يكتسب الترحيب الحكومي بالمبادرة التي طرحها المبعوث الأممي إلى السودان بشأن التعاون في ملف تبادل الأسرى أهمية تتجاوز مسألة الإفراج عن المحتجزين، ليطرح تساؤلات حول قدرة هذا الملف على فتح قناة تواصل عملية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب التي أغلقت معظم مسارات التفاهم.في حين أكدت الخرطوم استعدادها للتعاون مع التشديد على أن أي عملية تبادل ينبغي أن تنفذ وفق القانون الدولي الإنساني والإجراءات القانونية المنظمة، لم يصدر عن قوات الدعم السريع موقف رسمي مباشر، إلا أن تحالفاً تابعاً لها ربط نجاح المبادرة بضرورة إدراجها ضمن مسار أوسع يفضي إلى هدنة إنسانية وعملية سياسية شاملة.خصوصية ملف الأسرى في النزاعات المسلحةلا يعود الاهتمام بهذا التطور إلى طبيعته الإنسانية فقط،

بل إلى خصوصية ملف الأسرى، إذ غالباً ما يشكل أحد أكثر الملفات قابلية للفصل عن التجاذبات السياسية، وفي الوقت ذاته أحد أكثرها حساسية من الناحية العسكرية والأمنية. وانخراط الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر في هذا المسار يمنحه قدراً من الضمانات الإجرائية المستندة إلى القانون الدولي الإنساني وخبرة مؤسسية طويلة في إدارة عمليات الإفراج المتزامن مع الحفاظ على الحياد والسرية.وتنظر المبادرة باعتبارها اختباراً لقدرة طرفي النزاع على التوصل إلى تفاهم محدود حول قضية إنسانية شديدة الحساسية،

وليس مدخلاً لتغيير موازين الصراع أو مؤشراً على اقتراب تسوية سياسية.انتهاكات موثقةخلصت البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق إلى أن الاحتجاز التعسفي والتعذيب والإخفاء القسري أصبحت جزءاً من نمط منظم للسيطرة على السكان، في انتهاك مستمر للقانون الدولي الإنساني. وسلطت تقارير محلية الضوء على أوضاع مأساوية داخل بعض أماكن الاحتجاز، من بينها سجن في نيالا تديره قوات الدعم السريع،

حيث أعلنت شبكة أطباء السودان وفاة أكثر من 215 محتجزاً خلال شهرين فقط نتيجة الأمراض وسوء الرعاية الصحية والتعذيب.ويقول موظف سابق في الأمم المتحدة إنه منذ الأعراف العسكرية القديمة وصولاً إلى اتفاقيات جنيف، تطورت معاملة الأسرى من امتياز تمنحه القوة المنتصرة إلى التزام قانوني تفرضه قواعد القانون الدولي الإنساني. ويشير إلى أن الحماية تظل أكثر تعقيداً في النزاعات المسلحة غير الدولية، حيث لا تنطبق صفة أسير حرب بالمعنى القانوني على المقاتلين المحتجزين،

وإنما يخضعون للحماية التي تكفلها المادة الثالثة المشتركة لاتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الثاني، اللذان يفرضان معاملة إنسانية ويحظران التعذيب والإعدام خارج القانون والإخفاء القسري.ويضيف أن القانون الدولي الإنساني لا يفرض على أطراف النزاع التزاماً قانونياً بإجراء عمليات تبادل، لكنه يتيح إبرام ترتيبات إنسانية طوعية ويخول اللجنة الدولية للصليب الأحمر عرض مساعيها الحميدة. ومن هذا المنطلق،

تمثل المبادرة الأممية اختباراً لقدرة الطرفين على استعادة حد أدنى من الالتزام بالقواعد الإنسانية في حرب اتسعت فيها الانتهاكات.إحياء المبادرة وتجارب سابقةيأتي إحياء مبادرة تبادل الأسرى في هذا التوقيت نتيجة تداخل عوامل، منها استمرار الحرب للعام الرابع واتساع أعداد المحتجزين والمفقودين، وتزايد الضغوط الدولية المرتبطة بالانتهاكات الموثقة. كما أن التجربة السودانية أظهرت أن هذا المسار ليس مغلقاً تماماً،

فقد اضطلعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بدور الوسيط المحايد في عدة عمليات إفراج محدودة منذ الأسابيع الأولى للحرب، حيث يسرت في يونيو 2023 إطلاق سراح 125 من أفراد القوات المسلحة، وأشرفت في أكتوبر من العام نفسه على إطلاق سراح 64 محتجزاً إضافياً، ليرتفع عدد من سهلت نقلهم إلى 292 شخصاً.وأعلن الجيش السوداني في سبتمبر 2023 تسليم 30 من صغار السن المنتمين إلى قوات الدعم السريع للجنة الدولية،

مع إبداء استعداده لتسليم مئات المحتجزين الآخرين. وفي يونيو 2024 نجحت وساطة أهلية في الإفراج عن 537 من أفراد الشرطة المحتجزين لدى الدعم السريع.تحديات معقدةعلى رغم التقارب النسبي في مواقف الطرفين، يظل الانتقال من الترحيب السياسي إلى التنفيذ العملي محفوفاً بتحديات معقدة. يتمثل التحدي الأول في غياب قاعدة بيانات موثوقة حول أعداد المحتجزين وأماكن وجودهم،

وسط اتهامات متبادلة بالإخفاء القسري. وتبرز معضلة التحقق من هوية المحتجزين وتصنيفهم مع اختلاط العسكريين بالمدنيين. ويضاف إلى ذلك التشتت الميداني، حيث لا تخضع جميع أماكن الاحتجاز لقيادة مركزية واحدة.وتقول ناشطة حقوقية إن التحديات الأمنية لا تقل أهمية عن الجوانب القانونية،

فعمليات النقل تتطلب ممرات آمنة وتوقفاً موقتاً للأعمال القتالية، إضافة إلى هشاشة الثقة بين الطرفين التي تثير مخاوف من استغلال العملية لأغراض دعائية أو استخباراتية. ويتطلب الأمر تبادل قوائم المحتجزين بصورة متزامنة، والاتفاق على آليات مستقلة للتحقق،

وتأمين ممرات إنسانية بإسناد أممي، مع ضمان عدم إعادة المفرج عنهم مباشرة إلى ساحات القتال.ودعت منظمات حقوقية إلى توسيع نطاق المبادرة ليشمل المدنيين المحتجزين تعسفاً والكشف عن مصير المفقودين والمخفيين قسراً، باعتبار أن معالجة هذه الملفات تمثل اختباراً حقيقياً لجدية الالتزامات الإنسانية وقد تشكل أول خطوة نحو بناء الثقة.مساران محتملانيصعب النظر إلى المبادرة باعتبارها مقدمة مباشرة لتسوية سياسية، غير أن ذلك لا يقلل من قيمتها بوصفها إجراء قادراً على إنتاج حد أدنى من الثقة بين طرفين انقطعت قنوات التواصل المباشر بينهما.

ففي النزاعات الداخلية، لا تبدأ الثقة باتفاقات كبرى، وإنما تتشكل عبر إجراءات محدودة يمكن التحقق من تنفيذها. وأظهرت الحرب أن الضرورات العملية فرضت في مناسبات محدودة قدراً من التنسيق غير المباشر،

مما يمنح المبادرة فرصة واقعية لإعادة فتح قنوات اتصال.أمام هذه المبادرة مساران: الأول أن تنجح، وفي هذه الحال قد تفتح الباب أمام مقاربة تقوم على فصل الملفات الإنسانية عن مسار الصراع العسكري، فالكشف عن مصير المفقودين، والإفراج عن المدنيين المحتجزين،

وتوسيع الوصول الإنساني، كلها قضايا يمكن أن تستفيد من الزخم الذي قد تولده عملية تبادل ناجحة. أما المسار الثاني، فهو التعثر،

وسيكون مؤشراً على أن فجوة انعدام الثقة لا تزال أعمق من أن تجسرها حتى أكثر الملفات إنسانية.