تتفاقم التحديات التي أفرزها الصراع الدائر في السودان بين الجيش وقوات "الدعم السريع" لنحو 42 شهراً بصورة يومية، لتطاول المواطنين في أوجه حياتهم كافة، ولا سيما التعدي على ملكية مستنداتهم العقارية التي فقدوها بسبب النزوح وتدمير أو حرق المنازل جراء القصف بالمدفعيات الثقيلة والصواريخ، مما أدى إلى هجرها وتعرضها لعمليات نهب واسعة لممتلكات ومقتنيات شملت الأصول الملكية،

في ظل تنامي ظواهر التزوير والاحتيال والتصرف غير المشروع في العقارات. ومع استئناف مكاتب تسجيل الأراضي أعمالها بصورة تدريجية ضمن مناطق مختلفة في العاصمة الخرطوم، تبرز الحاجة إلى فاعلية آليات التحقق والتدقيق في ملكية العقارات والوثائق البديلة، وكيفية التعامل مع الحالات التي تعذر فيها العثور على المستندات الأصل،

وقدرة الجهات المعنية على حماية حقوق المواطنين بصورة عامة وعلى وجه الخصوص الذين هم خارج البلاد من الضياع. ضياع الحقوق المواطن سليمان فتح الرحمن من سكان ضاحية الفتيحاب بأم درمان أوضح أن "منزلي تعرض لنهب محتوياته كافة، إضافة إلى حرق أجزاء واسعة منه نتيجة وقوع قذيفة عشوائية داخله، مما أدى إلى فقداني أصول مهمة من بينها وثائق ومستندات تتعلق بملكيتي للمنزل،

في وقت كان قرار نزوحنا على عجل حفاظاً على أرواحنا، ولم نفكر أن الحرب سيطول أمدها، وأننا سنهجر منزلنا لنحو ثلاثة أعوام متتالية". وأضاف أن "لدى عودتي،

وجدتُ سكاناً جدداً يحتلون منزلي ويرفضون إخلاءه. وما زاد الأمر تعقيداً أنني لا أملك حالياً شهادة بحث تثبت ملكيتي للعقار، بعدما فُقدت في ظروف لا أعرف ما إذا كانت ناجمة عن السرقة أو الحرائق التي اندلعت في المنزل أو التعدّي عليه، على رغم وجود شهود من أعيان الحي".

وقال "اضطررت إلى استئجار منزل، وبعدها أصبحت أتنقل بين مكاتب تسجيلات الأراضي لاستعادة وثائق منزلي، لكن من المؤسف اصطدمت بإجراءات معقدة، والمشكلة تتزايد مع عدم استرداد منزلي إثر صعوبة استخراج الوثائق".

وأشار المواطن إلى أن ما يخشاه الآن "أن يتعرض منزلي للبيع بعد تفشي ظاهرة التزوير والاحتيال والنصب والتصرفات غير المشروعة في حقوق وملكية المواطنين الذين نزحوا قسراً داخل البلاد وخارجها، وتفاقمت من دون علم الملاك". تنامي ظواهر التزوير والاحتيال والتصرف غير المشروع في العقارات (اندبندنت عربية - حسن حامد)​​​​​​​ إجراءات وتدقيق تعكس حال سليمان أحد أبرز التحديات التي يواجهها السودانيون، ولا سيما من فقدوا مستندات ملكية عقاراتهم خلال الحرب،

إذ تعرضت مؤسسات حكومية ومقار عدلية في الخرطوم للنهب والتخريب، مما أضرّ بقدرة بعض الجهات على استعادة السجلات والوثائق، وزاد من تعقيد إجراءات المواطنين الرامية إلى إثبات ملكيتهم واسترداد عقاراتهم. ويثير هذا الواقع تساؤلات في شأن مصير الملفات المفقودة أو المتلفة،

ومدى فاعلية البدائل المتاحة للتحقق من الملكية وحماية الحقوق العقارية في ظل تعطل بعض المؤسسات المعنية. في السياق، قالت موظفة تعمل في مكتب تسجيلات الأراضي في أم درمان، فضلت عدم ذكر اسمها،

إن "خلال فترة الحرب تعرضت ملكية عقارات المواطنين لتعديات من أطراف تتقن الاحتيال والتزوير، وواجهنا تعقيدات الإجراءات لاسترداد الحقوق بسبب ما تعرضت له مكاتب تسجيلات الأراضي من نهب وتدمير وفقدان البيانات، بخاصة أن استخراج بدل فاقد للوثائق يخضع لإجراءات رسمية تبدأ بتقديم طلب مرفق بالرقم الوطني، إضافة إلى إقرار مشفوع باليمين يثبت فقدان الملكية،

ويؤكد خلو العقار من النزاعات أو الرهن، ومن ثم تراجع السجلات ويجري التأكد من بيانات العقار قبل صدور الوثيقة البديلة". وأردفت أن "الإجراءات تشمل أيضاً نشر إعلان عن فقدان الوثيقة الأصل قبل تحويل المعاملة إلى المحاكم للتصديق بالإقرار القضائي". وواصلت "لكن فقدان صاحب العقار لأية أوراق لا يعني استحالة التحقق من الملكية،

إذ هناك إمكان البحث في السجلات الإلكترونية باستخدام اسم المالك ورقمه الوطني لتطابق البيانات مع السجلات المتوافرة، ولا سيما أن عملية التطابق ضرورية للتأكد من عدم وجود عوائق تحول دون إصدار الوثيقة، وإمكان إحالتها إلى المراجعة والتصديق". وزادت أن "في الظروف الطبيعية يستغرق إجراء المعاملة في الغالب نحو 15 يوماً،

لكن في ظل الظروف الاستثنائية التي تشهدها البلاد تمتد إلى أسابيع بسبب التحريات الإضافية، خصوصاً لو وجد اختلاف في البيانات"، مشيرة إلى أن "استعادة الوثائق تزداد تعقيداً بالنسبة إلى المواطنين خارج البلاد، ولا سيما أن المعاملة عبر توكيل شرعي يشترط استيفاء التصديقات المطلوبة،

مما يستغرق وقتاً أطول نتيجة التحقيق والتدقيق من صحة التوكيلات، في حين يُعد التفويض الشفوي أو الخطابات العادية غير معتمدة". ولفتت الموظفة إلى أن "مكاتب تسجيلات الأراضي عقب عودتها أصبحت تتلقى طلبات كثيرة، بينما تعثرت بعض المعاملات بسبب تعارض البيانات،

بيد أن التحقيق يُعد جزءاً من الإجراءات التي تهدف إلى الحد من عمليات التزوير والاحتيال في ملكية الغير". كارثة قانونية وعلى صعيد متصل، أوضح المحامي محمد عبدالرحيم أن "فقدان ملكية العقار بسبب تداعيات الحرب لا يعني ضياع الحق القانوني للمالك، ولا سيما أن العبرة في النظام العقاري السوداني ليست بحيازة ورقية وحدها،

وإنما بما يثبت في سجلات الأراضي ما دام أنها مقيدة". وبيّن أن "بإمكان المالك التقدم بطلب لاستخراج بدل فاقد مستعيناً بالرقم الوطني ورقم العقار والمربع، أو اللجوء إلى المحكمة المدنية لإثبات ملكيته، خصوصاً في حالات النزاع أو حين يتعذر الوصول إلى السجلات الأصل".

اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) واستطرد أن "حجم التعقيدات القانونية يختلف بحسب طبيعة المستند المفقود، ففقدان شهادة البحث، وهي الوثيقة التي توضح حال العقار، يُعد إجراءً إدارياً يمكن معالجته باستخراج شهادة بديلة،

أما فقدان سند الملكية أو العقد الأصلي، فيتطلب الرجوع إلى ملف العقار لدى مصلحة الأراضي للحصول على صورة معتمدة من المستندات إذا كانت محفوظة، بينما تكمن المعضلة الأكبر في تلف السجل العقاري نفسه، إذ لا يتعلق الأمر بفقدان ورقة يحتفظ بها المواطن،

وإنما احتمال ضياع البيانات الرسمية التي تثبت ملكيته". وأشار إلى أن "تلف السجل العقاري يمثل كارثة قانونية وإدارية حقيقية لأن معالجة هذه الحالات تتطلب إعادة بناء السجلات بالاستناد إلى النسخ الاحتياطية للوثائق السابقة وأحكام المحاكم، أو اتخاذ إجراءات إعادة التسوية والتسجيلات وفقاً للقانون". ونبه عبدالرحيم إلى أنه "في الحالات التي يتعذر فيها الوصول إلى أي مستند أصل يمكن الاستعانة بصورة شهادة بحث قديمة والعقود الموثقة أو إيصالات خدمات المياه والكهرباء،

فضلاً عن المستندات التي تثبت الحيازة أو التصرف في العقار، غير أن هذه الوثائق ضعيفة لا تؤدي جميعها الوظيفة القانونية لإثبات الملكية". وسائل حماية وفي السياق ذاته، حذر المتخصص في قضايا الأراضي المحامي ياسر زين العابدين من أخطار استغلال غياب أصحاب العقارات بسبب النزوح وتعطّل المؤسسات،

عبر معاملات غير قانونية تشمل التوكيلات المزورة والمستندات غير المطابقة، وأكد ضرورة التحرك القانوني المبكر لحماية العقارات من التعديات، ولا سيما في حالات الاشتباه بالاحتيال، مشيراً إلى إمكان اللجوء إلى إجراءات تحفظية تمنع التصرف في العقار إلى حين الفصل في النزاع.

وأوضح أن "من وسائل الحماية الممكنة تقديم طلب تسجيل يحفظ على صحيفة العقار متى توافرت شروطه القانونية، مما يساعد في منع التصرفات التي قد تمس حقوق المالك، علاوة على إمكان اللجوء الى المحكمة بما يتوافر من مستندات وأدلة على الحيازة". وقال "الإقرارات المشفوعة باليمين وشهادات أعيان الحي واللجان يمكن أن تسهم في دعم موقف المالك،

إلا أن قرائن الإثبات تخضع لتقديرات الجهات المتخصصة، ولا سيما أن شهادة الشهود والإقرار مشفوعان باليمين لا يمنحان الملكية بصورة مباشرة، وإنما يساعدان في إكمال البينة خصوصاً عندما يتعذر الوصول إلى المستندات الأصلية". واستدرك في ختام حديثه أن "الخطر لا يقتصر على فقدان أوراق الملكية فقط،

بل يمتد إلى احتمال استغلال غياب أصحابها لإجراء معاملات قد يصعب التراجع عنها بعد اكتمالها، لذلك فإن الاحتفاظ بنسخ إلكترونية من المستندات والتحقق من وضع العقار لدى تسجيلات الأراضي، والتحرك القانوني فور ظهور أية معاملة مشبوهة، تمثل خطوات أساسية للحد من أخطار ضياع الحقوق العقارية أثناء الحرب".