شكّلت زيارة وفد مجلس السلم والأمن الأفريقي إلى الخرطوم، الأحد الماضي، محطة بارزة في مسار استعادة الاتحاد الأفريقي صلته المباشرة بالملف السوداني، بعد قطيعة مؤسسية تعود إلى إجراءات الخامس والعشرين من أكتوبر 2021 وما تلاها من تعليق لعضوية السودان في المنظمة القارية.وأجرى الوفد محادثات مع رئيس مجلس السيادة الفريق عبد الفتاح البرهان،
ورئيس الوزراء كامل إدريس، وعدد من المسؤولين الحكوميين، في خطوة تضع الأزمة السودانية في إطارها العربي-الأفريقي المشترك، وتؤكد أنها مسألة تتصل بصميم منظومة السلم والأمن في القارة وامتداداتها الإقليمية.إعادة فتح مكتب الاتصال...
دلالات تتجاوز الشكللا تقتصر أهمية إعادة فتح مكتب الاتحاد الأفريقي في الخرطوم على الجانب الإداري، بل تمنح المنظمة حضوراً ميدانياً يمكنها من متابعة التطورات من داخل البلاد، وإدامة التواصل مع المؤسسات السودانية، وتوفير الدعم الفني،
وربط الاتصالات السياسية بالآليات الأفريقية المعنية بالسلام والأمن.وتُظهر تجارب الأزمات أن قيمة الحضور الدبلوماسي لا تُقاس بالبيانات الصادرة عنه، بل بقدرته على البقاء قريباً من مراكز القرار، ورصد التحولات التي قد تفتح نافذة لتسوية أوسع في أي لحظة. ومن هنا تبدو العودة إلى الخرطوم جزءاً من استعادة تدريجية لدور أفريقي متكامل مع الشركاء الإقليميين،
لا من موقع مراقب خارجي، بل عبر قناة مؤسسية ثابتة للعمل من الداخل.وتحمل الخطوة رسالة ضمنية مفادها أن تسوية الحرب لا يجوز أن تنفصل عن الإطار القاري، إذ يملك الاتحاد الأفريقي مصلحة مباشرة في استقرار السودان ومنع امتداد تداعياته إلى محيطه.تاريخ من الحضور الأفريقي في الملف السودانيأنشئ مجلس السلم والأمن الأفريقي عام 2003، ومنح ولاية واسعة في منع النزاعات وإدارتها وتسويتها،
مع بقاء هذه الولاية محكومة بحساسية السيادة الوطنية والطبيعة التوافقية للنظام الأفريقي. وبعد عامين فقط، وجد المجلس نفسه في قلب الترتيبات التي أعقبت اتفاق السلام الشامل عام 2005، ثم اتسعت مسؤولياته مع أزمة دارفور وملف العلاقة بين السودان وجنوب السودان بعد الانفصال.وبعد سقوط الرئيس السابق عمر البشير في 2019،
عاد الاتحاد الأفريقي إلى الواجهة، ودفع باتجاه انتقال مدني، وشارك في الاتصالات التي أفضت إلى ترتيبات تقاسم السلطة في أغسطس من العام نفسه، وكان مكتبه في الخرطوم قناة اتصال مباشرة بين المؤسسات الأفريقية والفاعلين السودانيين.
وفي يونيو ويوليو الماضيين، أكد الاتحاد أن إعادة فتح المكتب تستهدف تعزيز التواصل مع الأطراف السودانية ودعم مسار سياسي شامل.وتكمن مفارقة التجربة الأفريقية في أن الاتحاد طوّر أدوات أكثر تقدماً من أدوات منظمة الوحدة الأفريقية، لكنه لم يتحول إلى سلطة فوق وطنية قادرة على فرض إرادتها باستقلال عن الدول الأعضاء. وتظل قوة المجلس،
في أزمات كثيرة، رهناً بقدرته على تحويل الشرعية القارية إلى نفوذ سياسي فعلي.القضايا التي تحكم المقاربة القاريةتضع زيارة الوفد مجموعة من الملفات في صلب المقاربة الأفريقية للحرب السودانية، في مقدمها مستقبل الحرب ومسار التسوية. فاللقاء مع البرهان جاء في سياق تأكيد أفريقي على أن استمرار القتال لا يمكن أن يكون طريقاً مستقراً لإعادة بناء الدولة،
وأن التسوية المنشودة سياسية في جوهرها، وقائمة على الحوار والمصالحة والتوافق الوطني. ويدعم ذلك الموقف الأفريقي الداعي إلى وقف فوري وقابل للتحقق ومستدام للأعمال العدائية، تمهيداً لمسار سياسي شامل بقيادة سودانية.وتأتي في المرتبة الثانية مسألة وحدة الدولة وسيادتها،
إذ لا يتعامل الخطاب الأفريقي مع الحرب بوصفها نزاعاً عسكرياً بين طرفين فقط، بل أزمة تهدد البنية السياسية والإقليمية للدولة السودانية، ولذلك يرفض أي كيانات أو حكومات موازية، ويشدد على سلامة الأراضي ووحدة المؤسسات باعتبارها شروطاً سابقة لأي ترتيب سياسي قابل للحياة.وثمة قضية ثالثة تتصل بالمرحلة السياسية التي تلي الحرب،
إذ يربط الموقف الأفريقي بين إنهاء النزاع وإعادة بناء نظام دستوري وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية، وصولاً إلى انتخابات حرة ونزيهة. فوقف القتال، في التصور القاري،
ليس نهاية المسار، بل بدايته السياسية. وتضاف إليها قضية الدور الخارجي، حيث يحذر الاتحاد من التدخلات التي تزيد النزاع تعقيداً،
ويؤكد أن الأولوية للمبادرات الدولية والإقليمية التي تراعي وحدة المسار السياسي السوداني.ميزان النفوذ واختبار الوساطةتكشف الحرب السودانية حدوداً أكثر تعقيداً لنفوذ الاتحاد الأفريقي مما توحي به كثافة مواقفه وبياناته. فالمشكلة ليست في غياب الموقف السياسي؛ فقد ظل الاتحاد يرفض الحل العسكري، ويتمسك بوحدة السودان وسيادته، ويدعو إلى وقف القتال،
ويدين التدخلات الخارجية. غير أن الفارق بين إعلان الموقف والقدرة على تحويله إلى سلوك ملزم يظل المسألة الحاسمة.أول العوامل هنا ميزان النفوذ؛ فالاتحاد يملك شرعية قارية لكنه لا يملك بالضرورة أدوات نفوذ تكفي لتغيير حسابات قوى ترى في السودان جزءاً من ترتيبات أمنية ومصالح إقليمية أوسع. وعندما تتعارض قواعد المنظمة مع مصالح الدول، تصبح قدرة الاتحاد على الردع محدودة،
خصوصاً في غياب آلية عقابية واضحة أو كلفة سياسية ملموسة لمن يتجاوز مواقفه.والعامل الثاني مشكلة الوساطة نفسها؛ فتعدد المبادرات يعكس اهتماماً دولياً واسعاً بالملف السوداني، لكنه أسهم أيضاً في تشتت مسارات السلام. وقد دعت مبادرات عدة، في مقدمها المبادرة التي تستضيفها السعودية في جدة،
إلى ضرورة التنسيق، لأن الوساطات تفقد جزءاً من قيمتها حين لا تجتمع الأطراف المؤثرة حول قواعد تفاوض واحدة.أما العامل الثالث فهو اختبار المصداقية. فليس دقيقاً القول إن الاتحاد أخفق لمجرد استمرار الحرب، فمنظمات إقليمية لا تستطيع وحدها إيقاف نزاع تتوافر لأطرافه القدرة والرغبة في مواصلة القتال.
لكن استمرار الحرب يكشف أن الدبلوماسية الأفريقية لم تتحول بعد إلى نفوذ قادر على تعديل حسابات طرفي النزاع. لذلك تظل العودة إلى الخرطوم خطوة مهمة، لكن قيمتها الفعلية ستتحدد بقدرة الاتحاد على تحويل الحضور إلى معلومات ونفوذ وتنسيق وضغط سياسي. وهذا هو الاختبار الأصعب: ليس أن يكون الاتحاد حاضراً في الأزمة،
بل أن يصبح وجوده عاملاً مؤثراً في مسارها.خيارات صعبة في الفترة المقبلةقد تجد الفترة المقبلة مجلس السلم والأمن أمام خيار أكثر صعوبة: إما الاكتفاء بتطوير أدوات الوساطة القائمة، أو الانتقال تدريجياً إلى بناء قدرة تنفيذية أكثر تماسكاً. وليس المقصود بالضرورة إقامة سلطة فوق وطنية واسعة تصطدم بحساسية السيادة، بل تطوير أدوات محددة تجعل بعض القرارات قابلة للتحويل إلى إجراءات عملية،
لا سيما في مجالات وقف إطلاق النار، ومراقبة الالتزام، وحماية المدنيين، وتنسيق العقوبات،
ومنع تدفق السلاح.فالمجلس يمتلك ولاية واسعة تشمل صنع السلام وإدارة النزاعات وإجازة عمليات دعم السلام، لكن الفارق بين الاختصاص القانوني والقدرة التنفيذية يظل العامل الحاسم. ومن المرجح أن تصبح وحدة مسارات الوساطة شرطاً أكثر إلحاحاً؛ فالمسألة ليست مجرد تعدد الوسطاء، بل قدرة كل مسار على تحويل نفوذه إلى جزء من تسوية واحدة.وتمتلك السعودية،
بحكم علاقاتها الإقليمية والدولية واستضافتها محادثات جدة، قناة تفاوضية لا يمكن للاتحاد الأفريقي تجاهل وزنها، في حين توفر الآلية الخماسية إطاراً أوسع لتجميع الجهود الدولية والإقليمية. ولهذا فإن دخول الاتحاد في منافسة مباشرة مع هذه المسارات لن يخدم موقعه،
بل قد يُفقده المبادرة السعودية أو مكانه داخل الإطار الخماسي، بدلاً من توظيف حضوره بوصفه مكوناً مكملاً للجهود القائمة.والخيار الأكثر واقعية أمام الاتحاد هو بناء دور متكامل لا دور موازٍ؛ باستثمار شرعيته القارية وحضوره الميداني وصلاته بالمؤسسات السودانية، ثم ربط ذلك بالمسارات التفاوضية القائمة. وفي هذه الحال،
تصبح العودة إلى الخرطوم وسيلة لتعزيز موقعه داخل هندسة الوساطة، لا محاولة لإعادة رسمها من الصفر. أما إذا اختار التعامل مع المبادرات القائمة بوصفها منافسة على النفوذ، فقد تتحول عودة المكتب إلى الخرطوم إلى نهاية قصة الحضور الأفريقي في الأزمة السودانية،
لا سيما مع الفجوة القائمة بين الدور المطلوب والقدرة الفعلية على التأثير في مسار الحرب.