أعيد فتح ملف عرب المحاميد في إقليم ديفا الواقع جنوب شرقي النيجر في يوليو (تموز) الماضي، وفقاً لتعليمات ورد أنها صادرة عن السلطات النيجرية لتحديد هوية أفراد منهم، وسحب وثائق حالتهم المدنية، تمهيداً لإعادتهم إلى تشاد والسودان.
ولا يزال الحديث عن تجريد جماعي من الجنسية يتردد من دون إجراءات رسمية معلنة، لكن عودة الملف بعد نحو 20 عاماً تستحضر أزمة 2006، حين أعلنت نيامي إبعاد المحاميد، وبدأت بالفعل ترحيل أعداد منهم قبل تعليق القرار إثر ضغوط إقليمية ودولية.
كما ارتبطت القضية آنذاك بخلافات حول الأرض والمراعي والمياه وبالجدل حول جنسية أفراد الجماعة ومصدر أصولهم. وهنا يتخذ السودان موقعاً مختلفاً في هذه المعادلة، فالحرب السودانية منذ أبريل (نيسان) 2023، لم تنشأ في فراغ ديموغرافي،
كما أن المقاتلين والجماعات المتحركة عبر الحدود لا يدخلون إليها باعتبارهم وافدين عابرين. فثمة تاريخ من التجنيد والاحتواء ومنح الجنسية وإعادة تشكيل الولاءات، جعل السودان، مع اتساع الحرب،
ساحة تتقاطع فيها أزمة الدولة مع أزمة الإقليم، من يملك الأرض، ومن يملك حق المواطنة، ومن يحدد الانتماء،
ومن يتحمل كلفة تحويل الهوية إلى أداة في الصراع. يتجاوز ما كشفته حروب الساحل الأفريقي والحرب السودانية اتساع الجبهات وتعدد أطرافها، فهي تدفع الحدود السياسية إلى اختبار قاس، وتحول جنسية جماعات عدة ومن ضمنها المحاميد من رابطة قانونية مستقرة إلى مسألة قابلة لإعادة النظر تحت ضغط الأمن والصراع على الأرض والموارد،
فيما تصبح الجماعة نفسها جزءاً من حركة القوة داخل الإقليم. وحين تفقد سندها القانوني في النيجر، لا تنتهي أزمتها عند الترحيل، بل تبدأ مرحلة أخرى،
يصبح فيها البحث عن أرض واعتراف وملاذ امتداداً للصراع، وتتحول حركة عرب الشتات إلى عامل في إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية. اتساع الانتقال لم يكن وجود عرب المحاميد في النيجر نتاج موجة نزوح واحدة، ولا ظاهرة طارئة فرضتها حروب المنطقة،
فمنذ جفاف الساحل في سبعينيات القرن الماضي، بدأت جماعات رعوية عربية، معظمها من المحاميد المرتبطين بالرزيقات في تشاد والسودان، تتحرك شرقاً وغرباً بحثاً عن الماء والكلأ.
ثم اتسعت حركة الانتقال مع الحروب الأهلية التشادية في الثمانينيات، فاستقر آلاف منهم في إقليم ديفا، فيما ظل جزء من حياتهم مرتبطاً بحيز رعوي عابر للحدود بين تشاد والنيجر وليبيا وشمال نيجيريا. وتشير تقديرات أممية عام 2006 إلى وجود ما بين 100 و150 ألفاً من المحاميد في ديفا،
مع قطعان قدرت بنحو 100 ألف جمل. في عامي 2007 و2008 رصدت الأمم المتحدة عبور نحو 30 ألف عربي من تشاد والنيجر إلى دارفور (غيتي) لكن الاستقرار لم ينه سؤال الانتماء، فقد ظلت قطاعات واسعة منهم بلا جنسية نيجرية مثبتة أو وضع لاجئ معترف به، الأمر الذي جعل علاقتهم بالدولة مرتبطة بالوثيقة أكثر من ارتباطها بطول الإقامة.
وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2006 تحولت هذه المسألة إلى أزمة مفتوحة، أعلنت نيامي ترحيل المحاميد إلى تشاد، واتهمتهم بحيازة السلاح وتهديد السكان المحليين والتسبب في احتكاكات حول الآبار والمراعي. وبدأت بالفعل عمليات جمع وترحيل،
قبل أن تتراجع الحكومة بعد أيام، وتقرر حصر الإجراء فيمن لا يحملون أوراقاً قانونية، وإنشاء آلية لمعالجة نزاعات الأرض والمياه. ولم يكن ذلك مجرد خلاف إداري،
فقد حذرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من احتمال أن تؤدي الإعادة إلى تشاد إلى حالات انعدام جنسية، وطالبت بتحديد هوية الأشخاص المعنيين وأوضاعهم القانونية قبل ترحيلهم. ثم تحركت بعض هذه الكتل جنوباً وشرقاً. وفي عامي 2007 و2008 رصدت الأمم المتحدة عبور نحو 30 ألف عربي من تشاد والنيجر إلى دارفور،
وسط اتهامات متبادلة بشأن التجنيد وإعادة التوطين في مناطق النزاع. حلقات الامتداد حين اندلعت الحرب السودانية، لم تدخل القبائل العربية الممتدة في فضاء الساحل إلى المشهد بوصفها جماعات وافدة حديثة العهد بالسودان، فقد سبقت الحرب شبكة من الروابط القبلية،
وطرق التجنيد والانتقال بين دارفور وتشاد والنيجر وليبيا. وكانت قوات "الدعم السريع"، منذ تأسيسها عام 2013، قد استندت بدرجة كبيرة إلى شبكات اجتماعية وقبلية في دارفور،
ثم توسع تجنيدها إلى مقاتلين من تشاد والنيجر وليبيا وبلدان أخرى. ويشار إلى أن الحرب أعادت تنشيط هذه الشبكات، واستقطبت مقاتلين عرباً من المجال الساحلي إلى جانب "الدعم السريع". وتبرز النيجر هنا باعتبارها إحدى أهم حلقات هذا الامتداد،
فعرب ديفا، ومن بينهم المحاميد، وأولاد سليمان التي ينتمي إليها الرئيس النيجري المعزول محمد بازوم، ظلوا مرتبطين تاريخياً بفضاء رعوي يتجاوز الحدود الحديثة.
ومع مرور الوقت انتقلت العلاقة من حركة السكان والماشية إلى السياسة والسلاح. وأفادت تقارير بأن أكثر من 4 آلاف مقاتل من النيجر التحقوا بـ"الدعم السريع"، وأن بعضهم سبق أن قاتل في دارفور قبل اندلاع الحرب الحالية. وبعد معارك الخرطوم الأولى،
تحدثت المصادر ذاتها عن وصول دفعات جديدة في إطار ما يعرف محلياً بـ"الفزعة" لتعويض خسائر "الدعم السريع". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ولم تكن السياسة منفصلة عن هذه الشبكات، فقد أقام حميدتي علاقة وثيقة بالرئيس، وقتها،
محمد بازوم، الذي تولى الرئاسة بعد انتخابات 2020 وتم تنصيبه في أبريل (نيسان) 2021، وشارك حميدتي في مراسم التنصيب، وتتحدث روايات متفرقة عن دعم حميدتي الذي قدمه لبازوم خلال حملته الانتخابية.
وبعد انقلاب الـ26 من يوليو (تموز) 2023 اتهم جنرالات النيجر بازوم بإرسال جنود من عرب المحاميد للقتال إلى جانب قوات "الدعم السريع"، ليقطع هذا المسار السياسي ويغلق الحدود مع تشاد، في لحظة كانت الحرب السودانية قد جعلت الامتداد القبلي العابر للحدود عاملاً عسكرياً لا يمكن تجاهله. ومنذ ذلك الحين،
لم ينحصر الأمر في استقبال السودان أفراداً من هناك فقط، بل أصبح ساحة تتداخل فيها القرابة القبلية مع التجنيد والمال ومسارات السلاح والذهب، بما يجعل عرب الشتات جزءاً من اقتصاد الحرب الإقليمي، لا كتلة واحدة متجانسة،
وإنما شبكات متفاوتة المصالح والولاءات. شبكات التجنيد وتكشف متابعة عمليات التجنيد والحركة عبر حدود تشاد والنيجر وأفريقيا الوسطى أن "الدعم السريع" لم يتعامل مع الامتدادات السكانية في الإقليم باعتبارها مجرد روابط اجتماعية، بل استطاع تحويلها إلى قنوات للاستقطاب والإمداد البشري. فقد وثق فريق خبراء الأمم المتحدة إنشاء شبكات تجنيد لـ"الدعم السريع" داخل تشاد، لا سيما بين جماعات عربية،
ورصد انتقال مجندين عبر الحدود إلى دارفور. كما وثق تجنيداً في مناطق حدودية بأفريقيا الوسطى، مما يؤكد أن الحرب سرعان ما تجاوزت نطاق التعبئة السودانية الداخلية. ومن هذه الزاوية،
فإن مأزق بعض الجماعات التي تعيش بين حدود الدول يمكن أن يتحول إلى مورد للحرب، وبعضهم تحرك بدافع مشروع لإقامة "وطن بديل" بدوافع متباينة: المال والروابط القبلية والحماية والانتقام ومصالح قادة محليين، فضلاً عن شبكات التجنيد المنظمة. سبقت الحرب شبكة من الروابط القبلية،
وطرق التجنيد والانتقال بين دارفور وتشاد والنيجر وليبيا (غيتي) هذه التعبئة تزامنت مع استراتيجية للسيطرة على الأرض، ففي دارفور وثق خبراء الأمم المتحدة هجمات استهدفت المدنيين والنازحين، وعنفاً واسعاً، ومحاولات لفرض السيطرة على مناطق متنازع عليها تاريخياً،
كما وثقت الأمم المتحدة عمليات قتل ونهب وتهجير واسعة منذ بداية الحرب. وهنا يصبح النزوح نفسه جزءاً من اقتصاد الحرب، إفراغ الأرض من سكانها، والسيطرة على مساكنهم وممتلكاتهم،
ثم استخدام القوة لإعادة ترتيب موازين السكان والسلطة. ولذلك فإن وصف "الدعم السريع" بأنه مجرد تمرد داخلي لم يعد كافياً، فبنيته التشغيلية أصبحت عابرة للحدود، وشبكات تجنيده وإمداده تتجاوز الدولة السودانية،
بينما تحولت الجغرافيا الممتدة من الساحل إلى دارفور إلى مجال واحد للحركة البشرية والعسكرية. غير أن الأدق هو القول إن الحرب استثمرت أزمات الحدود والمواطنة القائمة سلفاً، ولم تنشئها من العدم، وهو ما يجعل معالجة الصراع مرتبطة،
بالضرورة، بإعادة ضبط المجال الإقليمي الذي سمح باستدامته. مسارات محتملة من الأرجح ألا تظل قضية عرب الشتات والمحاميد ملفاً سكانياً منفصلاً عن الحرب السودانية. فالحرب،
وقد دخلت عامها الرابع، أفرزت بالفعل فضاء أمنياً يمتد من النيجر إلى دارفور، ومنها إلى تشاد وليبيا، وأصبحت الحدود نفسها جزءاً من منظومة الإمداد والتجنيد والحركة.
وذلك مع استمرار سيطرة "الدعم السريع" على معظم دارفور، واحتفاظها بشبكات إسناد عابرة للحدود، وإنشاء شبكات تجنيد داخل تشاد، واستمرار نقل مقاتلين وعتاد عبر الممرات الإقليمية.
ويمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسة: الأول، أن تتجه دول الساحل إلى تشديد سياسات الجنسية والسجل المدني والحدود، لا سيما تجاه الجماعات التي ترى فيها امتداداً بشرياً محتملاً للقوى شبه العسكرية. وهذا قد يحد من قدرة هذه الشبكات على التجنيد،
لكنه قد ينتج في المقابل موجات نزوح جديدة إذا جرى التعامل مع الهوية القبلية بوصفها قرينة على عدم الانتماء. والثاني، أن تستمر الحرب في تحويل المجال الحدودي إلى اقتصاد متكامل للسلاح والمقاتلين والذهب والتهريب. وتكمن خطورة هذا السيناريو في أن استمرار الحرب لا يحتاج إلى انتصار عسكري حاسم كي يرسخ هذا الاقتصاد،
بل يكفي أن تبقى دارفور وكردفان مناطق متنازعاً عليها، وأن تظل طرق الإمداد الخارجية مفتوحة. وقد كشفت التطورات الأخيرة بالفعل أن "الدعم السريع" يستفيد من شبكة نقل دولية تشمل تشاد وليبيا، إلى جانب مقاتلين أجانب من خارج الإقليم.
أما المسار الثالث، والأكثر أهمية للسودان، فهو أن يتحول الصراع تدريجاً من حرب على السلطة إلى صراع على شكل الدولة وتركيبتها السكانية. ومع بلوغ عدد النازحين واللاجئين السودانيين ملايين عدة،
تصبح إعادة السكان، واستعادة الملكيات، وضبط السلاح والحدود، جزءاً من التسوية السياسية لا ملفات لاحقة لها.
ولهذا فإن الخطر الاستراتيجي لا يكمن في انتقال مقاتلين من عرب الشتات عبر الحدود وحده، بل في نشوء بيئة يصبح فيها فقدانهم المواطنة في النيجر، والحصول على السلاح في دولة ثانية، وانتزاع الأرض في السودان حلقات داخل مسار واحد.
وإذا ترسخ هذا النمط، فلن تنتهي الحرب بانتهاء المعارك وحدها، إذ ستبقى آثارها السياسية والديموغرافية ممتدة لسنوات.