في منزل صباح الزاكي في مدينة أم درمان، يبدأ الصباح كأي صباح، لكن ثمة عادة جديدة فرضتها الحرب، الإنصات إلى السماء،

تقول صباح إن أطفالها باتوا يتوقفون عن اللعب أو الحديث عندما يسمعون صوت طائرة مسيرة، قبل أن يسألوا إن كان عليهم الدخول إلى المنزل أو البقاء في مكان أكثر أمناً، لا يعرفون دائماً مصدر الصوت أو وجهته، لكنهم تعلموا أن بعض الأصوات تستدعي الحذر.

وبينما تواصل الأسرة يومها، تظل احتمالات الخطر حاضرة في قرارات بسيطة، هل يذهب الأطفال إلى المدرسة؟ هل يخرج الأب إلى العمل؟

وهل يمكن تأجيل مشوار السوق؟ إشارة قلق لم يعد الصوت القادم من السماء في مدينة أم درمان مجرد صوت عابر، بل إشارة تثير القلق لدى أسرة صباح، التي تحاول معرفة ما إذا كان ينذر بخطر قريب.

فعند سماع الطائرات، يتوقف الأطفال عن اللعب، فيما تحاول صباح متابعة ما يجري والاطمئنان إلى سلامة أفراد أسرتها، إذ لا تستطيع الأسرة دائماً التمييز بين أصوات الطائرات أو معرفة مصدرها،

لكنها اعتادت التعامل معها بحذر. وبين الخوف وانتظار الهدوء، أصبح الإنصات إلى السماء جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية. اختصاصي علم النفس بشير مالك قال إن "العيش تحت تهديد متكرر وغير متوقع يمكن أن يترك آثاراً نفسية تتجاوز لحظة الخوف نفسها،

فالإنسان يحتاج إلى قدر من الشعور بالأمان حتى يتمكن من ممارسة أنشطته اليومية بصورة طبيعية، وعندما يصبح الخطر محتملاً في أي وقت، قد يجد نفسه في حالة مستمرة من الترقب والانتباه للمحيط". وتابع مالك "تختلف استجابة الأفراد لهذا الوضع بحسب أعمارهم وتجاربهم السابقة ومدى تعرضهم المباشر للأحداث،

فضلاً عن وجود الدعم الأسري والاجتماعي. وقد تظهر لدى بعض الأشخاص صعوبات في النوم أو التركيز، أو شعور بالتوتر عند سماع أصوات تذكرهم بتجارب مخيفة. لكن هذه العلامات لا تظهر لدى الجميع،

ولا تكفي وحدها لتشخيص اضطراب نفسي". واستطرد "أما الأطفال، فقد يعبرون عن خوفهم بطرق لا يستطيعون دائماً شرحها بالكلمات. فقد يتغير سلوكهم أثناء اللعب،

أو يكثر سؤالهم عن سلامة أفراد الأسرة، أو يرفضون الابتعاد من والديهم، أو يصبحون أكثر حساسية للأصوات المفاجئة. وقد يبدو طفل آخر هادئاً من الخارج،

على رغم شعوره بالقلق". يمتد أثر المسيرات إلى تفاصيل الحياة اليومية، إذ يصبح الوصول إلى السوق أو مكان العمل مرتبطاً بتقدير الأخطار (أ ف ب) وأشار إلى أهمية توفير بيئة أسرية مستقرة قدر الإمكان، والإجابة عن أسئلة الأطفال بصدق يتناسب مع أعمارهم،

من دون تقديم وعود لا يمكن ضمانها، كذلك فإن الحفاظ على الروتين اليومي قدر المستطاع سيساعد في منحهم شعوراً نسبياً بالاستقرار. وبين اختصاصي علم النفس أن "المناطق التي تتكرر فيها الهجمات أو تتداول فيها أخبار  القصف باستمرار، لا يقتصر أثر الخوف على الأشخاص الذين تعرضوا مباشرة للأذى،

فقد يمتد إلى آخرين يعيشون حالة عدم اليقين نفسها، ومع ذلك ينبغي تقييم كل حالة في سياقها، والاستماع إلى تجارب الأفراد أنفسهم قبل تحديد طبيعة الأثر النفسي الذي يعانونه". يوم معلق لم تعد الدراسة والعمل والتسوق تفاصيل عادية في يوم الأسر السودانية،

بل باتت مرتبطة بما يجري في محيطها. ففي مناطق النزاع، يوازن أفراد الأسرة بين ضرورة الخروج والقلق من الطريق، خصوصاً عند سماع أصوات الطائرات أو تداول أنباء عن هجمات قريبة.

وتقول صباح إن "الحرب غيرت روتين الأسرة، فأصبح الذهاب إلى المدرسة أو السوق يتطلب حسابات لم تكن مطروحة من قبل. وعلى رغم استمرار الناس في تدبير احتياجاتهم، تظل الحركة اليومية محكومة بظروف الأمن،

فيما تحاول الأسرة الحفاظ على حياتها المعتادة وسط هذا القلق". المتخصصة في علم الاجتماع ناديا حمزة قالت "التعرض المتكرر للتهديد يؤثر في شعور الإنسان بالأمان، وقد ينعكس على قراراته اليومية، بما فيها الخروج من المنزل والذهاب إلى العمل أو المدرسة.

وعندما لا يستطيع السكان توقع توقيت الخطر أو تحديد الأماكن الأكثر أماناً، يصبح التخطيط للأنشطة المعتادة أكثر صعوبة، وقد يلجأ بعضهم إلى تقليل التنقل أو تجنب أماكن معينة". وأضافت حمزة "بالنسبة إلى الأطفال،

يمكن أن يؤدي اضطراب الحياة اليومية إلى صعوبات في الانتظام الدراسي والتركيز والتفاعل مع الآخرين. فالمدرسة لا تمثل مكاناً للتعلم فحسب، بل توفر أيضاً مساحة للروتين والتواصل الاجتماعي. وعندما يتعطل التعليم أو يصبح الوصول إليه محفوفاً بالأخطار،

يفقد الأطفال جزءاً من هذا الاستقرار". وترى أن "البالغين قد يواجهون ضغوطاً إضافية نتيجة صعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية أو الاستمرار في العمل، وقد تتداخل المخاوف الأمنية مع الأعباء الاقتصادية، خصوصاً لدى الأسر التي تعتمد على الدخل اليومي،

إذ يمكن أن يؤدي البقاء في المنزل إلى فقدان مصدر الرزق، بينما ينطوي الخروج على أخطار محتملة". وزادت "تختلف استجابات الناس باختلاف ظروفهم، فبعض الأسر تستطيع تقليل تحركاتها،

بينما لا تملك أسر أخرى هذا الخيار بسبب حاجتها إلى الغذاء أو العلاج أو العمل، لذلك لا يمكن فهم سلوك السكان بمعزل عن الإمكانات المتاحة لهم والظروف التي يعيشونها". وتؤكد المتخصصة في علم الاجتماع أن "دعم الأسر يتطلب، إلى جانب الرعاية النفسية عند الحاجة،

توفير معلومات موثوقة عن الأوضاع المحلية، وضمان استمرار الخدمات الأساسية والتعليم قدر الإمكان، بما يساعد الناس في اتخاذ قراراتهم اليومية على أساس المعلومات المتاحة، لا الإشاعات والخوف وحدهما".

اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ترتيب أولويات يمتد أثر المسيرات إلى تفاصيل الحياة اليومية، إذ يصبح الوصول إلى السوق أو مكان العمل مرتبطاً بتقدير الأخطار. وفي مدينة أم درمان كمثال، يحاول السكان التوفيق بين ضرورة تأمين احتياجاتهم ومصادر رزقهم،

والقلق من الطريق وما قد يحمله من مفاجآت. يرى الباحث في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية أسعد الطيب أن "التهديدات الأمنية الناتجة من هجمات المسيرات تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، بما في ذلك حركة الأسواق والمواصلات وقدرة السكان على مواصلة أعمالهم بصورة طبيعية". وأوضح الطيب أن "استمرار الخوف من الهجمات المحتملة يضع السكان أمام حالة من عدم اليقين،

تدفعهم إلى إعادة ترتيب أولوياتهم اليومية، وتقليص تنقلاتهم إلى الحد الضروري، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالوصول إلى الأسواق أو أماكن العمل أو المدارس. كذلك يمكن أن تتأثر الأنشطة التجارية نتيجة تراجع حركة الزبائن أو اضطرار بعض التجار إلى تقليص ساعات العمل،

وهو ما ينعكس بدوره على دخل الأسر التي تعتمد على العمل اليومي". ولفت الباحث في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية إلى أن "خطورة هذه الظروف تكمن في تراكم آثارها مع مرور الوقت، فحتى في الأيام التي لا تشهد هجمات مباشرة، قد يستمر الشعور بالخطر في التأثير على قرارات الأفراد وحركتهم،

ففهم حجم هذه التداعيات يتطلب متابعة أوضاع السكان ميدانياً، ورصد التغيرات في النشاط الاقتصادي والخدمات الأساسية، إلى جانب توفير معلومات موثوقة عن الأخطار والإجراءات التي تساعد في حماية المدنيين". مسؤولية قانونية يعتمد تقييم هجمات المسيرات على آثارها في المدنيين،

ومدى التزام أطراف النزاع بقواعد القانون الدولي الإنساني، التي تفرض حماية السكان والأعيان المدنية أثناء العمليات العسكرية. ويشمل ذلك التحقق من طبيعة الأهداف، وحجم الأضرار التي لحقت بالمناطق السكنية،

والاحتياطات المتخذة لتقليل الأخطار على المدنيين، إلى جانب توثيق الحوادث والتحقيق فيها لتحديد المسؤوليات. يشير المتخصص في القانون الدولي الإنساني النذير مؤمن إلى أن "استخدام الطائرات المسيرة في النزاعات المسلحة يثير تحديات تتعلق بحماية المدنيين، خصوصاً عندما تقع الهجمات بالقرب من المناطق السكنية أو المنشآت التي يعتمد عليها السكان في حياتهم اليومية".

وتابع مؤمن أن "تقييم أي هجوم لا يعتمد على نوع السلاح المستخدم وحده، بل يتطلب النظر إلى الهدف العسكري، وطبيعة المنطقة المستهدفة، والآثار المتوقعة في المدنيين،

ومدى اتخاذ الاحتياطات اللازمة لتجنب إلحاق الضرر بهم. كذلك يفرض القانون الدولي الإنساني على أطراف النزاع التمييز بين المدنيين والمقاتلين، ويحظر الهجمات العشوائية، ويلزم باتخاذ الاحتياطات الممكنة لحماية السكان".

وواصل المتخصص في القانون الدولي الانساني أن "توثيق الحوادث، وتحديد مواقعها وتوقيتها، والتحقق من طبيعة الأضرار التي لحقت بالمدنيين والمنشآت المدنية، عناصر أساسية لفهم نمط الهجمات وتقييم مدى الالتزام بقواعد القانون الدولي الإنساني.

وتزداد أهمية هذه المعلومات عندما تتكرر الحوادث في مناطق مأهولة، بما يستدعي تحقيقاً مستقلاً في الوقائع والظروف المحيطة بها".