على رغم شراكة حركات دارفور المسلحة مع الجيش في السلطة بموجب اتفاق جوبا لسلام السودان، ثم تحالفها الميداني معه لاحقاً من خلال "القوات المشتركة"، في قتال "الدعم السريع"، إلا أن التطورات الميدانية وسيطرة "الدعم السريع" شبه الكاملة على ولايات الإقليم الخمس،
جعلت تلك الحركات تقاتل خارج جغرافيتها وحواضنها وبيئتها الأصلية. سلطة وهياكل في إشارة إلى مزيد من ترسيخ سيطرته على الإقليم، أعلن تحالف السودان التأسيسي (تأسيس) بقيادة قوات "الدعم السريع" استكمال هياكل السلطة والمؤسسات التنفيذية والتشريعية واستعادة النظامين الإداري والاقتصادي والمصرفي، انطلاقاً من اتخاذ مدينة نيالا بجنوب دارفور عاصمة لها.
وأصدر محمد حسن التعايشي، رئيس حكومة "تأسيس" الموازية قرارات بتعيين سبعة وزراء استكمالاً للحقائب الوزارية بجهازها التنفيذي، بجانب تعيين وكلاء وزارات ومديرين عموميين، بينهم المدير العام لقوات الشرطة.
خطأ استراتيجي في السياق يرى مؤسس ومدير مركز الدراسات المدنية والديمقراطية السوداني نهار عثمان نهار أنه كان الأجدر بالحركات الدارفورية أن تتخذ موقف الحياد الإيجابي، وتسعى إلى دور الوساطة وإيجاد الحل، بدلاً من أن تكون وقوداً في حرب لم تصنعها ولن تجني ثمارها، لكنها بالانحياز لأحد طرفي الصراع ارتكبت خطأ استراتيجياً كبيراً،
لا سيما وأنه في جوهره صراع داخل المؤسسة العسكرية السودانية، بين الجيش وقوات "الدعم السريع" التي كانت بالأصل جزءاً منها، وكان الأجدر بالحركات الدارفورية أن تتخذ موقف الحياد الإيجابي، وأن تسعى إلى لعب دور الوساطة وإيجاد الحل بدلاً من أن تكون وقوداً في حرب لم تصنعها ولن تجني ثمارها.
أوراق ضغط يستبعد نهار أن تتخلى الحركات المسلحة بطبيعتها طوعاً عن استقلاليتها، لأن بقاءها ككيانات مسلحة مستقلة هو ورقة الضغط الوحيدة في يد قياداتها لانتزاع مطالبها الحكومية، واندماج قواتها في الجيش يفقدها كل رافعة للضغط من أجل تنفيذ الاتفاقات، لذلك يتوقع أن تسعى هذه القيادات بكل ما تملك من قوة إلى الحفاظ على تلك الاستقلالية،
حتى لو كان ذلك على حساب مقاتليها الذين قد لا يحصلون على رواتب أو رتب أو اهتمام حقيقي، مما يشير إلى أن المصلحة هنا هي مصلحة القيادات، وليس مصلحة القضية. مستقبل غامض يتابع مدير مركز الدراسات المدنية والديمقراطية "مع وقوفي من حيث المبدأ مع أية خطوة نحو السلام ناقصة كانت أم جزئية،
لكن الواقع أثبت أن اتفاق جوبا منذ توقيعه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 وحتى اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023 ، لم يحقق شيئاً ملموساً على الأرض، لا للنازحين واللاجئين ولا في التنمية، ولا حتى في بند الترتيبات الأمنية أو العدالة الانتقالية،
الشيء الوحيد الذي تحقق فعلياً كان في قسمة السلطة في ما يخص المناصب السيادية والسياسية لقيادات الحركات، أما مستقبل الاتفاق فأراه شديد الغموض، ولم ينفذ منه على أرض الواقع إلا المواقع السيادية التي لا تزال في أيدي قادة الحركات". حكومة "تأسيس" الموازية اتخذت قرارات لفرض سيطرتها (أ ف ب) وصف نهار، سيطرة "الدعم السريع" على دارفور بأنه احتلال بكل ما تحمل الكلمة يفرض واقعاً جديداً على الإقليم بالقوة،
على رغم أن الانتهاكات في مناطق السيطرة لم تبلغ في مجملها الحجم الكبير الذي كان في مراحل سابقة، لكن المشهد كله بعيد من الوضع الطبيعي، فالمواطن في تلك المناطق لا يملك حرية التعبير أو التنقل الطبيعي، كما أن الحركة التجارية شبه متوقفة،
والمساعدات الإنسانية مقيدة، وحتى استخدام الهاتف يخضع لرقابة وتضييق، هذا بالطبع ليس تحريراً ولا حوكمة هذا محض احتلال. مخاوف الهدنة على نحو متصل يرى الباحث في تاريخ دارفور عبدالرحيم يحي أن الحركات،
وبخاصة الموقعة على اتفاق سلام جوبا، تواجه الآن أخطر مرحلة منذ نشأتها، لأن قوتها التاريخية كانت مرتبطة بالسيطرة على الأرض والحاضنة الاجتماعية في دارفور، وخطاب حماية أهل الإقليم وحقوقهم.
يربط يحي، بين رفض الحركات لأية هدنة إنسانية وبين مخاوفها من تثبيت الواقع الميداني الذي سيبقي كل دارفور في يد "الدعم السريع"، وتتركز مخاوفهم في هذا الجانب من أن يؤدي أي وقف طويل للقتال إلى تثبيت خريطة السيطرة الحالية، وتحولها إلى واقع سياسي دائم أو أساس تفاوضي يصعب تغييره حتى لو بعد الحرب.
مخاوف وتشدد لذلك يمكن القول وفق يحي، بأن مصير حركات دارفور أصبح مرتبطاً بمدى سرعة العودة للسيطرة على دارفور، فإذا تمكنت من ذلك فقد تستعيد دورها ونفوذها، أما إذا استقرت سيطرة "الدعم السريع" لفترة طويلة داخل الإقليم،
فستزداد احتمالات تراجع نفوذ الحركات وزنها السياسي والعسكري داخل دارفور. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) يتابع "كان الشارع الدارفوري يتوقع أن تكون الأولوية الأولي للقوات المشتركة (قوات الحركات) في هذه المرحلة هو تحرير إقليم دارفور، ولا يوجد تفسير لرغبة قيادات تلك الحركات للإبقاء على وجود تلك القوات بعيداً من الإقليم في الشمال والوسط وحول العاصمة السودانية المحررة، إلا باستخدامها كوسيلة للضغط لتثبيت وحراسة نصيبها في السلطة،
في وقت تحولت فيه كل المناصب الإقليمية إلى مناصب (افتراضية) بعد ضياع الأرض". التحرير أولاً من جانبهما يتفق كل من حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، وجبريل إبراهيم رئيس حركة العدل والمساواة، على أن الأولوية في حال أي اتفاق لوقف إطلاق النار،
يجب أن تكون بتنفيذ اتفاق جدة بخروج ميليشيات "الدعم السريع" من المدن والأعيان المدنية. يرى الزعيمان الدرافوريان أن أية تهدئة عسكرية لن تكون ذات جدوى ما لم يتبعها انسحاب كامل من الأحياء السكنية والأعيان المدنية التي تسيطر عليها لضمان عودة الحياة لطبيعتها وحماية المدنيين. يشترط مناوي كذلك الإفراج غير المشروط عن المحتجزين والمختطفين كافة لدى الميليشيات لأي مسار يتعلق بوقف العدائيات، معتبراً أن السلام يبدأ برد الحقوق ووقف التعدي على الممتلكات والحريات في دارفور وبقية الولايات.
ويؤكد إبراهيم على أن استرداد دارفور من قبضة "الدعم السريع" يمثل أولوية قصوى، مستبعداً إمكان وقف الحرب أو التفاوض قبل استعادة كامل الإقليم، وأن مسؤوليتهم تقتضي الاستعداد للزحف الأكبر لاسترداد دارفور. سلاح ذو حدين على الخط نفسه يلتقي رئيس التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود)،
رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك مع مناوي في خطورة الهدنة كسلاح ذي حدين مع اختلاف الرؤية في شأن الترتيبات والاشتراطات المطلوبة للهدنة، إذ يربط حمدوك الهدنة الإنسانية بمسار سياسي واضح، محذراً من أنها بغير ذلك قد تسهم في ترسيخ حالة تقسيم البلاد أو تتحول في أفضل الظروف إلى مجرد استراحة محارب تسبق جولات جديدة من الصراع. مطالبات عدة بهدنة إنسانية عاجلة (أ ف ب) أوضح حمدوك أن هذه الهدنة يجب أن تمهد الطريق للدخول في مسار سياسي شامل ومستقل يتمتع بالصدقية،
يلبي تطلعات الشعب السوداني في تحقيق شعارات ثورة ديسمبر في الحرية والسلام والعدالة والاستقرار الدائم، مع تجديد دعوته كل الأطراف للقبول الفوري بهدنة إنسانية عاجلة، مشدداً على أن المسار السياسي المنشود هو الوحيد القادر على منع انزلاق البلاد نحو التجزئة والوصول إلى حلول جذرية وشاملة. وضع طارئ على نحو متصل يعتقد رئيس تحرير صحيفة "دارفور الجديدة" علي منصور أن سيطرة ميليشيات "الدعم السريع" على معظم إقليم دارفور وبعض أجزاء إقليم كردفان تمثل وضعاً طارئاً فرضته ظروف الحرب وتعقيدات المشهد العسكري،
وليست واقعاً ثابتاً أو قابلاً للاستمرار على المدى البعيد، خصوصاً بعد أن فشلت الميليشيات في تقديم نموذج حكم مستقر، فضلاً عن التقدم المستمر للجيش والقوات المساندة له في عدد من المحاور وحالة الاستنزاف والانشقاقات التي تعيشها الميليشيات، مما يجعل من الصعب عليها تثبيت واقع دائم قائم على الانقسام العسكري أو الجغرافي للإقليم.
لذلك وفق منصور، وعلى رغم الإخفاقات الكبيرة التي صاحبت تجربة الحركات خلال السنوات الماضية، لكن لا تزال الفرصة قائمة أمامها لمراجعة أخطائها وتصحيح مسارها شريطة أن تدرك أن مستقبل العمل السياسي في السودان لن يبنى على السلاح أو الخطاب الجهوي أو استثمار المظلومية، بل بالقدرة على تقديم مشروع وطني يلامس تطلعات الشعب السوداني في الأمن والاستقرار والعدالة والتنمية.
فرص ضائعة يرى رئيس تحرير صحيفة "دارفور الجديدة"، أن حركات دارفور أضاعت فرصة تاريخية للتحول عقب اتفاقات السلام من حركات مطلبية ذات طابع إقليمي أو عسكري إلى أحزاب سياسية قومية قادرة على منافسة الأحزاب التقليدية، التي أرهقت السودان منذ الاستقلال بالصراعات والانقسامات وضعف الرؤية الوطنية. يشير منصور إلى أن كثيراً من تلك الحركات أخفق في الانتقال من عقلية التمرد إلى عقلية الدولة ومن خطاب الحرب إلى خطاب السياسة،
ولم تستطع تقديم برنامج وطني متكامل يستوعب السودانيين بمختلف أقاليمهم وقبائلهم وانتماءاتهم، وظل بعضها أسيراً لخطاب المظلومية والتهميش كوسيلة للحشد السياسي على رغم أن المرحلة الحالية تتطلب خطاباً وطنياً جامعاً يركز على بناء الدولة وإعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار. وبسقوط مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور والإقليم وبسط سيطرتها الكاملة على المدينة في الـ26 من أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي، بعد حصار دام نحو 18 شهراً،
أكملت قوات "الدعم السريع" سيطرتها على عواصم ولايات دارفور الخمس، (شمال، شرق، وسط،
غرب وجنوب دارفور)، وكانت الفاشر هي آخر معاقل الجيش السوداني في الإقليم.