لم يعد يفصل منتخب إسبانيا عن بلوغ نهائي كأس العالم سوى مباراة واحدة، لكنها ليست مواجهة عادية، بل اختبار تكتيكي وبدني وذهني أمام أقوى نسخة من المنتخب الفرنسي في السنوات الأخيرة. المنتخب الفرنسي وصل إلى نصف النهائي دون أي هزيمة،
ويتصدر البطولة هجوميًا، ويملك مجموعة من اللاعبين القادرين على حسم أي مباراة في لحظة واحدة. بالنسبة لإسبانيا، الوصول إلى النهائي لن يتحقق بمجرد فرض الاستحواذ أو تقديم الأداء الجميل،
بل يتطلب اجتياز عشر مراحل متتالية، لكل منها تحدياتها الخاصة. المرحلة الأولى: ضرب الأطراف قبل اقتحام العمق تبدأ المباراة باختبار أقل تعقيدًا لكنه يمثل نقطة الانطلاق الحقيقية. تدرك إسبانيا أن أحد أبرز منافذ الاختراق يكمن في الأطراف،
حيث لا يبدو ظهيرا فرنسا بالقوة نفسها التي يتمتع بها قلبا الدفاع. عانى لوكا ديني من الضغط المباشر في أكثر من مناسبة، وغالبًا ما تعتمد فرنسا على دعم الأجنحة لتخفيف العبء الدفاعي عنه. في الجهة الأخرى،
ينتظر جول كوندي مواجهة صعبة أمام لامين يامال. إذا نجح لامين يامال ونيكو ويليامز في إجبار الظهيرين الفرنسيين على التراجع المستمر، فقد تجد إسبانيا الطريق لفرض إيقاعها منذ الدقائق الأولى. المرحلة الثانية: معركة السيطرة على الكرة فرنسا لا تعاني عند اللعب دون استحواذ،
لكنها لا تفضل مطاردة الكرة لفترات طويلة. وهنا تظهر أبرز نقاط قوة إسبانيا. يتصدر منتخب لا روخا البطولة في نسبة الاستحواذ بمتوسط 60%، كما يعد من أسرع المنتخبات في استعادة الكرة بعد فقدانها.
يعتمد لويس دي لا فوينتي على رباعي الوسط رودري وبيدري وفابيان رويز وداني أولمو لتحويل وسط الملعب إلى منطقة نفوذ إسبانية خالصة. كلما طالت فترات استحواذ إسبانيا داخل نصف ملعب فرنسا، تراجعت قدرة المنتخب الفرنسي على استغلال سرعته في التحولات. المرحلة الثالثة: ممنوع فقدان الكرة إذا كان الاستحواذ هو السلاح الأول لإسبانيا،
فإن حسن استخدامه سيكون العامل الأكثر أهمية. لا يوجد منتخب في البطولة يستغل التحولات الهجومية بالسرعة نفسها التي تفعلها فرنسا. بمجرد استعادة الكرة، يحتاج مبابي أو عثمان ديمبيلي أو مايكل أوليسي أو ديزيريه دويه إلى ثلاث تمريرات فقط للوصول إلى مرمى المنافس.
لذلك، لن يكون المطلوب من إسبانيا الاحتفاظ بالكرة فقط، بل تجنب فقدانها في مناطق خطيرة. شدد دي لا فوينتي طوال البطولة على أهمية تحقيق التوازن بين الجرأة والانضباط،
وهو مبدأ يبدو أكثر أهمية من أي وقت مضى أمام منتخب يجيد قتل المباريات بالمرتدات. المرحلة الرابعة: اختراق الجدار الفرنسي حتى الوصول إلى مرمى فرنسا لن يكون مهمة سهلة. يشكل ويليام ساليبا ودايوت أوباميكانو أحد أقوى ثنائيات قلب الدفاع في البطولة، بفضل الجمع بين القوة البدنية والسرعة والقدرة على التعامل مع الكرات الهوائية والمواجهات الفردية.
هذا الثنائي يمنح فرنسا حرية الدفاع في مناطق متأخرة دون خوف من الكرات الطويلة أو الانطلاقات خلف الدفاع، كما يسمح لبقية الفريق بالتركيز على التحولات الهجومية. ولا يقتصر تفوق فرنسا على الدفاع داخل المنطقة فقط، فالضغط العكسي الذي يمارسه الفريق هو أحد أسرار نجاحه.
المرحلة الخامسة: مراقبة مختبر أوليسي قد يخطف مبابي العناوين، لكن العقل الذي يدير معظم الهجمات الفرنسية هو مايكل أوليسي. يتحرك لاعب بايرن ميونخ بحرية كاملة بين الخطوط، ويتبادل المراكز باستمرار،
ويملك رؤية استثنائية وقدرة على إرسال التمريرات الحاسمة في اللحظة المناسبة. يتصدر أوليسي قائمة صناع الأهداف في البطولة، ويعد من أكثر اللاعبين صناعة للفرص. إغلاق المساحات أمام أوليسي سيحرم فرنسا من أحد أهم مفاتيحها الهجومية.
المرحلة السادسة: ديمبيلي.. النجم الصامت بعيدًا عن الأضواء التي يسرقها مبابي، يقدم عثمان ديمبيلي واحدة من أفضل بطولاته على الإطلاق. سجل خمسة أهداف وقدم تمريرات حاسمة مؤثرة،
وأصبح عنصرًا ثابتًا في كل هجمة فرنسية تقريبًا. يمتاز لاعب باريس سان جيرمان بتحركاته غير المتوقعة، وقدرته على تغيير السرعة في جزء من الثانية، وتنوع أدواره بين صناعة اللعب وإنهاء الهجمات.
وسيكون الحد من خطورته ضرورة لا تقل أهمية عن مراقبة مبابي. المرحلة السابعة: الإمبراطورية الهجومية تكشف الأرقام حجم القوة الفرنسية بوضوح. دخل المنتخب الفرنسي نصف النهائي بعدما سجل 16 هدفًا، وهو أعلى رصيد تهديفي في البطولة،
وتجاوز حاجز المائة تسديدة على المرمى. لا يقتصر الأمر على كثرة المحاولات، بل على الكفاءة أيضًا، إذ يسجل الفرنسيون نحو 15% من إجمالي تسديداتهم.
هذه الأرقام تؤكد أن فرنسا لا تحتاج إلى صناعة عشرات الفرص حتى تهز الشباك، بل يكفيها استغلال الفرصة المناسبة. المرحلة الثامنة: التركيز حتى الثانية الأخيرة من أخطر مزايا المنتخب الفرنسي أنه لا يحتاج إلى فرض السيطرة على مجريات اللعب حتى يفوز. قد يمر الفريق بفترات طويلة دون استحواذ،
ثم يخطف الكرة وينطلق في هجمة واحدة تنتهي بهدف. مبابي أو أوليسي أو ديمبيلي قادرون على تغيير نتيجة المباراة في ثوانٍ معدودة، مما يجعل الحفاظ على التركيز طوال التسعين دقيقة أمرًا لا يقبل المساومة. هذه الفلسفة تمثل أحد أكبر الاختبارات أمام المنتخب الإسباني.
المرحلة التاسعة: السرعة القاتلة إذا كانت فرنسا تمتلك سلاحًا يخشاه جميع المنافسين، فهو السرعة. سجل كيليان مبابي أعلى سرعة في البطولة، بعدما بلغ 37.6 كيلومترًا في الساعة،
لكنه ليس الوحيد القادر على تحويل أي هجمة إلى سباق مستحيل. ديمبيلي وأوليسي ودويه وحتى مانو كونيه عند تقدمه من الخلف يمنحون فرنسا قدرة هائلة على الانطلاق في المساحات المفتوحة. لذلك سيكون على ثنائي الدفاع الإسباني، إيميريك لابورت وباو كوبارسي،
تقديم واحدة من أفضل مبارياتهما، مع الحفاظ على تمركز مثالي يمنع فرنسا من استغلال المساحات خلف الخط الدفاعي. المرحلة العاشرة: القمة التي تحمل اسم مبابي بعد اجتياز جميع الاختبارات السابقة، يبقى التحدي الأكبر.
كيليان مبابي يدخل نصف النهائي متصدرًا قائمة هدافي كأس العالم مناصفة مع ليونيل ميسي، ويعيش واحدة من أفضل فترات مسيرته الدولية. لم يعد بحاجة إلى لمس الكرة كثيرًا حتى يصنع الفارق، إذ تكفيه انطلاقة واحدة أو تسديدة واحدة أو لحظة إبداع لتغيير مصير المباراة بالكامل.
قد تنجح إسبانيا في السيطرة على الكرة، وتفرض إيقاعها، وتحد من خطورة أوليسي وديمبيلي، وتتجاوز قوة الدفاع الفرنسي،
لكن كل ذلك لن يكون كافيًا إذا لم تجد الحل لإيقاف مبابي. وهكذا، تبدو مواجهة نصف النهائي وكأنها رحلة عبر سلسلة من القمم الجبلية، حيث قد تُحسم بطاقة العبور إلى نهائي كأس العالم بلقطة واحدة فقط.