تحولت مناطق واسعة من ولاية جنوب دارفور إلى مسرح لمواجهات دامية بين قبيلتي السلامات والبني هلبة، بعد تجدد نزاع قديم حول الأرض ومسارات الرعي ومصادر المياه في محيط محلية كُبُم جنوب غربي مدينة نيالا. ما بدأ باشتباكات محدودة منذ 23 مايو الماضي سرعان ما اتسع ليشمل قرى ومحليات في جنوب ووسط دارفور، مع حشود قبلية متزايدة وتدفق مقاتلين إلى خطوط المواجهة.في الأيام الأولى سقط عشرات القتلى والجرحى من الجانبين،
وامتد العنف إلى المناطق السكنية والأسواق. أظهرت التطورات تصاعداً في مستوى التسليح باستخدام آليات عسكرية ومركبات قتالية وطائرات مسيّرة، ما رفع أعداد الضحايا ووسع رقعة الدمار. اندلعت حرائق في قرى وأحياء سكنية،
والتهمت النيران عشرات المنازل، فيما فر آلاف المدنيين نحو رهيد البردي وأم دخن ومحلية السلام ومناطق أكثر أمناً. تدهورت الأوضاع الإنسانية في مراكز النزوح الموقتة التي تفتقر للغذاء والمياه والخدمات الأساسية.في 31 مايو اتسعت دائرة المواجهات بعد حشد مقاتلين على ضفتي وادي روينا، قبل أن تمتد الاشتباكات إلى مناطق جديدة.
بحلول يونيو الجاري ارتفعت حصيلة القتال بشكل ملحوظ، وخلت قرى بأكملها من سكانها، وسط استمرار الحشد والاستنفار وتزايد المخاوف من انتقال النزاع إلى مناطق أخرى من دارفور.خلفية القبيلتينتنتمي قبيلتا السلامات والبني هلبة إلى الحزام العربي الرعوي الممتد عبر دارفور وتشاد، وهما من أكبر المجموعات القبلية المؤثرة في تاريخ الإقليم.
السلامات قبيلة عربية عابرة للحدود، تنتشر في جنوب ووسط وغرب دارفور، ولها حضور في إقليم ودّاي التشادي. ترتبط حياتها بالرعي وتربية الماشية والتجارة الحدودية،
وتنقسم إلى عشائر متعددة حافظت على روابطها رغم تباعد مناطقها. البني هلبة إحدى أكبر القبائل العربية البقارية في دارفور، تتركز في جنوب دارفور خصوصاً رهيد البردي وعد الفرسان وأبو حمرة. منحتها سلطنة دارفور قديماً حاكورة واسعة عززت مكانتها السياسية والاقتصادية،
وتضم عشرات العشائر التي جعلتها من أكثر القبائل تنظيماً وتأثيراً.رغم الروابط الاجتماعية والمصاهرات والتعايش الطويل، ظلت العلاقة بين المجموعتين عرضة لدورات توتر بسبب التنافس على المراعي والمياه ومسارات الحركة الموسمية للقطعان، وتفاقمت مع موجات الجفاف والتصحر وتراجع سلطة الدولة وانتشار السلاح منذ ثمانينيات القرن الماضي. بلغ النزاع ذروته بعد أشهر من اندلاع الحرب السودانية في 2023،
حين تحولت حادثة جنائية محلية في محيط كُبُم إلى مواجهة قبلية واسعة استخدمت فيها الأسلحة الثقيلة والعربات القتالية، وأسفرت عن مقتل وإصابة أكثر من 320 شخصاً وإحراق بلدات وقرى كاملة ونزوح أكثر من 10 آلاف شخص. تبعتها اتفاقات صلح ووقف عدائيات برعاية الإدارات الأهلية، لكنها انهارت أمام هشاشة الترتيبات الأمنية وعمق الشكوك المتبادلة،
لتبقى جذور النزاع قائمة.موازين النفوذيمثل القتال الجديد انفجاراً لأزمة تراكمت بصمت. الشرارة المباشرة كانت مقتل راعٍ في منطقة الجريف قرب كُبُم في سياق توترات حول المراعي والمياه، ثم هجوم على تجمع سقاية أوقع قتلى وجرحى، ثم استهداف لجنة أهلية كانت تعمل على تسلم الجثامين واحتواء التوتر،
مما أجهض مساعي التهدئة وأطلق تعبئة قبلية واسعة. هذه الوقائع ليست سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة نزاعات غير محسومة. حرب 2023 خلفت مئات القتلى وقرى محروقة وآلاف النازحين، لكنها لم تنتج تسوية حقيقية تعالج جذور الصراع.
الاتفاقات المتعددة اقتصرت على وقف موقت للقتال دون بناء آليات للمحاسبة أو التعويض أو إدارة الموارد المشتركة.العوامل الأعمق تتصل بتحولات دارفور منذ الحرب السودانية. انهيار مؤسسات الدولة وتراجع سلطة الإدارة المدنية أدى إلى انتقال إدارة الأمن والنفوذ إلى الفاعلين المحليين المسلحين، فصارت الأرض والمياه ومسارات الرعي جزءاً من معادلة القوة. الانتشار الواسع للسلاح وتراكم المظالم المرتبطة بضحايا الحرب خلق بيئة مشبعة بالرغبة في الثأر وعدم الثقة.
النزاع حمل أيضاً بعداً يتعلق بإعادة ترتيب موازين النفوذ المحلي في جنوب دارفور، حيث سعى كل طرف لتأكيد حضوره وسيطرته على مناطق الحركة التقليدية ومجالات الرعي والتجارة في ظل فراغ أمني. الأحداث الأخيرة ليست مجرد مواجهة حول حادثة قتل، بل تعبير عن أزمة أوسع تتداخل فيها اعتبارات الثأر والموارد والسلطة والهيبة القبلية في لحظة هشة.تأثير النزاعلا تقتصر خطورة القتال على عدد الضحايا أو حجم الدمار،
بل تتجاوز إلى كونه مؤشراً على تحولات بنية السلطة والأمن في دارفور خلال أكثر من ثلاث سنوات من الحرب. دخول المسيّرات والأسلحة الثقيلة إلى نزاع قبلي محلي يكشف هشاشة الحدود بين الحرب النظامية والصراعات الأهلية، وتسرب أدوات الحرب الكبرى إلى النزاعات المحلية مما يضاعف قدرتها التدميرية ويطيل أمدها. إنسانياً،
أدى النزاع إلى موجة نزوح جديدة في إقليم يعاني أصلاً واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية، حيث أُجبرت مئات الأسر على المغادرة، وتضررت الأسواق والمرافق الصحية ومصادر المياه، مما عمق هشاشة المجتمعات المحلية واستنزفها الحرب والجوع وانهيار الخدمات.
أثر النزوح لا يقتصر على فقدان المأوى، بل يمتد لتفكك شبكات الإنتاج والرعي والتجارة التي تشكل أساس الاقتصاد المحلي.اجتماعياً، أخطر ما أنتجه القتال تقويض ما تبقى من ثقة بين مجتمعين جمعتهما علاقات مصاهرة وتعايش ومصالح مشتركة لعقود. الحروب القبلية لا تنتهي بتوقف إطلاق النار،
بل تترك ذاكرة مثقلة بالثأر والخسائر والاتهامات القادرة على إعادة إنتاج العنف حتى بعد سنوات. سياسياً وأمنياً، أظهرت الأحداث حدود فعالية آليات الوساطة المحلية؛ فالاتفاقات الموقعة منذ نزاع 2023 انهارت رغم مشاركة قيادات أهلية وعسكرية مؤثرة، مما يعكس تراجع قدرة المؤسسات التقليدية على فرض الالتزام في ظل انتشار السلاح وتعدد مراكز القوة.
اضطرار قوات الدعم السريع لمنع استخدام مركباتها القتالية من قبل أبناء القبيلتين وعقد اجتماعات عاجلة لقادتها المنتمين للطرفين يكشف حجم الإرباك الذي أحدثه النزاع داخل مناطق نفوذها.سيناريوهات محتملةتشير المعطيات إلى أن النزاع مرشح للاستمرار حتى مع نجاح وساطات محلية في فرض تهدئة موقتة. الخبرة من جولات سابقة تظهر أن المشكلة ليست في غياب اتفاقات وقف إطلاق النار، بل في غياب البيئة السياسية والأمنية القادرة على حمايتها وإنفاذها. السيناريو الأول والأكثر ترجيحاً هو تراجع حدة المواجهات تحت ضغط الخسائر البشرية واتساع النزوح وتدخل القيادات،
مع بقاء التوتر بسبب المظالم والثارات الجديدة التي ستعيد إنتاج العنف عند أي حادثة. السيناريو الثاني يتمثل في اتساع رقعة النزاع جغرافياً، نظراً لامتداد القبيلتين عبر جنوب ووسط دارفور ووجود تجمعات سكانية مختلطة، مما قد يحول الصراع المحلي إلى أزمة إقليمية تؤثر في توازنات دارفور بأكملها.
السيناريو الثالث والأخطر هو تحول النزاع إلى نموذج لصراعات داخل المعسكرات المسلحة نفسها، حيث إن اشتراك أعداد كبيرة من أبناء القبيلتين في التشكيلات العسكرية قد ينعكس على شبكات التحالف ويخلق اصطفافات جديدة. استخدام المسيّرات والآليات العسكرية في الأحداث الأخيرة يظهر أن أدوات الحرب باتت متاحة داخل النزاعات الأهلية.السيناريو الإيجابي ممكن لكنه مشروط بتوافر عناصر لم تظهر بعد: تسوية شاملة لقضايا التعويضات والديات، وضمان عودة النازحين،
وإنشاء آليات مشتركة لإدارة المراعي والمياه، وإعادة بناء سلطة قادرة على احتكار استخدام القوة وفرض الالتزام. دون ذلك، ستظل أي تسوية أقرب إلى هدنة موقتة.
مستقبل النزاع لن يتحدد بقرار القبيلتين فقط، بل بمآلات الحرب السودانية نفسها؛ فكلما طال أمد الحرب واتسع الفراغ الأمني، ازدادت قدرة النزاعات المحلية على التحول إلى مراكز قوة مستقلة.