم التدريجي والتحديات المستمرة.

فإعادة بناء القطاع المصرفي ليست حدثاً يُنجز بقرار أو خطة زمنية، بل عملية تراكمية ترتبط بإصلاح المؤسسات وتحسن بيئة الأعمال واستقرار الاقتصاد الكلي واستعادة الثقة، وهي عناصر يتداخل فيها الاقتصادي بالسياسي، والمالي بالأمني.