بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب بين الجيش وقوات "الدعم السريع"، لم تعد الأزمة التعليمية في السودان مقتصرة على إغلاق المدارس والجامعات أو تدهور البيئة الأكاديمية، بل تجاوزت ذلك إلى مؤشرات خطرة على توظيف المؤسسات التعليمية والطلاب في سياقات الصراع المسلح، بما يهدد مستقبل العملية التعليمية ويقوض حيادها التاريخي.

وجاءت تصريحات وزير التعليم العالي والبحث العلمي أحمد مضوي موسى في شأن مشاركة نحو ثلاثة آلاف طالب جامعي في القتال، بينهم قتلى وجرحى وأسرى، لتفتح باباً واسعاً من القلق حول حجم التداخل بين المؤسسات الأكاديمية والمجهود الحربي. كذا أعادت تلك التصريحات تسليط الضوء على تنامي الخطاب الرسمي الذي يربط التعليم بمفاهيم التعبئة والاستنفار،

في وقت تواجه فيه الجامعات السودانية انهياراً حاداً في البنية التحتية، وتعطيلاً واسعاً للدراسة، ونزوحاً جماعياً للطلاب والأساتذة. وتأتي هذه التطورات تزامناً مع تهديد وزير التربية بولاية الجزيرة عبدالله أبو الكرام،

المعلمين بالاستعانة بعناصر من "كتائب البراء بن مالك" و"قوات درع السودان" للعمل في التدريس، رداً على مطالبهم بتحسين الأجور والبيئة المدرسية. وتواجه المجموعتان عقوبات أميركية ودولية على خلفية اتهامات بارتكاب انتهاكات وعمليات ضد المدنيين. ويعكس هذا القرار التحولات العميقة التي فرضتها الحرب السودانية على البنية الاجتماعية ومؤسسات الدولة،

مما أدى إلى تصاعد المخاوف من انزلاق قطاع التعليم نحو مسارات التسييس والعسكرة، بعدما ظل أحد أهم روافع الاستقرار الاجتماعي وبناء النخب المدنية في السودان. ترسيخ الأيديولوجيا منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي عمل نظام الرئيس السابق عمر البشير على إعادة تشكيل المنظومة التعليمية بوصفها إحدى أهم أدوات إعادة إنتاج السلطة وبناء الولاء الأيديولوجي. ولم يقتصر الأمر على السيطرة الإدارية على المدارس والجامعات واتحادات الطلاب،

بل امتد إلى هندسة المجال التعليمي نفسه عبر المناهج والأنشطة الثقافية المرتبطة بالمؤسسة التعليمية. وأصبح الزي المدرسي في كثير من المراحل أقرب إلى الطابع شبه العسكري، في انعكاس مباشر لهيمنة خطاب التعبئة والاستنفار الذي طبع سنوات الحرب الأهلية آنذاك. تمثل الحرب الدائرة في السودان واحدة من أكثر الكوارث التعليمية حدة في العالم (غيتي)​​​​​​​ وفي سياق تعزيز النزعة العسكرية داخل المجتمع،

توسعت الدولة في برامج "الدفاع الشعبي" والتدريبات العسكرية للطلاب، حيث تحولت معسكرات الخدمة الوطنية والتأهيل القتالي إلى جزء من التجربة التعليمية لآلاف الطلاب، بل أصبحت المشاركة في بعض هذه البرامج شرطاً غير معلن أو أساساً للالتحاق بالجامعات بالنسبة إلى الناجحين في اختبارات الشهادة الثانوية. كما جرى توظيف الجامعات بوصفها فضاءات للتجنيد السياسي والعسكري،

في ظل صدامات متكررة داخل الحرم الجامعي بين التنظيمات الطلابية والأجهزة الأمنية. ويعيد حديث وزير التعليم العالي الحالي عن مشاركة آلاف الطلاب في القتال إلى الأذهان تجارب تاريخية ارتبطت بعسكرة التعليم في الأنظمة السلطوية. ففي عهد محمد علي باشا في مصر والسودان جرى تأسيس المدارس العسكرية لبناء جيش حديث يخدم مشروع الدولة المركزية، بينما استخدمت الأنظمة البعثية في سوريا المؤسسات التعليمية لترسيخ الأيديولوجيا الأمنية والعسكرية عبر المناهج والتدريبات والأنشطة التعبوية.

وفي إيران، اكتسبت المناهج بعداً أمنياً وعقائدياً واضحاً منذ الثورة الإيرانية، مع التركيز على مفاهيم "الدفاع العقائدي" والتنشئة العسكرية المبكرة. وشهدت ليبيا في عهد معمر القذافي نماذج مشابهة من توظيف التعليم في التعبئة السياسية والعسكرية.

غير أن القاسم المشترك بين هذه التجارب يتمثل في تحويل المدرسة والجامعة من فضاء للمعرفة والتفكير النقدي إلى أداة لإعادة إنتاج السلطة وتوسيع النفوذ الأيديولوجي للدولة. اختلال الأولويات تمثل الحرب الدائرة في السودان واحدة من أكثر الكوارث التعليمية حدة في العالم، بعدما تحولت المدارس والجامعات من فضاءات للتعلم إلى مرافق للإيواء أو ساحات متأثرة مباشرة بالنزاع المسلح. ووفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسيف"،

فإن أكثر من 17 مليون طفل سوداني باتوا خارج النظام التعليمي، من أصل نحو 19 مليوناً في سن الدراسة، أي ما يقارب 90 في المئة من الأطفال واليافعين، في واحدة من أعلى نسب الانقطاع عن التعليم عالمياً.

اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وخلال سنوات الحرب، تعرضت آلاف المدارس والجامعات للتدمير أو الإغلاق أو الاستخدام كمراكز لإيواء النازحين، بينما أدى النزوح الواسع وانهيار الخدمات الأساسية إلى شلل شبه كامل في العملية التعليمية، خصوصاً في دارفور وكردفان والخرطوم.

وتشير تقارير دولية منها "مؤسسة التعليم فوق الجميع" إلى أن نحو ثلاثة آلاف مدرسة استخدمت كملاجئ للنازحين، مما فاقم أزمة الوصول إلى التعليم حتى في المناطق الآمنة نسبياً، ولم يعد سوى 13 في المئة فقط من الأطفال في سن الدراسة ينتظمون فعلياً في التعليم بصورة مستقرة. وعلى رغم محاولات السلطات إعادة فتح المدارس والجامعات جزئياً في بعض الولايات التي شهدت تراجعاً في حدة المعارك،

فإن العودة ظلت محدودة وهشة، بسبب نقص المعلمين والكتب والكهرباء وخدمات الاتصالات، إضافة إلى الأوضاع الاقتصادية المتدهورة. وتأتي تصريحات مسؤولي التعليم الأخيرة في وقت يعيش فيه المعلمون وأساتذة الجامعات أوضاعاً معيشية قاسية،

وسط تآكل الأجور وارتفاع معدلات التضخم، بينما تشير تقديرات محلية إلى أن راتب الجندي في القوات المسلحة بات يفوق دخل المعلم الحكومي بنحو 10 أضعاف، مما يعكس اختلال أولويات الإنفاق خلال زمن الحرب. مخزون تعبوي يقول الأستاذ الجامعي أحمد معاوية إن الزج بالطلاب في الحرب يعكس "تحولاً خطراً في دور الدولة،

من مؤسسة لحماية الشباب إلى جهة تدفعهم نحو الموت"، موضحاً أن غياب البدائل التعليمية والاقتصادية يجعل الشباب أكثر عرضة للاستغلال تحت شعارات الوطنية والتعبئة العامة. بدوره اعتبر الصحافي أحمد كمال أن حديث الوزير يكشف عن تعامل بعض المسؤولين مع الطلاب بوصفهم "احتياطاً بشرياً للحرب"، ويرسخ نهجاً منظماً لعسكرة التعليم وتحويل المؤسسات الأكاديمية إلى امتداد مباشر للمجهود الحربي،

على رغم الانهيار شبه الكامل الذي أصاب الجامعات والبنية التعليمية منذ اندلاع الصراع. وحذرت المتخصصة التربوية آمال عبدالعليم من خطورة الاستعانة بمجموعات مسلحة داخل المؤسسات التعليمية، معتبرة أن ذلك يقوض ما تبقى من مدنية التعليم ويهدد سلامة الطلاب والأساتذة معاً. وترى أن إدخال الفاعلين المسلحين إلى المدارس والجامعات قد يفتح الباب أمام نشوء أجيال تتعامل مع العنف باعتباره جزءاً طبيعياً من الحياة العامة،

بما يفاقم أزمة السودان الاجتماعية والسياسية على المدى الطويل. تحولت المدارس والجامعات إلى مرافق للإيواء أو ساحات متأثرة مباشرة بالنزاع (غيتي) ويرى الباحث الاجتماعي سامر الطيب أن أخطر ما في عسكرة التعليم لا يقتصر على تجنيد الطلاب أو إدخال الخطاب القتالي إلى الجامعات، بل في إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والشباب على أساس أمني وعسكري بدلاً من العقد التعليمي والمدني التقليدي. ويقول إن المؤسسات التعليمية في الدول الخارجة من النزاعات يفترض أن تكون منصات لاستعادة الاستقرار النفسي والاجتماعي،

غير أن تحويلها إلى فضاءات تعبئة واستقطاب يقود عملياً إلى إنتاج أجيال مرتبطة بالحرب أكثر من ارتباطها بمفاهيم التنمية والمعرفة. وأضاف أن غياب فرص العمل وتراجع مؤسسات الدولة المدنية يجعلان كثيراً من الشباب أكثر قابلية للانتظام في المشاريع العسكرية باعتبارها الخيار الوحيد المتاح للنفوذ أو الحماية أو الدخل. من جهته اعتبر الأكاديمي والمتخصص في شؤون النزاعات محمد أحمد الأمين أن الخطاب الرسمي الذي يحتفي بمشاركة الطلاب في القتال يعكس تحولاً خطراً في مهام الدولة خلال زمن الحرب. وأوضح أن الجامعات السودانية،

التي كانت تاريخياً أحد أبرز مراكز الحراك الفكري والسياسي في البلاد، تواجه اليوم خطر التحول إلى "مخزون تعبوي" للقوى المتصارعة، بدلاً من القيام بدورها الطبيعي في إنتاج المعرفة وتأهيل الكفاءات. وحذر من أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى تآكل الثقة المجتمعية بالمؤسسات التعليمية،

ويفتح الباب أمام ترسيخ الانقسام الأيديولوجي والعسكري داخل الحرم الجامعي لسنوات طويلة بعد انتهاء الحرب. تداعيات عميقة يرى مراقبون أن أي توجه نحو عسكرة الجامعات والمؤسسات التعليمية في السودان قد يحمل تداعيات عميقة تتجاوز اللحظة العسكرية الراهنة، ليطاول مستقبل الدولة والمجتمع لعقود مقبلة. فعلى المدى القريب،

يتوقع أن يؤدي ربط التعليم بخطاب التعبئة والقتال إلى زيادة معدلات الاستقطاب داخل الجامعات، وتحويل الحرم الأكاديمي من فضاء للمعرفة والحوار إلى ساحة تعبئة سياسية وعسكرية، بما قد يدفع مزيداً من الطلاب إلى الانتظام في الصراع، سواء بدافع الضغوط الاقتصادية أو الشعارات الوطنية أو غياب البدائل التعليمية والحياتية.

ويرجح أن يؤدي هذا النهج إلى تعميق أزمة التعليم القائمة بالفعل، في ظل تراجع ثقة الأسر بالمؤسسات التعليمية، وتصاعد مخاوف أولياء الأمور من تحول المدارس والجامعات إلى بيئات غير آمنة. ويحذر أكاديميون من أن استمرار هذا المسار قد يسرع من وتيرة هجرة الكفاءات والأساتذة الجامعيين إلى الخارج،

ويؤدي إلى مزيد من الانهيار في جودة التعليم والبحث العلمي، خصوصاً مع تزايد توجيه الموارد العامة نحو الإنفاق العسكري على حساب القطاعات المدنية. أما على المدى المتوسط، فيبرز قلق من نشوء جيل تشكلت تجربته التعليمية داخل مناخ الحرب والاستقطاب،

مما قد يعزز ثقافة العنف ويضعف قيم التفكير النقدي والتنوع والتعايش المدني. وقد يؤدي تسييس الجامعات وعسكرتها إلى خلق شبكات ولاء مرتبطة بالقوى المسلحة داخل المؤسسات الأكاديمية، بما يعقد أي محاولات مستقبلية لإعادة بناء الدولة أو إصلاح قطاع التعليم بعد انتهاء الحرب. وعلى المدى البعيد،

فإن أخطر النتائج المحتملة تتمثل في إعادة إنتاج نموذج "الدولة الأمنية" عبر التعليم، بحيث تتحول الجامعات تدريجاً من مؤسسات لإنتاج المعرفة والتنمية إلى أدوات لإعادة تشكيل الوعي السياسي والاجتماعي وفق منطق الحرب والطاعة والانضباط العقائدي. وفي حال ترسخ هذا المسار، فقد يواجه السودان مستقبلاً أزمة بنيوية تتعلق بفقدان رأس المال البشري،

واتساع فجوات العنف المجتمعي، وتآكل فرص الانتقال نحو دولة مدنية مستقرة بعد الحرب.