عبر مجموعة إسفيرية (أي مجموعة افتراضية) تضم عشرات السودانيين، يبدأ الطلب برسالة قصيرة فحواها أن مريضاً يحتاج إلى تكلفة عملية، أو أسرة نزحت ولا تملك إيجار الشهر، أو طالباً فقد مصدر دخله ويحتاج إلى رسوم دراسية،
وغيرها من طلبات الاحتياج. لا تمر هذه الطلبات بالضرورة عبر مؤسسة أو جمعية مسجلة في السودان، إذ يعرف أحدهم الحالة، ويتولى آخر جمع المبلغ،
ويبحث ثالث عن طبيب أو مدرسة أو سكن، بينما يحول شخص يعيش خارج السودان جزءاً من المبلغ المطلوب. في ظل الحرب التي اندلعت بين الجيش و"الدعم السريع" في أبريل (نيسان) 2023، اتسعت الاحتياجات الإنسانية وتوزعت الأسر بين مدن داخل البلاد ودول مختلفة نزح إليها آلاف السودانيين،
ومع النزوح وتراجع مصادر الدخل وارتفاع تكاليف العلاج والتعليم والسكن، أصبح الدعم القادم من الدائرة الاجتماعية جزءاً من قدرة بعض الأسر على الاستمرار. فالشخص الذي بدأ بجمع تبرعات لعلاج قريب قد يجد نفسه بعد أشهر يتلقى عشرات الطلبات، والمتطوع الذي يساعد النازحين في مدينة ما قد يصبح حلقة وصل بين أسرة في الخارج وأخرى فقدت كل مواردها في الداخل،
ومع الوقت، تتحول المساعدة من مبادرة عابرة إلى مسؤولية مستمرة، من دون ميزانية ثابتة أو فريق متفرغ أو مصدر تمويل مضمون. دوائر الثقة في الشبكات الاجتماعية السودانية،
تبدأ المساعدة من شخص يعرف شخصاً آخر، فقد تخبر أسرة أحد أقاربها بأن ابنتها تحتاج إلى علاج، أو يبلغ طالب صديقه بأنه لا يستطيع دفع الرسوم، أو يرسل نازحاً إلى أحد معارفه صورة لوضعه ومكان إقامته،
بعدها تبدأ سلسلة من الاتصالات، من يستطيع المساعدة، ومن يعرف الجهة المناسبة، وهل توجد طريقة لتحويل المال،
وهل الحالة موثوقة؟ الباحثة في علم الاجتماع سلمى عبدالرحمن تقول إنه "يمكن فهم شبكات التضامن الأهلي باعتبارها امتداداً للعلاقات الاجتماعية الموجودة أصلاً داخل المجتمع، فالأسرة الممتدة والحي والجامعة ومكان العمل والجالية ومجموعات الأصدقاء، كلها توفر قنوات للثقة وتبادل الموارد".
وتابعت عبدالرحمن "في ظروف الاستقرار، قد تستخدم هذه الشبكات في مناسبات محدودة كمساعدة شخص في الزواج أو علاج مريض أو دعم أسرة في ظرف طارئ، لكن الأزمات الممتدة تغير حجم الدور الذي تلعبه، فعندما تتعطل المؤسسات أو يصبح الوصول إلى الخدمات أكثر صعوبة،
تنتقل بعض الاحتياجات إلى الدائرة الاجتماعية، وتتحول المساعدة من سلوك استثنائي إلى ممارسة متكررة". وترى المتحدثة أن "ميزة هذه الشبكات الأساسية هي السرعة، فالشخص الذي يعرف الحالة قد لا يحتاج إلى إجراءات طويلة للتحقق منها،
ويمكنه الوصول إلى عدد من الأشخاص خلال دقائق عبر الهاتف أو مجموعات التواصل الاجتماعي، كما أن المعرفة الشخصية قد تسمح بتقديم مساعدة أكثر ملاءمة، لأن أفراد الشبكة يعرفون ظروف الأسرة واحتياجاتها". ولفتت الباحثة في علم الاجتماع إلى أن "هذه الميزة نفسها تحمل خطراً،
فالثقة الشخصية ليست نظاماً محايداً للتحقق، وقد تصل الموارد أولاً إلى الأشخاص الذين يملكون شبكة علاقات أوسع أو قدرة أكبر على الوصول إلى أصحاب المال، بينما تبقى أسر أخرى غير مرئية لأنها لا تعرف إلى من تتجه". مال متفرق مصادر التمويل في المبادرات الصغيرة لا تأتي من جهة واحدة،
فقد يدفع قريب جزءاً من التكلفة، ويتكفل صديق بمبلغ آخر، وتسهم أسرة مهاجرة بتحويل مالي، بينما يجمع شخص ثالث مبالغ صغيرة من مجموعة على الهاتف.
وفي بعض الحالات، يكون التمويل مستمراً لأن أفراد الشبكة يعيشون خارج السودان ويملكون دخلاً بالعملات الأجنبية، وفي حالات أخرى، يعتمدون على تبرعات محلية محدودة،
أو على شخص واحد يتحمل الجزء الأكبر من التكلفة، لكن ارتفاع الاحتياجات يضعف هذه المعادلة، فالشخص الذي كان قادراً على إرسال مبلغ شهري قد تتغير ظروفه، والأسرة التي كانت تساعد غيرها قد تتحول هي نفسها إلى طالبة للمساعدة.
الشبكات تعتمد على التضامن غير الرسمي (أ ف ب) المحلل الاقتصادي أحمد آدم يقول إن "الشبكات تعتمد على التضامن غير الرسمي في الغالب على ما يمكن وصفه بالتمويل الاجتماعي، أي تحويل جزء من دخل الأفراد أو مدخراتهم إلى شخص أو أسرة أخرى استناداً إلى علاقة ثقة أو شعور بالمسؤولية الاجتماعية". وأردف آدم أن "هذا النموذج يستطيع الاستجابة بسرعة، لكنه يعاني مشكلة أساسية تتمثل في محدودية الموارد،
فإذا كانت الأزمة قصيرة، فيمكن للأسرة أو مجموعة الأصدقاء جمع مبلغ لمرة واحدة، أما عندما تستمر الحاجة لأشهر أو أعوام، فإن الموارد التي كانت متاحة في البداية تبدأ في التراجع".
واستطرد المحلل الاقتصادي قوله إن "القدرة على التبرع تتأثر بمكان إقامة أفراد الشبكة ومصادر دخلهم، فالأشخاص الذين يعملون خارج السودان قد يمتلكون قدرة أكبر على إرسال تحويلات، لكنهم يواجهون بدورهم التزامات أسرية ومالية في البلدان التي يعيشون فيها، كما أن ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الصرف يمكن أن يقلل القيمة الفعلية للمبالغ المحولة".
وواصل آدم حديثه بأن "هناك اختلافاً بين تمويل حالة محددة وتمويل خدمة مستمرة، فعلاج عملية جراحية قد يحتاج إلى مبلغ كبير مرة واحدة، بينما التعليم والسكن والغذاء تحتاج إلى موارد متكررة، وهذا يجعل المبادرات التي تقدم خدمات طويلة الأمد أكثر عرضة للاستنزاف".
ويرى آدم أن "الاعتماد على متبرعين أفراد يجعل التمويل حساساً ويمس الثقة، فإذا ظهرت حالة احتيال أو غابت الشفافية في إحدى المبادرات، فقد يتردد المتبرعون في تقديم الدعم لحالات أخرى، حتى لو كانت حقيقية".
واختتم المحلل الاقتصادي حديثه بالقول "لهذا السبب، تصبح الشفافية المالية عاملاً أساساً في استمرار المبادرات الصغيرة، ولا يشترط ذلك إنشاء نظام محاسبي معقد؛ يمكن أن تبدأ الشفافية بتحديد المبلغ المطلوب، وتوضيح ما جُمع وما صُرف،
والاحتفاظ بالمستندات الأساسية، وتقديم تحديثات للمتبرعين، ومن المهم أيضاً الفصل بين أموال المبادرة والأموال الشخصية للقائمين عليها، قدر الإمكان،
لأن الخلط بين الاثنين قد يخلق مشكلات في الحسابات والثقة". خدمات بديلة في بعض الحالات، لا تكون المشكلة في غياب المال وحده، بل في غياب الشخص الذي يعرف أين يذهب المحتاج،
قد تعرف الأسرة أن ابنها يحتاج إلى علاج، لكنها لا تعرف طبيباً أو مستشفى يمكن أن يستقبله بتكلفة أقل، وقد يحصل طالب على قبول جامعي لكنه لا يعرف من يستطيع مساعدته في السكن أو الرسوم، وقد تصل أسرة نازحة إلى مدينة جديدة من دون معرفة الأحياء الآمنة أو المدارس التي تستقبل أبناءها،
هنا تتحول الشبكات الاجتماعية إلى وسيط بين الحاجة والخدمة. الباحث المتخصص في العمل الإنساني والمجتمعي ياسر المصطفى، أوضح أن "أهمية الشبكات الاجتماعية تظهر بصورة أكبر عندما تكون المشكلة مركبة، ففي الأزمات،
لا يحتاج الشخص دائماً إلى المال فقط؛ فقد يحتاج إلى معلومة أو إحالة أو وسيلة نقل أو شخص يعرف الجهة التي يمكن أن تقدم الخدمة". وزاد المصطفى "تتميز الشبكات المحلية بأنها تمتلك معرفة بالسياق. فالشخص الموجود في مدينة معينة يعرف المستشفيات المتاحة وأماكن السكن والأسواق والمدارس وطرق النقل، وأحياناً يعرف الأشخاص الذين يستطيعون تقديم خدمة بسعر منخفض أو مجاناً".
اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) وتابع الباحث "هذه المعرفة المحلية يمكن أن تقلل الوقت والتكلفة، خصوصاً بالنسبة إلى النازحين الذين يصلون إلى منطقة جديدة من دون شبكة اجتماعية واضحة، لكن هناك خطراً عندما تصبح الشبكة الوسيط الوحيد للحصول على الخدمة، فقد تتحول العلاقات الشخصية إلى شرط غير معلن للوصول إلى الرعاية أو التعليم أو السكن.
وهذا قد يخلق تفاوتاً بين الأسر، حتى داخل المجتمع نفسه". ومضى الباحث في العمل الإنساني والطوعي في القول "ينبغي الانتباه إلى أن المتطوع ليس بديلاً عن الطبيب أو الأخصائي الاجتماعي أو الجهة التعليمية، فدوره الأساس هو تسهيل الوصول إلى الخدمة المناسبة،
وليس تقديم خدمة تتطلب تخصصاً مهنياً". تعب المتطوعين قد يبدو الشخص الذي يجمع التبرعات أو ينسق المساعدات خارج دائرة المتضررين، لكنه غالباً يعيش جزءاً من الأزمة نفسها، وقد يكون المتطوع نازحاً،
أو يعمل لساعات طويلة، أو يساعد أسرته في الخارج، وفي الوقت ذاته يدير عشرات الطلبات، ومع مرور الوقت،
يصبح الهاتف مساحة عمل لا تتوقف. الناشط في العمل التطوعي والصحة النفسية نبيل الحاج يقول إن "العمل التطوعي في الأزمات يحمل جانباً إيجابياً مهماً، لأنه يمنح الأشخاص شعوراً بالقدرة على الفعل في ظروف يشعرون فيها غالباً بالعجز، لكن استمرار التعرض لقصص الفقد والنزوح والمرض،
مع الشعور بالمسؤولية عن مساعدة الآخرين، يمكن أن يؤدي إلى إنهاك المتطوع". ويرى الحاج أن "الخطر يزداد عندما لا توجد حدود واضحة بين وقت العمل ووقت الحياة الشخصية، فالهاتف الذي يستخدمه المتطوع للتواصل مع أسرته يصبح في الوقت نفسه قناة لاستقبال الحالات،
وقد يشعر بأنه مطالب بالرد على كل طلب، حتى في أوقات الراحة". وأضاف الناشط التطوعي أن "بعض المتطوعين يتحملون مسؤولية اتخاذ قرارات صعبة، مثل من يحصل على المساعدة أولاً؟
ماذا يحدث عندما يكون المبلغ المتاح أقل من احتياجات الحالات؟ وكيف يمكن إخبار شخص بأن المبادرة غير قادرة على مساعدته؟". واستطرد الحاج قوله "هذه القرارات قد تسبب ضغطاً أخلاقياً، خصوصاً عندما تكون الحالات متقاربة في درجة الاحتياج،
ولذلك فإن التنظيم البسيط يمكن أن يكون وسيلة لحماية المتطوع والمستفيد معاً، فتقسيم المسؤوليات بين أكثر من شخص، وتحديد ساعات للتواصل، ووضع معايير واضحة للأولوية،
وتوثيق الحالات، كلها إجراءات تقلل اعتماد المبادرة على شخص واحد". وأشار الناشط في العمل التطوعي إلى أنه "من المهم كذلك الاعتراف بأن المتطوع نفسه قد يكون بحاجة إلى الدعم، ففكرة أن الشخص الذي يساعد الآخرين يجب ألا يحتاج إلى المساعدة غير واقعية،
خصوصاً في أزمة واسعة مثل الحرب في السودان".