تواجه القيادة الصينية اختباراً دقيقاً لإعادة ضبط نموذجها الاقتصادي، حيث يترقب المحللون الاجتماع المقبل للمكتب السياسي قبل نهاية الشهر لإقرار حزم تدخل تدعم النمو. رغم التباطؤ الحاد في نمو الناتج المحلي الإجمالي خلال الربع الثاني من العام إلى 4.3%، وهو أدنى من النطاق المستهدف للعام بأكمله بين 4.5% و5%،
فإن المؤشرات تؤكد أن بكين لا تتجه نحو تحفيز مالي ضخم ومباشر لدعم المستهلكين أو رفع الاستهلاك التقليدي.بدلاً من ذلك، تراهن بكين على استراتيجية بديلة تقوم على تسريع وتيرة المشروعات القومية الكبرى الممولة مركزياً، لتعويض التراجع الحاد في استثمارات الحكومات المحلية وتجنب الديون غير المنتجة. وتعيش الصين حالياً حالة نمو غير متوازنة تأخذ شكل حرف (K)؛ حيث يعاني الطلب المحلي من ضعف حاد نتيجة تراجع ثقة الأسر وتعمق أزمة القطاع العقاري التي أدت إلى انهيار الاستثمارات فيه بنسبة 18% خلال النصف الأول من العام،
في حين لم تسجل مبيعات التجزئة سوى نمو هزيل بنسبة 1% في يونيو. في المقابل، يشهد قطاع التصدير أداءً استثنائياً بقفز الصادرات بنسبة 27% على أساس سنوي في يونيو، مدفوعة بالطفرة العالمية في قطاع الذكاء الاصطناعي وزيادة الطلب على الرقائق الإلكترونية ومعدات التكنولوجيا المتطورة.استثمارات ضخمة في البنية التحتيةتضع بكين ثقلها بالكامل خلف قطاعات التكنولوجيا الفائقة لرفع مستويات الإنتاجية وخلق وظائف نوعية،
عبر خطة العام الحالي التي تشمل ضخ نحو 7 تريليونات يوان (ما يعادل تريليون دولار) في مشروعات قومية تغطي شبكات المياه، واللوجستيات، وخطوط الأنابيب تحت الأرض، وشبكات الطاقة،
والاتصالات، ومراكز قدرات الحوسبة. ويتوقع أن يصل إجمالي هذه الاستثمارات إلى 26.9 تريليون يوان على مدى السنوات الخمس المقبلة.الجراحة المالية الصارمةيكشف التحليل أن المسبب الرئيسي خلف التبريد الحالي للاقتصاد هو الحملة الصارمة لتطهير ديون الحكومات المحلية وتدقيق نفقاتها الرأسمالية. أسفرت هذه الرقابة عن تراجع حصة إنفاق الحكومات المحلية إلى 35% من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بنحو 41% قبل سنوات،
مع هبوط حاد في النفقات الرأسمالية لصالح الأجور والتكاليف التشغيلية. ويرى المسؤولون أن هذا التقييد ضروري لوقف بناء مشروعات بنية تحتية غير مجدية والحد من فائض القدرة الصناعية وحروب الأسعار، لكنه تسبب في انكماش الاستثمار في الأصول الثابتة بنسبة 5.7% خلال النصف الأول من العام، شمل تراجع استثمارات البنية التحتية بنسبة 2.4%،
والتصنيع بنسبة 1.2%، والقطاع العقاري بنسبة 18%.مخاوف من سوء تخصيص المواردرغم التفاؤل الرسمي بقدرة الاستثمار في مراكز الحوسبة والذكاء الاصطناعي على تحقيق عوائد اقتصادية قوية، لا تخلو الاستراتيجية الجديدة من انقسامات حادة خلف الكواليس. يحذر بعض مستشاري السياسات الحكوميين من أن مد شبكات مياه عملاقة وبنية تحتية تقليدية إلى مناطق تعاني من انكماش سكاني يمثل سوء تخصيص للموارد،
وقد يدخل البلاد في دورة جديدة من الاقتراض لرفع ديون قديمة دون جدوى اقتصادية. يرى هؤلاء أن الأموال يجب أن تنفق مباشرة على دعم الأفراد والضمان الاجتماعي وتنمية الدخل لإنقاذ الاستهلاك، بدلاً من صبها في أصول ثابتة غير كفؤة، محذرين من أن أرقام النمو الحالية قد تمنح القيادة شعوراً زائفاً بالراحة.يمتلك المركز المالي للحكومة الصينية مساحة كافية لقيادة القاطرة الاقتصادية دون إجهاد،
نظراً لانخفاض مديونية الحكومة المركزية (أقل من 30% من الناتج المحلي الإجمالي) وامتلاكها أصولاً تجارية ضخمة قابلة للتسييل. حيث لم تصدر الحكومات المحلية سوى 47% من حصتها المتاحة للسندات الخاصة في النصف الأول، فإن صناع القرار لديهم مصدات مالية جيدة لتسريع الإصدارات في الربع الثالث وتوجيهها للمشروعات المعتمدة مسبقاً، مع إمكانية السماح بترحيل الحصص المخصصة للربع الرابع للاستفادة منها مبكراً،
أو اللجوء لإصدار السندات السيادية الخاصة في حال التعرض لصدمات تجارية أو جيوسياسية قاسية.